أسامة أبو أرشيد

-أخطاء إيرانية
-إجهاض جبهة الممانعة
-أوراق إيرانية

التصعيد الأميركي مع إيران الآن هو سيد الموقف في منطقة الشرق الأوسط. فالأمر ليس منحصرا فقط في تصريحات متشددة ومحذرة لإيران من قبيل ما أطلقه الرئيس الأميركي جورج بوش، ونائبه ديك تشيني، ووزيرا الخارجية والدفاع، كونداليزا رايس وروبرت غيتس.. كلا، فالمسألة أعقد من ذلك وأكبر.

فالتحركات الأميركية الأخيرة في المنطقة، سواء منها المتعلق بالإستراتيجية الأميركية الجديدة في العراق، أو إعلان واشنطن تزويدها بعضا من الدول من حلفائها في المنطقة بصواريخ باتريوت لحمايتها من هجمات صاروخية محتملة (المقصود إيرانية طبعا)، فضلا عن إرسال حاملة طائرات نووية جديدة إلى الخليج العربي، وزيارة رايس والمؤتمر الذي عقدته في الكويت (يوم 17-1-2007) مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن، كلها تدخل في سياق إعادة ترتيب الأوراق الأميركية في المنطقة، خصوصا في الفضاء العراقي، لمواجهة محتملة مع إيران.

بل إن الاهتمام بالملف الفلسطيني نفسه والذي شهد تنشيطا أميركيا هذه المرة، يهدف بالدرجة الأولى إلى تخفيف الحرج عن الأنظمة العربية حتى لا تتردد في التحالف علنا مع الولايات المتحدة في أي مواجهة محتملة مع إيران.

ولعل فيما كشفت عنه بعض الصحف الغربية عن استعدادات إسرائيلية لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية ما يؤكد هذا المسعى. فاعتداء إسرائيلي يعني أنه سيكون بعد نيل ضوء أخضر أميركي، وأي رد إيراني على إسرائيل سيعني أيضا تدخلا أميركيا لصالح إسرائيل.

"
ارتكبت الدبلوماسية الإيرانية أخطاء إستراتيجية كبيرة في الآونة الأخيرة جعلتها مكشوفة لأي اعتداء أميركي إسرائيلي,  فقد خسرت التعاطف الجماهيري العربي والإسلامي معها جراء سياساتها المذهبية في العراق
"
أخطاء إيرانية
لقد ارتكبت الدبلوماسية الإيرانية أخطاء إستراتيجية كبيرة في الآونة الأخيرة جعلتها مكشوفة لأي اعتداء أميركي إسرائيلي الآن. فإيران خسرت التعاطف الجماهيري العربي والإسلامي معها جراء سياساتها المذهبية في العراق.

فدعمها للمليشيات الشيعية وتواتر المعلومات والأنباء عن دورها السلبي في التخطيط لتصفية الوجود السني هناك، بما في ذلك في بغداد، أفقدها التعاطف والاحترام الكبيرين اللذين كانت لتحظى بهما لدعمها جبهة الصمود والممانعة الفلسطينية.

وكان أسلوب إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بما فيه من وحشية وغريزة انتقام ألبست لبوسا مذهبيا شيعيا قميئا، ثمّ تناغم التعقيب الإيراني مع الأميركي والإسرائيلي، قد وجه ضربة كبيرة لصورة إيران في المنطقة، ومقاربتها في الوعي الجماهيري الآن على أنها دولة فارسية، وفي أحسن الأحوال صفوية شيعية، تعلي من شأن الانتماء العرقي والمذهبي على الانتماء للإسلام ذاته.

دع عنك أيضا ما يحصل في لبنان الآن من تصعيد من قبل حزب الله وحلفائه ضد الحكومة اللبنانية. فعلى الرغم من أن أي منتم لهذه الأمة لن يجد له موقعا في غير صفوف المعارضة اللبنانية ضد توجهات حكومة الحريري السنيورة الإسرائيلية الأميركية، إلا أن حزب الله فشل هذه المرة في إدارة المعركة، كما نجح من قبل في إدارة معاركه السياسية والأمنية والإعلامية والعسكرية مع إسرائيل.

للأسف يبدو المشهد في لبنان اليوم على أنه قضم أصابع بين الشيعة والسنة. كما أنه تتم مقاربته أيضا في إطار عملية تشييع المنطقة، سواء أكان ذلك مذهبيا أم سياسيا، وتجيير إنجازات حزب الله التي حققها في سياق صراعه مع إسرائيل لخدمة هذا الهدف.

وترسخ هذا المعنى أكثر، وذلك عندما اضطر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أن يصدر فتوى خاصة لأعضاء وأنصار حزب الله تجيز لهم صلاة الجمعة خلف المفكر السني اللبناني المتحالف مع خط حزب الله السياسي فتحي يكن، وذلك عندما أمَّ وخطب في جموع المعارضة المعتصمة في شوارع بيروت.

فالاحتياج إلى فتوى خاصة في هذا السياق مؤذ أكثر منه مفيد، وجاء بنتائج عكسية رسخت البعد المذهبي أكثر مما أنه أكد على البعد الوطني المصلحي الذي يأخذ في الاعتبار عروبة لبنان ومصالح الأمة.

إجهاض جبهة الممانعة
الإدارة الأميركية وإسرائيل وحلفاؤهما من العرب في المنطقة، يتآمرون اليوم على محاصرة إيران وقصقصة أظافرها. والهدف الأكبر الذي يطمحون إليه هو إجهاض جبهة الممانعة في المنطقة كلها.

ولذلك نجد هذا التصعيد ضد حركة حماس وحكومتها المنتخبة في الأراضي الفلسطينية، وضد حزب الله في لبنان، وضد سوريا، فضلا عن إيران.

"
بسبب فعل الميليشيات الشيعية الإجرامية في العراق وبسبب طريقة إعدام صدام حسين وتوقيته وما استتبعه من رد فعل إيراني، سقطت إيران في المصيدة الأميركية, وأصبحت في الوعي الجماهيري خطرا كما أميركا وإسرائيل على المنطقة
"
وما الإستراتيجية الأميركية الجديدة في العراق، والتي ستسمح لها باستهداف المليشيات الشيعية، في الوقت ذاته الذي تستهدف فيه المقاومة السنية، إلا واحدة من الجبهات لقص مخلب إيراني من الممكن أن يدمي المصالح الأميركية.

فالكثير من المليشيات الشيعية العراقية هي امتدادات إيرانية بالضرورة في الساحة العراقية. ولما كانت هذه المليشيات قد انشغلت بالفتك بالسنة وتصفيتهم -سواء بدعم إيراني أم برضا وسكوت منها لا يهم- فبإمكانك أن تتخيل حجم التأييد السني -ليس في العراق فحسب بل وفي المنطقة كلها- لمثل هذا أمر.

 لقد سقطت إيران في المصيدة الأميركية. وبسبب فعل المليشيات الشيعية الإجرامية في العراق وبسبب طريقة إعدام صدام حسين وتوقيته وما استتبعه من رد فعل إيراني أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه غير محسوب، فضلا عن دعم وتمويل عمليات التشييع في المنطقة، أصبحت إيران في الوعي الجماهيري خطرا كأميركا وإسرائيل على المنطقة.

بل إن ثمة من يتهمها بكونها ضلعا ثالثا لتحالف يضم أميركا وإسرائيل يستهدف الإسلام السني. ألم تشر الكثير من التعليقات والكتابات التي جاءت بعد إعدام صدام بتلك الطريقة المريبة بأن السنة لن يرمش لهم جفن إذا ما شنت أميركا أو إسرائيل أو كلاهما عدوانا على إيران، من منطلق أن عداوة خصومهم وتدميرهم لبعضهم بعضا مصلحة لهم!؟.

من الذي أوصل الأمور والمزاج السني إلى هذه المرحلة؟ للأسف إنها سياسات إيران الخاطئة التي أعلت من شأن الانتماء للمذهب والعرق على الانتماء للإسلام الذي يمثل الناظم الأصلي لهذه الأمة.

أليس من المحير في ظل هذه الأجواء التي قد تحمل عدوانا وشيكا على إيران، أن تبادر إيران إلى رفض دخول وفد من المؤتمر القومي الإسلامي برئاسة المفكر الإسلامي منير شفيق، وذلك بسبب وجود المفكر الإسلامي المعروف فيه راشد الغنوشي، احتجاجا على مطالبته إيران بوقف دعم عملية نشر التشيع في تونس ضمن صفقة مع النظام الحاكم، كما يرى هو!؟

أوليس من الخطأ أيضا أن تسكت إيران على تطاولات بعض رموز التيار الشيعي المدعومين من قبلها في المنطقة على السنة ورموزهم، وذلك كما في تطاول المرجع الشيعي محمد باقر المهري، الأمين العام لتجمع العلماء الشيعة في الكويت، على العلامة الدكتور يوسف القرضاوي وتكفيره واتهامه بمشاركته لصدام في "جرائمه"!!

ثمّ أليس إعلاء الراية المذهبية في هذه المرحلة بمثابة قوقعة لإيران على ذاتها وخسرانها بالتالي لتحالف السنة معها على أساس أنها دولة إسلامية قبل أن تكون شيعية!؟

أوراق إيرانية
إيران مزقت الكثير من أوراق قوتها في المنطقة بيديها. صحيح أنها تمتلك أوراق قوة أخرى في مواجهة أي عدوان أميركي إسرائيلي من مثل ملفها النووي الردعي واحتمالات نجاحها فيه كبيرة.

فورطة أميركا في العراق، وتردد روسيا والصين في عزل إيران، أمور تقوي إيران في مواجهة الولايات المتحدة. كما أن كونها دولة مصدرة للنفط، وقادرة على التحكم في إمدادات النفط إلى الغرب عبر تهديدها لسلامة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، فضلا عن قدرتها على تهديد الدولة العبرية عبر حزب الله وصواريخه، وكذلك تهديد القوات الأميركية في العراق عبر حلفائها من الشيعة وأيضا ترسانتها العسكرية.. أشياء كلها تعزز أوراق إيران في المنطقة.

إلا أن هذه الأوراق أصبحت الآن موضع شك من حيث فعاليتها المطلقة في حماية إيران. فالإستراتيجية الأميركية تستهدف الآن قصقصة الأظافر الإيرانية في العراق عبر استهداف مليشيات حلفائها من الشيعة.

وجراء جرائم هذه المليشيات بحق السنة، وبسبب خطأ الحسابات الإيرانية في دعمها لمثل هذه المليشيات في الوقت الذي ترتكب فيه مثل هذه الجرائم الطائفية، فقد خسرت إيران أي إمكانية للتعاطف معها في هذا الملف.

"
إيران كشفت نفسها إستراتيجيا جراء سياساتها المذهبية والعرقية الخاطئة، والتي غطت على حقيقة كونها ضلعا من أضلاع الممانعة في المنطقة، وضاع دعمها للضلع الفلسطيني المقاوم في أتون دعمها أو على الأقل تسترها على تصفية السنة في العراق
"
كما أن إرسال حاملة طائرات أميركية جديدة إلى المنطقة والمزيد من القوات وصواريخ باتريوت لحماية دول الحلفاء، كلها جاءت لتهون من شأن القدرات العسكرية الإيرانية وقدرتها على إلحاق الأذى بأميركا ومصالحها وحلفائها بالمنطقة.

ولكم أن تتخيلوا لو أن أميركا استهدفت إيران عسكريا في ذات الوقت الذي يتم فيه استهداف حزب الله إسرائيليا ماذا ستكون النتيجة!؟ ليس معنى ذلك هزيمة ساحقة تلحق بإيران والحزب بالضرورة، ولكنها بالتأكيد ستكون على الأقل ضربة كبيرة قد تكون قاصمة لكليهما في ظل لا مبالاة سنية، إن لم يكن -للأسف- تأييدا لضرب "العدو" الثالث الجديد بعد أميركا وإسرائيل، ألا وهو إيران وحزب الله، أو قل "الشيعة"!!.

إيران كشفت نفسها إستراتيجيا جراء سياساتها المذهبية والعرقية الخاطئة، والتي غطت على حقيقة كونها ضلعا من أضلاع الممانعة في المنطقة، وضاع دعمها للضلع الفلسطيني المقاوم في أتون دعمها، أو على الأقل تسترها على تصفية السنة في العراق.

وفي الوقت الذي انكشفت فيه إيرانيا من ناحية إستراتيجية، وجد حلفاء أميركا من العرب في المنطقة غطاء إستراتيجيا يتلفعون به في تآمرهم على أضلاع الممانعة في المنطقة، بما في ذلك السنية منها، بذريعة التصدي للتوسع الفارسي الصفوي الشيعي الجديد في المنطقة.

للأسف لقد ضلت البوصلة الإيرانية/الشيعية الطريق، واختل توازنها، وأعطت لأعداء الأمة ككل (بما في ذلك بعض الدول السنية المتحالفة مع الآخر)، فرصة لتبضيع ما تبقى من هذا الجسد الممزق فعليا.

فـ"سكرة" علو المذهب الشيعي في المنطقة وانتصاره، ستكون من حيث أرادت إيران أم لم ترد، الخنجر الذي سيطعن به الإسلام، بجناحيه السني والشيعي!!.
ــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة