إبراهيم عجوة

- الاستدارة الأولى
- الاستدارة الثانية

- من يدفع الثمن؟

عندما تتحرك المراكز الدولية الكبرى لإعادة رسم خرائطها الجيوستراتيجية في المنعطفات التاريخية، تتمزق على هوامش الحركة تلك العديد من الخرائط الجيوبوليتيكية، وتتساقط رؤوس ونظم سياسية، وتدمر اقتصاديات دول صغيرة ومستقبل شعوب بأكملها، ويسقط ملايين القتلى والجرحى في حروب هامشية، وتنتشر أوبئة وفقر ومجاعات.

عندما انهار الاتحاد السوفياتي بدأت المراكز الدولية في الحراك والاستدارة من أجل إعادة رسم خرائط مصالحها، وفي البداية كانت الاستدارات بطيئة، فكانت ولادة جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق كجمهوريات مستقلة، وانهيار جدار برلين وإعدام تشاوشسكو.

"
على المراكز الإقليمية أن تتشكل وفقا لخارطة مصالح المراكز الدولية الكبرى المتفقة وليست التي في بداية الشقاق كما كان عليه الحال بعد انهيار الاتحاد السوفياتي
"
الاستدارة الأولى
وما إن بدأت أميركا التحرك كقطب وحيد، بمعزل عن المراكز الطامحة إلى تعددية قطبية، وفق ما تمليه عليها رغبتها في التحرك، حتى بدت كدب يتمطى في قفص مزدحم بالصيصان.

فبدأت الكوارث على صعيد العالم، وذهبت ضحيتها دول وشعوب ومئات ألوف القتلى والجرحى، فكان تفكيك يوغسلافيا وحروب البلقان الشهيرة المدمرة، وولادة دويلاتها الوظيفية تحت مسمى حق تقرير المصير لمسميات بعدد احتياجات التفكيك، وكانت محاكمة ميلوسوفيتش كمجرم حرب، ثم جاء بعدها احتلال أفغانستان والعراق بعد حربين مدمرتين لمقدرات الدولتين وشعوبهما على كل الصعد.

لنقل كانت هذه استدارة الفوضى الدولية المتأتية من حراك مركز دولي بثقل الولايات المتحدة بعد انهيار مركز آخر بثقل الاتحاد السوفياتي.

ولأن المراكز الدولية الأخرى لم تكن موافقة على هذه المعادلة، ولم تكن موافقة على الخرائط الأميركية وتحديداً خارطة الشرق أوسط الكبير، ونتيجة لحجم المقاومة التي واجهتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، فقد وجدت أميركا نفسها الآن مجبرة على إعادة النظر في إستراتيجيتها وتحديد ملامح جديدة تأخذ بعين الاعتبار -ومن خلال التوافق- مصالح المراكز الدولية الأخرى.

وتحت سقف توافق هذه المراكز تؤخذ مصالح المراكز الإقليمية ومتطلباتها بالاعتبار أيضاً.

لقد جاء تقرير جيمس بيكر ولي هاملتون الصادر بتاريخ 6/12/2006م ليشكل ملامح استدارة جديدة أو إعادة تصحيح للاستدارة الأولى، فمن تكون ضحاياها يا ترى هذه المرة؟

لا أريد الاقتطاف المطول من هذا التقرير لأنه من الأهمية في دلالات نقاطه التسع والسبعين ما يحتاج لاقتطافه كله.

وسأوجز هنا النقاط الأكثر دلالة، ولمزيد من التفصيل يمكن مراجعة التقرير.

1- التقرير يعترف ابتداء بمصالح المراكز الدولية الأخرى من خلال ما أورده حول تشكيل مجموعة دولية لدعم العراق من الخمسة الدائمين في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، ويمكن أن تنضم له دول أخرى مثل ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية.

2- اعترف التقرير ببعض مصالح المراكز الإقليمية من خلال ما أورده عن ضرورة أن تساهم دول المنطقة في المجموعة الدولية لدعم العراق ومنها دول الجوار العراقي مثل السعودية وتركيا والأردن والكويت وسوريا وإيران فضلاً عن مصر وغيرها من الدول.

3- يعترف التقرير بنهاية شعار إسقاط النظام في إيران وسوريا حيث يرد فيه أن "التعامل مع إيران وسوريا مثار خلاف. نرى أن أي أمة، من وجهة نظر دبلوماسية يمكنها أن تشرك خصومها وأعداءها في محاولة لتسوية النزاعات والخلافات تماشيا مع مصالحها. وعليه فإن على "المجموعة الدولية" إشراك إيران وسوريا في حوارها الدبلوماسي من دون شروط مسبقة. وترى مجموعة الدراسات حول العراق أن العلاقات الأميركية مع سوريا وإيران تشمل قضايا صعبة يجب أن تحل. لكن ينبغي إجراء محادثات دبلوماسية مكثفة وموضوعية، تتضمن قدراً من توازن المصالح".

4- أوصى التقرير بإظهار التزام متجدد ومتواصل من أجل التوصل إلى خطة سلام شاملة بين إسرائيل من جهة والفلسطينيين وسوريا ولبنان من جهة أخرى.

5- أوصى التقرير بخفض دعم الولايات المتحدة السياسي والعسكري والاقتصادي للحكومة العراقية إذا لم تحرز تقدماً جوهرياً على صعيدي الأمن والمصالحة الوطنية.

وإذا كانت كل نقاط التقرير مهمة فإن ما يؤشر له هذا النموذج الملخص لبعض نقاطه يشي بملامح اتفاق دولي على صعيد المنطقة قد بدأ يتشكل.

الاستدارة الثانية
وهنا على المراكز الإقليمية أن تتشكل وفقا لخارطة مصالح المراكز الدولية الكبرى المتفقة وليست التي في بداية الشقاق كما كان عليه الحال بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

فهل يمكن استنتاج ملامح سيناريو من خلال نقاط التقرير ومجموعة الأحداث التي تحدث في المنطقة.

والعالم الذي ينظر إلى خارطة القوى السياسية والدول في المنطقة يمكنه أن يلمح في الفترات الأخيرة تشكل مستوى من العصبية في حراك مجمل مكونات الخارطة السياسية في المنطقة دولاً وقوى سياسية داخلها بصرف النظر عن معسكراتها.

وكأن المراكز الإقليمية باتت تدرك أن عليها التكيف مع متطلبات الاتفاق الدولي الذي يلوح في الأفق، وكأن الحركات السياسية المنضوية ضمن تحالفات إقليمية هي أيضاً باتت تدرك أن عليها التكيف في ضوء حركة المراكز الإقليمية القادمة تحت سقف الاتفاق الدولي.

وكأن الكل أصبح يستبق الأحداث كي يحجز له أكبر مساحة من المساحات التي خصصتها المراكز الدولية والإقليمية ولو كان ذلك سيأتي أحيانا على حساب رفاق التنظيم الواحد أو الحلف الواحد.

"
الكل أصبح يستبق الأحداث كي يحجز له أكبر مساحة من المساحات التي خصصتها المراكز الدولية والإقليمية ولو كان ذلك سيأتي أحيانا على حساب رفاق التنظيم الواحد أو الحلف الواحد
"
فما هي مجموعة الأحداث المتزامنة مع التقرير؟:
1- اجتماع الدول الكبرى الأكثر استهلاكاً للنفط وتوصلها إلى اتفاق حول التعاطي مع موضوع الطاقة والنفط على المستوى العالمي.

2- قرار مجلس الأمن حول الملف النووي الإيراني وموقف السوفيات والصينيين منه.

3- زيارة بشار الأسد إلى موسكو وتصريحاته حول نصائح قدمها له السوفيات.

4- مستوى التوتر المتذبذب بتردد عال بين حزب الله وقوى 14 آذار ما بين احتلال السراي إلى طاولة الحوار.

5- حركة نبيه بري المتباعدة نسبياً عن حزب الله وتصريحات جنبلاط لقناة العربية التي يتهم فيها ولأول مرة حزب الله بتنفيذ الاغتيالات التي حصلت في لبنان.

6- مستوى التوتر المتذبذب بتردد عال بين حماس وفتح من قمة التهدئة إلى حواف الحرب الأهلية.

7- قيام محمود عباس بإقصاء القدومي وتهميش العديد من أعضاء مركزية فتح.

8- الانقلاب السوري على فتح الانتفاضة الذي تم تخريجه على شكل قيام أبو موسى بفصل أبو خالد العملة الرجل الأقوى في التنظيم خلال وجوده في معتقل سوري، والاتهام غير المقنع بأنه يقف وراء تنظيم يرتبط بالقاعدة اسمه "فتح الإسلام"، واستخدام أبو موسى تقريرا قدمه له الأمن السوري وآخر مزعوما قدمه له عنصر من حزب الله كشهادة على ذلك.

9- اجتماع الفصائل الفلسطينية العشر ناقصاً فتح الانتفاضة بحضور القدومي وإدانة خطاب عباس واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية غير شرعية وبحضور فصائل أعضاء في منظمة التحرير مثل الجبهة الشعبية والديمقراطية والقيادة العامة التي طالما اعتبرت ذلك خطا أحمر، حتى في ظل أشد هجماتها على صناع أوسلو الملتحفين حينها بلحاف منظمة التحرير.

10- إعدام صدام حسين بصورة وتوقيت دراماتيكي يعيد إنتاج حسين السنة مقابل حسين الشيعة، واستحضار لقطات شيعية احتفالية لمشهد في قمة الوحشية.

11- اجتماع قيادات من السنة العراقيين وقيادات من حزب البعث العراقي في الأردن واللقاء الذي تم الحديث عنه مع السفير الأميركي في عمان.

من يدفع الثمن؟
من الواضح أن جملة النقاط والتقرير تشي بسيناريو صفقة تتشكل أو تشكلت ملامحها تتلخص في التالي:

1- اعتراف أميركي بنظام التعددية القطبية مع الحفاظ على فرق وزن زائد أميركي داخل هذه التعددية.

2- التعددية القطبية يضمها معسكران، شرق وغرب كامتداد ولكن بملامح جديدة لمرحلة الحرب الباردة التي ما زال الوقت مبكرا على زوال آثارها.

3- تشكل إيران مجالاً حيوياً لمعسكر الشرق بينما تشكل باقي منطقة الشرق الأوسط مجالاً حيوياً للغرب.

4- يستدعي ذلك خفض طموحات إيران في التأثير على سير أحداث المنطقة العربية وفي العراق تحديداً كما هي الحال في لبنان وفلسطين.

5- خفض الطموحات السورية الإقليمية مقابل انسحاب متفق عليه وتسوية مرضية في الجولان.

6- إجبار الحكومة العراقية بما أنها تقاطع أميركي بشكل رئيسي مع استطالات إيرانية أقل تأثيراً على تقديم تنازلات لسنة العراق والبعثيين تحت مسمى المصالحة الوطنية الواردة في التقرير.

7- يكون ثمن هذا التوافق رأس الرئيس صدام حسين ويصبح الشيعة أمام خيارين إما أن يدفعوا الثمن الذي يفرضه توافق سني بعثي عربي أميركي، أو يتحملوا مسؤولية دم صدام حسين ويصبحوا مطرودين باللغة العشائرية للسنة والعرب بحامل غربي ويدفعون ثمن ذلك بحرا من الدماء الشيعية. وكما دفع السنة بحراً من الدم ثمن الاستدارة الأولى سيدفع الشيعة بحراً جديداً ثمن الاستدارة الثانية.

8- تتخلص القوى الإقليمية من ما تعتبره أميركا زوائد قوى سياسية غير مرغوب فيها للسكن في المساحات التي تم تخصيصها للقوى الإقليمية.

9- تتخلص القوى السياسية الراغبة في الاصطفاف إلى جانب أي مركز إقليمي من الرؤوس التي لا تستطيع التكيف مع هذه المتطلبات.

"
من الحكمة أن تتحرك المراكز الإقليمية برباطة جأش أكبر، ويكون لديها وازع أخلاقي كاف كيلا تسحق بمراوح حركتها وفزعها من قوى طالما كانت حليفا صادقا لها
"
فمن هي الرؤوس التي ستسقط بعد، ومن هي القوى السياسية التي سيتم تفكيكها، ومن هي الشعوب التي ستضطر لدفع دمها ثمنا لتنازل هذا وتقاسم ذاك أو لعناد سقفه تحسين شروط التقاسم؟

هل سيدفع حزب الله مثلاً ثمن إحدى الاستدارات أم يتكيف إذا انكشف ظهره، أم يدفع الشعب اللبناني دماً جديداً على شكل حرب في ظل أحد الاستعصاءات؟

هل ستدفع حماس مثلاً ثمن إحدى الاستدارت أم تتكيف إذا انكشف ظهرها، أم يدفع الشعب الفلسطيني دماً جديداً على شكل حرب أهلية في ظل أحد الاستعصاءات؟

هل ستسقط رؤوس لبنانية جديدة؟ هل ستسقط رؤوس من حزب الله؟ هل ستسقط رؤوس من قوى 14 مارس/آذار؟

هل ستسقط رؤوس فلسطينية جديدة؟ هل ستسقط رؤوس من حماس؟ هل ستسقط رؤوس من فتح؟ هل ستتعرض قوى فلسطينية جديدة لأحداث على غرار ما حصل في فتح الانتفاضة؟ ومن يستطيع تحديد القاتل؟ ومن يكون دليل القتل؟

باعتقادي أن أحداث المرحلة القادمة سيسهل اكتشافها ورسم أهدافها وملامحها ووظائفها في ضوء هذا السيناريو أو بعض تعديلاته.

أعتقد أنه من الحكمة أن تتحرك المراكز الإقليمية برباطة جأش أكبر، ويكون لديها وازع أخلاقي كاف، كيلا تسحق بمراوح حركتها وفزعها من قوى طالما كانت حليفا صادقا لها وضمن رؤية مرتبطة بالمشاريع السياسية النهضوية المتجاوزة للقطري.

وحتى للقومي أحياناً، لأن من شأن ذلك أن يفقدها مصداقيتها حتى داخل مساحاتها الجديدة.

كما أنه من الحكمة أيضا أن تتصرف الحركات السياسية الشعبية أيضا برباطة جأش كافية ولا تتصادم مع بعضها البعض فزعاً من حركة المراكز الإقليمية. وعلى الشعوب أيضاً أن لا تضع نفسها وقوداً في أتون تحسين الشروط لأي طرف كان.

إذا كان قانون الفيزياء يقول بالتناسب العكسي بين حجم الحيز ومستوى تصادم الجزيئات داخله، فعلينا ككائنات حية معاكسة القانون بالعمل معاً على توسيع الحيز وليس التصادم داخله، وإلا فإننا مجرد جزيئات صماء في حيز. ولسنا شعوباً في أوطان. والتاريخ لا ولن يرحم.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة