محمد مصطفى علوش

-أسباب التحول المفاجئ للإدارة الأميركية
-سيناريوهات الرد الإيراني
-التحسب الأميركي للسيناريوهات الإيرانية
-"مدريد/15" استباق أوروبي لمنع الحرب

بعد الانتخابات الأميركية وما صاحبها من تغيرات في القيادات العليا للإدارة الأميركية ظن الجميع أن الولايات المتحدة تتجه لفتح حوار جدي مع إيران وسوريا بعد إقرار فشلها بالعراق، لكن الذي حدث هو العكس تماما، فإذا بالإدارة الأميركية ترفع من تصعيدها وتهديدها لإيران على لسان أكثر من مسؤول ما ينذر بضربة قريبة جدا لإيران.

فبين ليلة وضحاها وبعد صدور تقرير بيكر/هاملتون الداعم لحوار مع سوريا وإيران بأسابيع، بدأت واشنطن في فتح ملف التدخل الإيراني في العراق، فمن وراء هذا التحول؟

أسباب التحول المفاجئ للإدارة الأميركية
بعد صدور تقرير بيكر/هاملتون أبدى إسرائيليون الخشية منه لا في بعده الفلسطيني أو السوري وإنما في بعده الإيراني، فأميركا في سعيها لتسهيل انسحابها من العراق قد تساوم إيران على أمرين، النفوذ الإيراني في العراق وغض النظر عن المشروع النووي الإيراني ما يهدد أمن الدولة الإسرائيلية.

"
ليس أمام إسرائيل لتفادي حصول إيران على قنبلة نووية إلا دفع بوش إلى توجيه ضربة لإيران قبل نهاية ولايته, وذلك عبر تفجير الوضع المتأزم أصلا بين طهران وواشنطن من خلال تقارير استخباراتية إسرائيلية
"
خاصة مع كشف تقرير سري أعدته الحكومة الفرنسية في مايو/ أيار2006 يؤكد أن إيران "أصبحت على نحو مفاجئ قاب قوسين أو أدنى من الحصول على يورانيوم مخصب أو بلوتونيوم لاستخدامه في إنتاج قنبلة نووية" حسب صحيفة لوس أنجلوس تايمز.

فما كان أمام إسرائيل لتفادي هذا السيناريو إلا دفع بوش إلى توجيه ضربة لإيران قبل نهاية ولايته، وذلك عبر تفجير الوضع المتأزم أصلا بين طهران وواشنطن من خلال هذه التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية.

ومن بين عناوين هذه التقارير الاستخبارية التي يروج لها عامودس يادلين قائد الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "القاعدة تسعى إلى توسيع انتشارها في الشرق الأوسط.. الظواهري أصدر أوامره لينتشر عناصر في سوريا ولبنان ومصر.. حزب الله أعاد بشكل شبه كامل بناء ترسانته ويمثل مجددا تهديدا لحيفا وشمال إسرائيل.. التوتر القائم على الحدود مع سوريا يشبه تمامًا الأجواء التي سبقت حرب أكتوبر 1973.. الجانب السوري يستعد للحرب القادمة".

سيناريوهات الرد الإيراني
كشفت رايس منذ أيام أن الرئيس بوش أصدر قبل عدة أشهر أمرا يقضي بشن هجوم واسع النطاق على المصالح الإيرانية في العراق. وقد ترجم هذا الكلام مباشرة من خلال اعتقال القوات الأميركية لستة موظفين إيرانيين عند دهمها لمكتب عائد للحكومة الإيرانية في أربيل شمال العراق.

ففي حال أراد بوش توجيه ضربة لإيران فإن للأخيرة جملة أوراق يمكن أن تستعملها نحاول أن نعددها باختصار:

1- محاولة إغلاق مضيق هرمز في وجه أي ناقلة نفط أو سفينة تجارية.
2- تحريك الشيعة في دول الخليج وكذلك في العراق ضد الأهداف والقوات الأميركية.
3- تفعيل جبهة جنوب لبنان من قبل حزب الله وسوريا ضد شمال إسرائيل وربما بصواريخ تصل إلى تل أبيب.
4- الضغط على حركتي حماس والجهاد في فلسطين بتكثيف الهجمات على الإسرائيليين.
5- استهداف السفارات الأميركية والإسرائيلية في أي دولة من دول العالم.
6- شن هجمات بالصواريخ على أماكن وجود الأميركيين في المنطقة برا وبحرا، إضافة إلى توجيه صواريخ إلى إسرائيل.
7- دور ما لسوريا وإن كان غير واضح ماهية هذا الدور وما مدى خطورته.

التحسب الأميركي للسيناريوهات الإيرانية
وتحسبا لما يمكن أن تقدم عليه إيران قامت الولايات المتحدة بوضع خطة متكاملة ومنسقة ومدروسة بعناية كانت قد اشتغلت عليها لفترة طويلة:

أولا: بالنسبة للانتقام الشيعي المتوقع في العراق من قبل المليشيات الشيعية المدعومة من إيران كجيش المهدي وفيلق بدر التي من المتوقع أن تشن هجمات مسلحة على ثكنات الجيش الأميركي في حال قصفت إيران فقد قضت الإستراتجية الأميركية الجديدة بسحب القوات الأميركية من المدن بعد إمداداها بـ20ألف جندي أميركي جديد، والإسراع بتسليم الملف الأمني لحكومة المالكي التي أخذت على نفسها وعدا بتجريد المليشيات الشيعية المسلحة من أسلحتها لا سيما جيش مقتدى.

ولإنجاح هذه الخطوة سيتوجه لواء كردي من الجيش العراقي إلى بغداد للمشاركة في تنفيذ الخطة الأمنية الجديدة.

كما قضت الخطة الأميركية تعيين الجنرال ديفد بتريوس خلفا للجنرال جورج كايسي ليصبح قائدا للقوات الأميركية في العراق حيث ينوي الرئيس بوش أن يعتمد عليه للتعامل مع واقع حالة التمرد بالعراق.

"
تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة سوف تنشر فوجا من الدفاع الجوي الأميركي في منطقة الخليج مجهزا بصواريخ مضادة للصواريخ من طراز باتريوت, تحسبا لما يمكن أن تقدم عليه إيران في حال شن هجوم عليها
"
وكان بوش قد وصف الجنرال بتريوس في بيانه بأن "خدمته في العراق أهلته بخبرة الحرب اللانظامية وعمليات إقرار الأمن وفهم العدو الذي نواجهه".

ثانيا: قوة إيران الهجومية تكمن في منظومة الصواريخ التي تملكها، وقد قضت الإستراتيجية الأميركية لمواجهة الصواريخ الإيرانية بتعزيز وجودها الجوي والبحري في منطفة الخليج من خلال إرسال حاملة الطائرات "يو أس أس جون سي. ستينيس" لتنضم الى حاملة الطائرات "يو أس أس دوايت دي. أيزنهاور" التي كانت قد وصلت الخليج العربي في 11 يناير/ كانون الثاني 2006 وعلى متنها 6500 بحار وجندي، مزودين بطائرات مهمتها الإنذار المبكر وطائرات لتوفير الحماية للطائرات المقاتلة مصحوبة بعدد من المدمرات والغواصات الهجومية.

وأما الحاملة "يو أس أس جون سي. ستينيس" فلديها أسلحة دفاعية للمسافات القصيرة وأنظمة "رام" لإطلاق صاروخ أرض جو ونظام فلانكس المضاد لصواريخ كروز وأنظمة إلكترونية أخرى، وعلى متنها مستشفى بمخزون المضادات الحيوية تحسبا لأي هجوم يستخدم فيه الأنثراكس أو غاز الأعصاب وذلك تخوفا من أي انتقام إيراني بالأسلحة غير التقليدية.

كما تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة سوف تنشر فوجا من الدفاع الجوي الأميركي في منطقة الخليج مجهز بصواريخ مضادة للصواريخ من طراز باتريوت.

وبما أن الضربة الأميركية لإيران سوف تعتمد بشكل أساسي على المقاتلات التي تنطلق من البوارج المتمركزة في الخليج، وكذلك على الصواريخ التي ستنطلق من القطع البحرية الأميركية، فقد تم استبدال الجنرال جون أبي زيد بالأدميرال البحري وليام فالون، وهو أكبر قائد عسكري أميركي في المحيط الهادئ ليصبح قائد القيادة الأميركية الوسطى التي تدير العمليات العسكرية لأميركا في العراق وأفغانستان.

ثالثا: هذه الآلة العسكرية الضخمة التي تقوم الولايات المتحدة على نشرها في منطقة الخليج قادرة على إفشال المخطط الإيراني من إغلاق مضيق هرمز، ولكن في حال نجحت إيران في إغلاقه ولفترة معينة عبر زوارق انتحارية أو عبر زرع ألغام بحرية على جنباته فقد عملت الولايات المتحدة على زيادة مخزونها النفطي بشكل هائل وبما يكفي لاكثر من 20 شهرا إضافية، وهذا ما يفسر ارتفاع أسعار النفط لأكثر من 70 دولارا للبرميل ثم تراجعها الي 55 دولارا.

رابعا: أما بخصوص الضغط الإيراني على كل من الفلسطينيين والسوريين، فإن الإدارة الأميركية تسعى إلى تشكيل جبهة عربية موحدة ضد النفوذ الإيراني عبر زيارة رايس الحالية إلى المنطقة، وقد نجحت زيارتها إلى حد كبير في تحقيق هدفها هذا، حيث أكدت كل من السعودية ومصر على دعمهما الكامل للإستراتيجية الجديدة في العراق.

"
إذا نجحت إيران في إغلاق مضيق هرمز ولفترة معينة فقد عملت أميركا على زيادة مخزونها النفطي بشكل هائل لأكثر من 20 شهرا, وهذا ما يفسر ارتفاع أسعار النفط لأكثر من 70 دولارا للبرميل ثم تراجعها إلى 55 دولارا
"
ورغم اتهام بعض الصحف العبرية لـ"رايس" بالإيغال في ممارسة الكذب على العرب من خلال كثرة الوعود التي تعد بتنفيذها، فقد وعدت رايس "دول الاعتدال" ومن يرغب بدخول هذا النادي من الدول العربية الأخرى بتنفيذ المبادئ الخمسة التي وضعتها الجامعة العربية للخروج بالعراق من أزمته، وهي ضمان وحدة أراضيه واستئناف عملية الوفاق واعتبار المواطنة هي أساس الهوية ووقف أنشطة المليشيات وتعديل الدستور العراقي.

بل إن رايس وعدت عمرو موسى "بأن تكون هذه المبادئ جزءا من السياسة الأميركية في الفترة المقبلة"، ما يعني أننا سنشهد تكثيفا دبلوماسيا عربيا باتجاه سوريا وفلسطين ولبنان لإبعادهم عن إيران بعد أن بدأت أميركا بتفهم رؤية العرب بضرورة الحل الشامل بدءا من الدولة الفلسطينية مرورا بقضية الجولان وانتهاء بالحفاظ على وحدة العراق دولة عربية.

خامسا: بما أنه من المستحيل إبعاد حزب الله عن إيران ارتأت الولايات المتحدة على محاربته من الداخل اللبناني من خلال إعطاء الضوء الأخضر لوكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) للقيام بتنفيذ خطة سرية لمساعدة الحكومة اللبنانية على التصدي للنفوذ الإيراني، عبر تمويل المجموعات المناهضة لحزب الله في لبنان والإنفاق على النشطاء المؤيدين لحكومة السنيورة حسب ما كشفت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية.

"مدريد/15" استباق أوروبي لمنع الحرب
ازداد القلق الأوروبي من تدهور الوضع في الشرق الأوسط خاصة مع التهديدات الموجهة لإيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ويعود التخوف الأوروبي إلى تداعيات الحرب التي ستؤثر سلبا على الاتحاد الأوروبي، ومن هذا التداعيات:

1- ازدياد عدد المهاجرين من الشرق الأوسط إلى الاتحاد الأوروبي، ما يسبب خطرا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا له على المدى البعيد.

2- تصدير الحرب إلى عواصم الاتحاد الأوروبي من الموالين لإيران الذين لهم تاريخ عريق في تفجير السفارات المعادية لإيران في الدول الغربية.

3- تنشيط القاعدة وغيرها من التنظيمات المسلحة خلاياها في أوروبا في ظل فوضى عارمة قد تنشأ في منطقة الشرق الأوسط ما يسهل لها حرية الحركة والتخطيط.

4- تعرض المصالح الأوروبية في المنطقة للخطر.

5- ارتفاع أسعار البترول حيث من المرجح أن إيران ستعمل على إغلاق مضيق هرمز لمنع نقل النفط من خلال الزوارق الانتحارية.

هذه المخاوف دفعت بشيراك أن يعلن خلال القمة الفرنسية الإسبانية في خيرونا "شمال شرق إسبانيا" 16/11/2006 أن فرنسا وإسبانيا وإيطاليا تحضر مبادرة مشتركة بشأن السلام في الشرق الأوسط مؤكدا أن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يبقى مكتوف الأيدي أمام "الوضع المأساوي الذي يزداد مأساوية في الشرق الأوسط وفلسطين خاصة", وأن التحرك هو لإجراء إصلاحات معنوية وسياسية لا بد منها في الشرق الأوسط.

ووافقه على ذلك رئيس وزراء إسبانيا ثاباتيرو قائلا "ينبغي أن ننتهي من كل هذا العنف"، وأضاف "نريد تطبيق مبادرة مشتركة للوضع في الشرق الأوسط وتمريرها على مستوى الاتحاد الأوروبي مع ألمانيا وبريطانيا بشكل أساسي".

"
مما لا نشكك فيه أن إقدام الولايات المتحدة على خطوة ضرب إيران سوف يحول المنطقة إلى بركان ناشط لسنوات طويلة وسيجعل من العداء الطائفي أمرا قائما لعقود قادمة
"
كلام شيراك وثاباتيرو ترجم عمليا بمؤتمر "مدريد-15" الذي عقد في العاصمة الإسبانية الأربعاء الماضي وعلى مدى ثلاثة أيام بدعوة من مركز "توليدو" الدولي للسلام والمعهد الثقافي، بمناسبة مرور 15 عاما على مؤتمر "مدريد للسلام في الشرق الأوسط".

وقد حمل اختيار وزير خارجية إسبانيا ميغيل أنخيل موراتينوس لتمثيل إسبانيا في المؤتمر دلالات تصب في الرغبة الأوروبية لإيجاد حل دائم وشامل للشرق الأوسط، وقد بدا ذلك واضحا في خطاب المبعوث السابق للسلام في الشرق الأوسط موراتينوس الذي قال "إن أي حل يجب أن يذهب أبعد من خريطة الطريق "التي تجاوزها الزمن" وأن يشمل كل القوى الإقليمية.

وأخيرا نحن نشكك مع شمس الواعظين مستشار "مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية"، بقدرة الولايات المتحدة على تدمير منشآت إيران النووية نظرا لانتشارها في أماكن مختلفة وسرية.

وفي حال نجحت هذه الضربة فإن إيران ستقوم ببناء منشآت أخرى سرا، لأنها باتت تملك "المعرفة النووية، وهذا أهم شيء من المنظور الإستراتيجي لها".

لكن ما لا نشكك فيه أن إقدام الولايات المتحدة على هذه الخطوة سوف يحول المنطقة إلى بركان ناشط لسنوات طويلة وسيجعل من العداء الطائفي أمر قائم لعقود قادمة.

نعم من الغباء الشديد أن يقدم بوش على ضرب إيران، ولكن متى كان بوش عاقلا، حسب ما يقول عبد الباري عطوان.
ــــــــــــ
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة