توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


اعتراف خطير سربه الكاتب الاقتصادي الأردني المعروف الدكتور فهد الفانك الذي تجتمع الحكومات المتعاقبة على الرضى عنه رغم خلافاتها البينية الأخرى العميقة, في حين تنتقده المعارضة لما عرف من تأييده لسياسات صندوق النقد الدولي, وإن اتفقت كافة الأطراف على قدراته ككاتب اقتصادي.

والاعتراف (صحيفة الرأي 19/1/2007) يقول إن السيناريوهات التي رسمها صندوق النقد الدولي لتطوير الاقتصاد الأردني -وهي عادة توضع لخمس سنوات ويجري تحديثها سنوياً وآخرها يمتد حتى نهاية 2010- كلها لم تتحقق, بل إن الفروق بين التقديرات -وبالاتجاهين نحو الأفضل أو الأسوأ- كانت واسعة!!

والأدهى أن الدكتور الفانك يعترف أيضا بأن جميع الخطط التي رسمها الأردن خلال أربعين سنة لم تتحقق أيضاً, بل إنه في كثير من الأحيان تحقق عكسها.. والكاتب الذي يقيم بشكل دائم في الصحيفة اليومية الرسمية منذ ما يزيد على ثلاثة عقود وعين مؤخراً رئيسا لمجلس إدارتها, يعزو الأمر إلى كون الأردن جزءا من الشرق الأوسط يتأثر بالتالي بقائمة من العوامل السياسية والاقتصادية يورد منها: ما يحدث في فلسطين والعراق ومستقبل العملية السلمية والحرب على الإرهاب وأسعار النفط والعمالة في أسواق الخليج والمساعدات الخارجية ومواقف الدول الكبرى.. إلخ.

"
يعترف الفانك بأن السيناريوهات التي رسمها صندوق النقد الدولي لتطوير الاقتصاد الأردني كلها لم تتحقق, بل إن الفروق بين التقديرات -وبالاتجاهين نحو الأفضل أو الأسوأ- كانت واسعة!!
"
ولكن هذه عوامل تؤثر على كامل اقتصاد المنطقة وعلى قدر غير يسير من اقتصاد العالم كله, ومع ذلك لا يمكن قول الشيء ذاته عن اقتصاد دول أخرى في المنطقة غير نفطية, كسوريا مثلا التي تتمتع باقتصاد قوي ونام باطراد رغم أنها لا تتمتع برافعة "دول صديقة" مانحة أو راعية مما نتمتع به نحن.

أم هل هو اعتماد الأردن التاريخي على الدور السياسي لرفد الاقتصاد, وهو دور أخذ بالأفول بعد توقيعنا لاتفاقية وادي عربة التي اقتصرت حجة حكومتنا لتبريره على وعد بازدهار اقتصادي جاءت الوقائع بعكسه أيضا، وبعد أن تيسر لأميركا احتلال العراق.

والأخير كانت المعارضة وحدها تحذر من آثاره المدمرة على اقتصادنا, وشارك في التخوف الدكتور الفانك, وإن بذات طريقته في تلطيف الأمر بتوقع سيناريوهات أخرى لم تتحقق هي أيضا, في حين كانت الحكومة تحسب عوائد معونات وُعدت بها أو منت بها نفسها أو زعمتها!!

ولكن بعد توقيع وادي عربة وتكشف أن لا رخاء سيأتي, بل إن المعونات العربية التي كانت تجلب بحجة أننا نحمل عبء " أطول خط مواجهة " تقلصت أو توقفت كلياً.. أما المساعدات الغربية التي يسرت لحين توقيع الاتفاقية, فيلخص مصيرها قول السيدة سبيرو مساعدة وزير التجارة الأميركية في قمة عمان الاقتصادية التي تلت توقيع المعاهدة, إن "زمن المعونات النقدية قد انتهى"، مبررة ذلك بتنامي أرصدة مسؤولين أردنيين في الخارج بما يساوي تلك المعونات.

حينها اعترفت الحكومة الموقعة وعلى لسان نائب رئيس الوزراء وزير الاقتصاد الدكتور جواد العناني, بأنه لم يجزل أحد صراحة أياً من الوعود التي سوقت بها الحكومة اتفاقيتها, ولكن "كان هنالك حديث عام, في الدهاليز وليس في قاعات الاجتماع والتفاوض.. عن مشاريع وعن ازدهار اقتصادي.. إلخ"!!

فهل هو نهاية عهد تسويق الدور السياسي كسلعة رئيسية, بمعنى أن النهج الذي مر بسلام لأكثر من ثلاثة عقود لم يعد ممكناً أن يمر إلى نهاية العقد الجديد, أم هو تراجع في قدرة الحكومات الجديدة على تسويق ذلك الدور مما استلزم قرع الدكتور الفانك للناقوس؟؟

إذا كان تسويق السلعة الاقتصادية يلزمه "اقتصاديون" من اختصاصات وحرف مختلفة حسب كل نشاط إنتاجي أو خدمي, فإن تسويق السياسة يلزمه "سياسيون" بالمقابل.

وهذا يؤدي بنا إلى التوقف عند اعتراف آخر لكاتب "سياسي" أردني لا يقل أهمية عن الدكتور الفانك, هو السيد ناهض حتر. والسيد حتر كان مضطهدا تغلق صحيفته ويلاحق ويسجن حين كان في المعارضة, ثم أصبح -كالدكتور الفانك- مرحباً به وحجزت له زوايا ثابتة في أكثر من صحيفة رسمية أو شبه رسمية.

ويزيد من الشبه -وهو هام هنا لبيان أن شهودنا على الدولة من أهلها- أنه بينما أجلس الدكتور الفانك في مقاعد الصحافة مع احتفاظه بمقعده في بنك رئيسي كاقتصادي "بالمهنة", أجلس السيد حتر في بنك كبير كمستشار ثقافي براتب كبير وترك أيضاَ ليستقر لأول مرة في حياته في الصحافة التي هي مهنته.. ولكن الأهم أن كلاهما تشهد له المعارضة كما الحكومات بالكفاءة, كل في مهنته الأصل, الأول كاقتصادي والثاني كسياسي.

ومع أن اعتراف السيد حتر لم يأت مفاجأة ولا معزولاً عن الخط العام للصحافة الأردنية الجادة, فإن العديد من الصحفيين كانوا يرسلون رسائل مشابهة منذ فترة رغم تصاعد وتيرة التهليل المفروض عليها, وفي ما بين هتافات التهليل لما يقال إنه السياسة الرسمية دون أن تبدو معالم تلك السياسة واضحة للكاتب ذاته (مما سيأخذنا سرد الوقائع إلى نموذج منه تالياً).. إلا أن مقالة السيد حتر هذه لخصت الحال السياسي في عهد الحكومات الأخيرة المتعاقبة بكلمة "المأزق" (العرب اليوم 22/1/2007).

"
حتر:
الحكومة الحالية فقدت الحظوة عند الرأي العام، وهي حظوة تأتت لها لأن مراكز القوى هم أقطاب الفساد في حكومات سابقة وفي مجلس النواب الحالي من الطامعين في تولي الحكومة
"
فالسيد حتر يقول صراحة إن الحكومة الحالية فقدت الحظوة عند الرأي العام.. وهي حظوة يقول الكاتب إنها تأتت لها لأن مراكز القوى ممن يسميهم السيد حتر بالليبراليين الجدد, وهم أقطاب الفساد في حكومات سابقة وفي مجلس النواب الحالي من الطامعين في تولي الحكومة, بحيث تؤشر برامج -أو مزاعم- الحكومة في مكافحة الفساد حتماً على صفقات هؤلاء التي تناولتها الصحافة وخطابات بعض النواب وتقارير ديوان المحاسبة ذاتها, ولكن دونما بادرة محاسبة نيابية أو قضائية جادة.

و"مراكز القوى" هذه -حسب تشخيص السيد حتر- تفعل هذا لأنها "معزولة شعبيا بصورة خانقة بحيث إنها محكومة بأن تبقى وراء الكواليس لا تستطيع الوصول إلى الدوار الرابع -مقر الحكومة- أو إجراء انتخابات عامة تؤدي إلى برلمان يؤيدها". ومع أن هذه الجهات وبرامجها هي المسيطرة فإنها -لكونها مضطرة للبقاء وراء الكواليس- تحاول تمرير سياساتها عبر "توليفات" حكومية مقبولة اجتماعياً تستعين بأعضاء من "النخبة السياسية" التي تحظى بالدعم الاجتماعي والسياسي من دون أن تكون قادرة على تنفيذ برامج مضادة.

ويقسم الكاتب الشخصيات المقبولة اجتماعياً إلى نوعين: "شخصيات ذات تجربة وفعالية وحضور وديناميكية, لن تقبل بالتبعية لليبراليين الجدد", ونوع آخر "أدت تفاعلات هذا المأزق إلى الاستهلاك المتسارع له في حكومات متعاقبة.. مستعد للمساومة والتعاطي والقبول بالنهج المسيطر, ويتحول بذلك من فئة السياسيين إلى فئة الموظفين.

ولكن المشكلة أن الدوار الرابع موقع سياسي وتتطلب إدارته –بصورة كفؤة– سياسيين".. وفي رأي السيد حتر أظهرت حكومة البخيت -في سلسلة مواقف متلاحقة معروفة- افتقارها إلى الحس السياسي والتماسك والديناميكية".. والحل الديمقراطي ليس وصفة "بسيطة" لأن أي انتخابات حرة ونزيهة ستؤدي إلى برلمان يتعارض مع مراكز القوى تلك التي تضغط لإخراج "حكومات ضعيفة ومقيدة ومشكلة من الصف الثاني, مما يجعل أداءها سيئاً وتخسر حضورها بسرعة, خصوصاً أن مراكز القوى تبدأ على الفور بحملات لتحجيم تلك الحكومات التي يشلها الخوف والارتباك وتلجأ إلى العزلة وتدخل فيما يشبه الغيبوبة"!!

ولعل ما يجسد هذا الارتباك أنه لم يعد هناك سيناريو واحد مطروح -سياسي أو اقتصادي- قابل للتحقيق. وإذا كان الدكتور الفانك أشار كعادته إلى الغيبوبة السياسية من باب ارتجالية الخطط الاقتصادية, فإن شواهد الارتباك أو الشلل أو "الغيبوبة" السياسية كثيرة, ويكشفها الإعلام على تقييده المعروف.

وكمثال نورد ما كتبه السيد فهد الخيطان في شأن أحد أهم الأدوار التي تتصدى لها الحكومة وتزعم فيها بالذات دوراً قيادياً إقليمياً في إطار ما تسميه "محور الاعتدال", وخارجه باعتبارها كانت وستظل فاعلة ما قبل وما بعد تشكل ذلك المحور.. وهو ما يتعلق بمفاوضات وتسويات القضية الفلسطينية.

ففي زاويته اليومية في "العرب اليوم" يقول السيد فهد خيطان يوم 14/1/2007 إن الأردن أعد لزيارة رايس بعد تسرب أنباء عن اقتراح أميركي بدولة مؤقتة, وذلك بالتنسيق مع مصر والرئيس عباس, لتسمع رايس "لغة واحدة", وأن الأردن "قطع الطريق على أية مقترحات جديدة تتجاوز حل الدولتين" حتى قبل قدوم رايس.. وهو في هذا يكرر النسخة الرسمية التي عرضها العديد من كتاب الدولة.

وفي عدد يوم 22/1/2007, يعنون الكاتب نفسه مقالته باحتجاج "هل انقلب عباس على الأردن؟؟"، ويقول إن المسؤولين الأردنيين يكابرون لإخفاء غضبهم من عباس الذي تصرف بطريقة استفزازية ومهينة ليس فقط لأنه رفض مبادرة الأردن لعقد لقاء بينه وبين رئيس وزرائه إسماعيل هنية في عمان, بل لأنه قبل بعرض آخر سوري لزيارة دمشق على أمل أن يرضى مشعل بلقائه.

وأن هؤلاء المسؤولين لا يريدون اعتبار ما جرى فشلاً سياسيا ولا يكفون عن تقديم الأعذار نيابة عن عباس, الذي يعتبر الكاتب أنه كان يجب أن يقبل الدعوة كتقدير من طرفه للدور الأردني المنحاز إلى جانبه رغم المعارضة الواسعة في الشارع الأردني للسياسة الرسمية تجاه حماس والملف الفلسطيني عموماً.

"
السؤال الأهم الذي يعني الأردن بالذات دون دول محور الاعتدال الأخرى هو: هل ما يعيشه الأردن سياسيا يعد مأزقا نتج عن ارتباك رجال من الصف الثاني تحركهم أو ترعبهم مراكز القوى لتشل الحالة السياسية للحفاظ على مصالحها؟ 
"
ويخلص إلى أنه "أردنياً ما جرى يعني أن السياسة الرسمية بشأن الملف الفلسطيني مرتبكة وتحتاج إلى مراجعة للإجابة على الأسئلة التالية: هل كانت المبادرة الأردنية خطوة صائبة أم متسرعة؟ هل نستمر في مقاطعة حكومة حماس بعد أن وجهت الدعوة رسمياً لزيارة الأردن؟ هل ينبغي الاستمرار في العلاقة مع عباس كحليف أوحد في الساحة الفلسطينية؟ هل سياسة مقاطعة قيادة حماس في الخارج تخدم الأردن أم أن مصلحة الأردن تتطلب تنويع الخيارات؟". 

ويوم 24/1/2007, نفاجأ بالكاتب يعود بمقالة عنوانها "الدبلوماسية الأردنية.. جهود الفرصة الأخيرة" ليتراجع عن كل هذا ويقول إن "فشل لقاء عباس هنية قد يكون بحد ذاته هدفاً تكتيكياً لمساعدة عباس على الصمود في وجه هنية.. ولم يكن قرار الرئيس الفلسطيني الذهاب إلى دمشق للقاء خالد مشعل خروجاً على محور المعتدلين, وإنما بتنسيق ومباركة دول المحور, ويأتي في سياق إستراتيجية متكاملة تعفي عباس من مسؤولية فشل محاولات تشكيل حكومة وحدة وطنية"!!

فهل يصدق عقل أن دعوة لاستضافة حوار تقصد في الحقيقة إفشاله وإعفاء الطرف "الرافض للحوار" من مسؤولية الفشل؟! ألا يتحمل طرف ثالث هنا -هو نحن و"محور الاعتدال"- وزر هذا الفشل إن خططنا له هكذا بناء على ما جرى من لقاءات "في السر" مع رايس وغيرها, كما تقول المقالة الاستدراكية.. أم هو ارتباك الحكومة أضاع بوصلتها نهائياً, فجاء عذرها أقبح من الذنب الذي اتهمت به؟!

"مبادرات" حكوماتنا غير المسيسة كالسير في الرمال المحركة, بحيث يصبح شللها أرحم لها ولنا. وقد سبق أن وقعنا في ذات الحرج عند قيامنا باتهام واستعداء حزب الله وهو يخوض حرب مقاومة على أرض لبنان ضد الهجمة الإسرائيلية, خاصة حين خرج حزب الله منتصراً باعتراف خصومه في لبنان بحيث سألوه "لمن سيهدي نصره"؟؟

وكان الشارع الأردني والعربي حينها مع حزب الله بسنته ومسيحييه وعلمانييه.. ورغم احتقان المشاعر حاليا تجاه إيران بسبب قيام فصيل شيعي متطرف بإعدام الرئيس صدام حسين وبتلك الطريقة الاستفزازية, فإن حرجاً مماثلاً قد يقع قريباً نتيجة سياسات أميركا الحالية التي قبلها من يسمون أنفسهم "محور الاعتدال" ذاته.. وهي سياسات ضد توجه الشارع الأردني والعربي, المرجح أن تعود أميركا ذاتها عنها قبل مضي أقل من عامين, مما سيؤكد أن المتعاقبين على "الدوار الرابع" ليسوا سياسيين حتى!!

ولكن السؤال الأهم الذي يعني الأردن بالذات دون دول "محور الاعتدال" الأخرى الأكبر والأقوى وغير المستهدفة في كيانها كما نحن مستهدفون, هو: هل هذا "مأزق" نتج عن ارتباك رجال من الصف الثاني تحركهم أو ترعبهم "مراكز القوى" لتشل الحالة السياسية، لكون الحراك السياسي السليم يتصادم حتما مع مصالح تلك "المراكز" المعزولة التي لا تملك أي جذور أو نفوذ أو شعبية؟

أم هو مأزق تحرك فيه "مراكز قوى دولية" ومراكز قوى محلية مختلقة كي تغيب النخب الأردنية فيعم الارتباك بحيث تضيع البوصلة ومن ثم الإرادة وتعتم الهوية السياسية, تمهيداً لأوضاع بديلة تسقط علينا لتحل محل هذه "الفوضى الخلاقة"؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك