ميشيل شحادة

في الماضي القريب ورغم الآلام تمتع المسلح الفلسطيني بسمعة بهية وزاهية وقوية في الوعي الفلسطيني والعربي، كان أشبه بالأسطورة التي يرغب الجميع بالتشبه بها والوصول إلى ما وصلت إليه من بطولة وجرأة وتضحية بالروح في سبيل الوطن، كان رمز الأمل المشرق وعنوان المستقبل الواعد بالتحرير والعودة وبناء المجتمع الذي يضحي من أجله بكل ما هو غال وثمين.

أما في هذا الوقت الحاضر فقد أصبحت صورة هذا المسلح الفلسطيني قاتمة باهتة، حيث بهت بريق الفدائي وأصبحنا نستذكر قصة قابيل يقتل أخاه هابيل دون وازع لحرمة دم الإخوة.

أصبح هذا المسلح جسما مستهجنا في الأحياء الفلسطينية التي أصبحت تعتبره خطرا ونذير شؤم. كما أصبحت الجماهير الفلسطينية تنفر من المسلحين وتتجنبهم بدلا من إيوائهم وحمايتهم كما كانت تفعل مع الفدائيين الذين يوجهون ضرباتهم لجيش العدو.

"
كان الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني كابوسا يعيش في الوجدان الفلسطيني في مخيمات اللجوء في لبنان, ولكن لم يخطر على بال أحد أن يمتد هذا الكابوس إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة
"
أصبحت أيام غيفارا غزة وجميع الأبطال جزءا من الماضي، حين كان السلاح موجها دوما إلى الاحتلال الصهيوني وعملائه. كان السلاح مخبأ لا يشهر إلا في وجه الاحتلال وليس سلاحا استعراضيا يشهر للاستقواء به على الشقيق الفلسطيني.

ذاك كان زمن الفدائي، بينما يبدو أن هذا الزمن هو زمن قابيل وهابيل، حيث انتقل الصراع من صراع مع العدو إلى صراع المقاعد والسلطة.

حين يتحول "الفدائي" إلى مصدر للخوف من قبل أبناء جلدته، تصبح القضية التي أزهق في سبيلها عشرات الآلاف من الأرواح في مأزق حقيقي، لقد تلوثت صورة الفدائي، أصبحت صورة مخجلة، تلك الصورة التي وصل إليها السلاح الفلسطيني قد لوثت الجميع بمن فيهم الشرفاء الذين لا زال سلاحهم شريفا لدى حركات المقاومة على اختلاف مسمياتها.

كان الاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني كابوسا يعيش في الوجدان الفلسطيني في مخيمات اللجوء في لبنان. ولكن لم يخطر على بال أحد أن يمتد هذا الكابوس إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.

إذ لا يعقل أن تتطور الأمور مأساويا بين الإخوة ورفاق الدرب الواحد إلى هذا المستوى في الوقت الذي يواجه فيه كلاهما العدو الصهيوني بشكل يومي، إن الاقتتال الداخلي خطيئة عظمى بحق الوطن والشعب والقضية.

لم يتخيل أحد أن توجه البندقية الفلسطينية إلى الصدر الفلسطيني بدلا من العدو الذي يجثم على قلوبنا في الأرض المحتلة. لكن الانحدار السياسي الفلسطيني إلى هذا الدرك قد جعل من هذا الأمر واقعا مرا وسابقة خطيرة تهدد بالويل والمآسي للقضية الفلسطينية.

لقد اقتحمت القوات الإسرائيلية وسط مدينة رام الله "عاصمة" السلطة الفلسطينية في بداية العام الجديد وفي وضح النهار ودمرت وقتلت وجرحت مواطنين فلسطينيين بينما كان المسلحون الفلسطينيون يتخاصمون بالسلاح في موقع آخر، يا لها من وصمة عار على الجبين الفلسطيني!

لو أهملنا دور العامل الخارجي قليلا في تعزيز هذه الأزمة، لوجدنا أن التدني الذي وصلت إليه النخب القيادية المتنفذة للشعب الفلسطيني يثبت ما لديها من عمى في البصر والبصيرة وشح في الحكمة وعدم انتماء لهذا الشعب ولهاث وراء ما هو شخصي وأناني وحزبي.

وما كان للقضية الفلسطينية أن تصل إلى هذا المستوى لولا أن أولويات قياداتها هي الراحة والبحث عن الثراء الذي أتاحه لها وجودها في السلطة واستسلامها لمخطط الإفساد الصهيوني الممهد لنسف القضية الفلسطينية من داخلها.

هذا ما حصل لقيادات حركة فتح التي سيطرت اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا خاصة بعد اتفاق أوسلو ما أوصل القضية الوطنية الفلسطينية للمأزق الذي تعيشه الآن.

أما حركة حماس التي كانت محصنة من تداعيات أوسلو وذلك بالنضال من خارجه، فقد اختارت أن تدخل بمحض إرادتها نفس القفص (الشرك) الذي وقعت به حركة فتح.

"
كانت حركة حماس محصنة من تداعيات أوسلو وذلك بالنضال من خارجه, وهو ما أهلها للحصول على ثقة الشعب، فانتخبت على أمل أن تؤسس لنهج ومرحلة وممارسة مختلفة, لكن شتان بين طرح الشعارات من خارج قفص أوسلو وتنفيذها من داخله
"
فحركة حماس التي وصلت إلى ما وصلت إليه من مكانة دفعت أهل الأراضي المحتلة إلى منحها الثقة، فانتخبت على أمل أن تؤسس لنهج ومرحلة وممارسة مختلفة. ولكن شتان بين طرح الشعارات من خارج قفص أوسلو وتنفيذها من داخله.

يحز في النفس أن نعرف أن أسباب الصدام بين فصيلي فتح وحماس قد تمركزت حول الحصة من الكعكة (الدويلة) المزعومة، يشعر المواطن العربي بالألم والإحباط والعجز حين يرى ويسمع هذه الأخبار الفاجعة، بل نراه يعجز عن المساهمة في حل الأزمة الخطيرة التي تصيب كل فلسطيني وعربي وكل من يغار على هذه القضية العادلة.

لا يقتصر خطر الصراع بين فتح وحماس على الصدام المسلح بينهما، بل سيؤدي هذا الصراع إلى تصدع النضال الفلسطيني والاجتماعي والسياسي، كما سيؤدي ذلك إلى الثنائية الديكتاتورية التي صاغها وصنعها كل منهما، ثنائية تستثني وتستبعد الآخر وترفض وجوده في الساحة الفلسطينية.

فعندما تحدد محور الحوار في المحاصصة بدلا من الحوار من أجل الوحدة الوطنية أصبحت النتيجة الحتمية هي الاقتتال الداخلي.

فليس هناك محاصصة لدى حركة تحرر وطني أرضها محتلة بشكل كامل وثلثا شعبها يعيش في الشتات ويعتاش على الفتات الذي توزعه مشيئة الاحتلال، بما يؤدي إلى إثارة النعرات وتأجيج الفتنة بين أبناء الشعب الواحد.

فحوار المحاصصة على وهم سلطوي مرتكز على أساس "لمن تكون الغلبة" ستكون نتيجته صراعا في اتجاه مضاد للمصلحة الوطنية.

وبما أن القضية الفلسطينية تمر في مرحلة تحرر وطني وليس دولة مستقلة فهي بحاجة إلى جميع مكونات الشعب الفلسطيني مهما صغر حجمها، فالمرحلة لا تحتمل تركيبة السلطة والمعارضة كما هو الحال في أي دولة مستقلة، فالفلسطينيون بحاجة إلى الوحدة والتماسك على جميع المستويات وبشكل ديمقراطي حقيقي يستطيع مواجهة التحديات الضخمة التي تواجه القضية الفلسطينية.

عادة ما يتم استحضار الفصائل الفلسطينية حين يتم الحديث عن مكونات المجتمع الفلسطيني، إذ تستحضر تلقائيا فصائل فتح وحماس والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والجهاد الإسلامي وغيرها، لكن هذا التصنيف والاختزال للشعب الفلسطيني ومكوناته في عدة فصائل إفقار لهذا الشعب ومكوناته وإن كانت جزءا من هذه المكونات الهامة.

فالشعب الفلسطيني يعيش ظروفا معقدة بسبب التشرذم الذي يعيش فيه، وتعتبر الوحدة الوطنية أهم إنجازات الشعب الفلسطيني ومصدر قوته ويجب الحفاظ عليها كشعب واحد ذي قضية واحدة هي تحرير فلسطين وتحقيق العودة.

إن القضية الفلسطينية قضية طويلة الأمد وتمتد عبر أجيال عدة، وإذا كان الشعب الفلسطيني يريد النجاح في مسعاه بالتحرير والعودة وإحباط المحاولات التي يبدعها أعداؤه لإبقائه مشرذما والسعي لتصفية قضيته فإنه ينبغي عليه أن يحمي وحدته باستمرار وأن يسعى بشكل دائم إلى فهم المستجدات والقضايا الجديدة ليستوعبها في برامجه ويجعلها مصادر قوة لا ضعف كما هو حاصل الآن.

يعيش الشعب الفلسطيني في ثلاث تجمعات رئيسية، هي التجمع الفلسطيني في منطقة فلسطين المحتلة عام 1948، والتجمع الفلسطيني في منطقة فلسطين المحتلة عام 1967، والتجمع الفلسطيني في مخيمات الشتات وأماكن اللجوء الأخرى.

"
القضية الفلسطينية قضية طويلة الأمد وتمتد عبر أجيال عدة, وإذا كان الشعب الفلسطيني يريد النجاح في مسعاه بالتحرير والعودة فإنه ينبغي عليه أن يحمي وحدته باستمرار وأن يسعى  إلى فهم المستجدات والقضايا الجديدة ليستوعبها في برامجه
"
وأصبح لكل من هذه التجمعات قضاياه المستقلة وخصوصيات تميزه عن التجمعات الفلسطينية الأخرى. ولا يعني هذا أن الشعب الفلسطيني قد توقف عن كونه شعبا واحدا موحدا.

فهذا الشعب لن يتوقف البتة عن كونه شعبا واحدا، بل يزداد ترابط أجزائه كلما ازداد تعقد قضيته الوطنية. ولكن صفات مميزة باتت تتشكل وتتعمق ضمن عملية تطور حياتية طبيعية بسبب خصوصيات كل بيئة تعيش فيها هذه التجمعات.

هذه الخصوصيات التي من الممكن أن تكون مصدر دعم وقوة إذا تم استيعابها وفهمها وبرمجتها والتعرف على منابع قوتها واستثمارها في البرامج النضالية واستيعابها في البنى السياسية.

أو قد تكون مصدر ضعف وتشرذم إذا أهملت وأغمضت العيون عنها علها تختفي تماما كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال متوهمة أن الخطر سيزول إذا لم تره عيناها.

إن إهمال قضايا وخصوصيات التجمعات الفلسطينية والمستجدات الخاصة بكل منها قد يؤدي إلى الابتعاد بها عن التقاطع مع البرامج الوطنية العامة المشتركة.

فقد يحصل أن ينشغل كل تجمع في خضم هذه القضايا الحياتية بشكل يطغى على القضية الوطنية، أو قد يؤدي على الأقل إلى إضعاف التحام هذه التجمعات مع الهمّ الوطني المشترك، فيسهل بذلك استيعابهم من قبل البرامج المعادية الرامية إلى إبعادهم عن قضيتهم الوطنية خاصة القطاع الشبابي.

يعيش هؤلاء حالة قمع مضاعف، فهم من جهة يرزحون تحت وطأة نظام عنصري صارم يعتبرهم قنبلة ديمغرافية موقوتة داخل الكيان الصهيوني، ومن جهة أخرى يعيشون على هامش الاقتصاد الإسرائيلي في مجتمع يعمل بشكل دائم وبكل السبل على تهميشهم وضرب وحدتهم والطمس الكامل لهويتهم الوطنية والقومية وكيانهم السياسي، كما يسعى إلى أسرلتهم في الوقت نفسه.

وتزداد هذه المحاولات شراسة وقوة بشكل طردي مع ازدياد شعور هذا المجتمع الصهيوني الاستيطاني بالفزع والعزلة وهستيريا الارتياب (البارانويا) الناتجة عن شعوره بالعجز عن ترويض روح المقاومة والرفض العربي الشعبي له في المنطقة.

يحق لهذا التجمع الفلسطيني أن يعمل ضمن خصوصياته ولحماية نفسه وعروبته المهددة بالخطر، له أن يحدد أولوياته واختيار قياداته وتنظيم نفسه بما يراه مناسبا لحياته اليومية.

يقوم بذلك دون أي تدخل من التجمعات الفلسطينية الأخرى في هذه العملية. وبنفس الوقت لا يحق له أخذ القرارات المختصة بالتجمعات الأخرى، ولا تتم هذه العملية بمعزل عن التجمعات الفلسطينية بعضها عن بعض، بل تتوحد في عملية تفاعلية تؤثر وتتأثر بشكل ديمقراطي حقيقي داخل منظمة التحرير الفلسطينية (م ت ف) المستصلحة والتي تكون الإطار الموحد للعمل الديمقراطي الموحد للقضية الوطنية.

أما تجمع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 فلهم أيضا خصوصياتهم، فهم يعيشون في ظل احتلال عسكري استيطاني يسرق أراضيهم ويقتلع أشجارهم ويدمر بيوتهم ويقتل ناشطيهم ويسجن خيرة شبابهم ويحصرهم في مناطق منعزلة مغلقة بين جدران عنصرية ملحقة بالاقتصاد الإسرائيلي، تماما كما حصل للهنود الحمر في أميركا الشمالية.

ولهؤلاء الفلسطينيين كل الحق في طلب الحرية والاستقلال من الاحتلال وتنظيم أمورهم السياسية المحلية كما يتطلب واقعهم من أجل الصمود ومقارعة الاحتلال. ولكن بالمقابل لا يحق لهم أن يتخذوا قرارات تخص الشعب الفلسطيني برمته.

وعليه فإن نتائج الانتخابات الفلسطينية في الأراضي المحتلة ليست تمثيلا شاملا للشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده كما يدعي بعض رجال السلطة الوطنية الفلسطينية.

"
يمكن أن يتحول الوضع الفلسطيني المركب والمعقد من واقع يبدو كأنه مشتت كما هو الحال الآن إلى عامل قوة وتأثير، تماما كما تحول الوجود اليهودي المشتت في العالم إلى عامل قوة للحركة الصهيونية
"
بل تعني وتمثل فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1967 فقط، فالسلطة الوطنية الفلسطينية ليست حكومة للشعب الفلسطيني بل هي تمثيل سياسي يسود على المنطقة التي انتخبتها فقط.

مهمة هذه السلطة هي قيادة الأراضي المحتلة عام 1967 في معاركها اليومية من أجل الحرية والاستقلال ضد الاحتلال الإسرائيلي من ناحية، والتفاعل مع التجمعات الأخرى داخل (م ف ت) المستصلحة من جهة أخرى.

أما مخيمات اللجوء والشتات فإنها تعيش ظروفها الخاصة المتمثلة في النضال من أجل تأمين العيش الكريم لعائلاتها وأبنائها وكفالة الحريات المدنية والإنسانية وحقها الطبيعي في التنظيم السياسي لاختيار قياداتها وممثليها ولدعم قضيتها الوطنية في جميع أماكن وجودها في دول الجوار والشتات المختلفة.

ولتوضيح صورة التركيبة الديمقراطية المطروحة من الممكن تشبيهها بشكل عام بالتركيبة الفدرالية التي تتمثل في (م ت ف) كحكومة مركزية لها قيادتها المنتخبة ودستورها العام وميثاقها الوطني وقوانينها وبيروقراطيتها وبرامجها السياسية والعسكرية والاقتصادية... إلخ.

والولايات (التجمعات) المختلفة التي لها قيادتها المنتخبة ودستورها وممثلوها المنتخبون في المؤسسات الفدرالية (م ت ف). طبعا هذه صورة للتوضيح فقط وليست وصفة جاهزة للتنفيذ.

فالوضع الفلسطيني معقد وبحاجة إلى مخيلة مؤسساتية خلاقة لتنفيذ تركيبة كهذه، ولكن ما القضايا الفلسطينية الجوهرية التي لا تحتاج إلى حجة من البراعة الخلاقة لحلها!

وبذلك يتحول الوضع الفلسطيني المركب والمعقد من واقع يبدو كأنه مشتت كما هو الحال الآن إلى عامل قوة وتأثير، تماما كما تحول الوجود اليهودي المشتت في العالم إلى عامل قوة للحركة الصهيونية.

ومن خلال العودة إلى (م ت ف) يتم التوافق عليها لتستوعب كل فصائل العمل الوطني والإسلامي وجميع طاقات الشعب الوطنية وتفعيل مؤسساتها على هذا الصعيد، ولا تعود بذلك هيكلا مفرغا من المضمون والمحتوى الوطني كما هو حاصل الآن.
ــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة