إبراهيم غرايبة

- التحولات معروفة والاستجابات غامضة
- تمكين المجتمعات

يتصل هذا المقال بمجموعة من الدراسات التي نشرت في الجزيرة نت حول أبعاد التحولات الاجتماعية والحضارية الجارية في عصر المعلوماتية وتأثيرها على الحياة بعامة وعلى الموارد والمجتمعات.

وهو يناقش بالتحديد في هذه المساحة الاستجابات المطلوبة للتعامل المكافئ مع هذه التحولات على مستوى الدول والمجتمعات والأفراد، ذلك أن التحولات مفروضة وقسرية ولكن الاستجابة لها أقرب إلى الاختيارية (ظاهريا).

وقد ينشأ عن عدم الاستجابة الصحيحة خلل كبير في الموارد والثقافة والقدرة على التقدم، أو ما اصطلح على تسميته بالفجوة الحضارية والاجتماعية.

"
التحولات الثقافية والاجتماعية لا تأتي إيجابيا على نحو تلقائي بنفس تلقائية التحولات الاقتصادية والسياسية، ولكنها تحتاج إلى وعي مسبق وإدراك واضح لدى الدول والمجتمعات والأفراد
"
التحولات معروفة والاستجابات غامضة
يمكن إدراج مجموعة كبيرة من التحولات المتفق عليها، وتمكن ملاحظتها في الدراسات المتاحة بكثافة عالية، مثل التقرير السنوي للتنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، ودراسات أخرى كثيرة جدا.

ومن أهم هذه التحولات: العولمة، وموجة المعلوماتية والاتصال، واقتصاد المعرفة، وانتهاء الحرب الباردة، وسيادة نظام السوق الاقتصادي والخصخصة، وصعود تأثير وسائل الإعلام (الإنترنت والفضائيات) واستقلاليتها إلى حد ما.

وقد أدت هذه التحولات الكبرى إلى تداعيات شبكية لا تتوقف في السياسة والاقتصاد والتعليم والسلطة ودور الشركات والمجتمعات والأفراد.

وتبدو الظواهر الجديدة المعبرة عن هذه التحولات واستجاباتها واضحة وكثيرة، مثل الحركات الاجتماعية العالمية والمحلية، والأصولية، وتغير دور الدولة، وهيمنة الشركات الكبرى والاستثمارات العابرة للحدود.

ولكن الأسئلة البدهية المترتبة على هذه التحولات وإجاباتها غلبت عليها الصعوبة والتجاهل والحيرة والارتباك والخلافات العميقة حول جدواها رغم إلحاحها وأهميتها، لأنه من دونها لن يتحقق التكيف المطلوب والتوظيف الفعال للفرص والتحديات وتلافي المخاطر والكوارث الناجمة عن هذه التحولات.

وكما أن التحولات الكبرى في التاريخ عصفت بدول وحضارات ومدن وموارد، فإن التحولات الجارية اليوم يمكن أن تعصف بدول ومجتمعات وثقافات قائمة إذا لم تستطع أن تجد لها مكانا في الواقع الجديد.

ومن البدهي عندما تتخلى الدول عن دورها السابق في الرفاه والتنمية والرعاية أن تحل محلها مؤسسات أخرى مثل المجتمعات الأهلية والشركات، والسؤال البدهي كيف تتمكن المجتمعات من القيام بدورها الجديد المفترض الذي كانت تؤديه الدولة؟

وعندما تتغير أدوات التعليم وتداول المعلومات فإن ثمة سؤالا بدهيا عن الدور الجديد للمدارس والأسر والجامعات في التعليم.

وإذا كانت تصاحب كل نظام اقتصادي ومعيشي أنماط مترتبة عليه من الثقافة والقيم والأنظمة الاجتماعية التي تفعله وتتفق معه فما الثقافة الاجتماعية الجديدة التي يجب أن تحل في مرحلة المعرفة والمعلوماتية، وماذا نفعل بالتراث الثقافي والاجتماعي الذي نشأ عن أنظمة اقتصادية سابقة مثل الرعي والزراعة والصناعة؟

إن هذه التحولات الثقافية والاجتماعية لا تأتي إيجابيا على نحو تلقائي بنفس تلقائية التحولات الاقتصادية والسياسية، ولكنها تحتاج إلى وعي مسبق وإدراك واضح لدى الدول والمجتمعات والأفراد لأجل السعي إليها وتحقيقها.

وربما يفسر هذا بطبيعة الحال كثيرا من الصراعات والحروب الأهلية والطائفية والتخلف وضعف مستوى التنمية لدى كثير من الدول والمجتمعات رغم أنها اقتبست المؤسسات الحديثة والأنظمة الاقتصادية والتعليمية والتقنية المطبقة في دول غنية ومتقدمة.

فالعشائرية على سبيل المثال نظام للعلاقات والحماية وتنظيم وإدارة الإنتاج والحماية مرتبط بالاقتصاد الزراعي، ويجب أن يحل مكانه في المدن واقتصاد المعرفة والخدمات، وعلى نحو حتمي، نظام اجتماعي وثقافي قائم على المكان وتنظيم الاحتياجات والأولويات والصداقة والمصالح والأعمال والنقابات والجمعيات المهنية.

ولكن استمرار الرابطة العشائرية في نظام سياسي واقتصادي مؤسساته الجامعات والمصانع والوزارات والمهن سيؤدي إلى تمزق المجتمع وفشل إدارة المؤسسات، وهذا ما يحدث على سبيل المثال في توزيع وتقسيم الوزارات على الطوائف في العراق ولبنان، فتكون إدارة النفط مثلا لطائفة!، ووزارة الصحة لطائفة أخرى، ويتولى الوزارة زعيم الطائفة أو ابنه.

ولكن كيف توزع هذه المؤسسات والإدارات في حالة الحرب الدائرة اليوم في العراق، فهل يكون لكل من الشيعة والعرب السنة والكرد جامعاتهم ومستشفياتهم ووزاراتهم وطرقهم وجسورهم ومصانعهم الخاصة؟ وماذا سيفعلون بالمدن والمراكز.

وحتى لو جرى هذا التقسيم فهل ستقوم دول ومجتمعات حديثة تتداخل علاقاتها ومصالحها حتى تتجاوز اللغات والثقافات والحدود؟

والأزمة تمتد إلى كل مسائل الحياة اليومية وتفصيلاتها في التعليم والتجارة والطرق والتعامل مع السلع والمنتجات والتقنيات إذا لم يصاحب التحول الاقتصادي والتقني سلوك اجتماعي وثقافي ونظام جديد للحكم والإدارة والعلاقات منبثق عنه.

وبالطبع فإنها ليست مقولة جديدة بحد ذاتها، ولكن جدتها وأهميتها تفرض نفسها بمناسبة التحولات الكبرى الجارية في العالم والانتقال من مرحلة الصناعة إلى المعرفة أو من الحداثة إلى ما بعد الحداثة.

والسؤال البدهي هو هل تحتاج المجتمعات التي لم تنشئ بعد نظاما ثقافيا واجتماعيا حديثا متفقا مع الدولة الحديثة والمرحلة الصناعية إلى أن تقفز عن المرحلة لتنتقل إلى مرحلة المعرفة وتداعياتها؟

وهنا تكون أهمية الإدراك المسبق بالتحولات من أجل "حرق المراحل" والوعي بما تريده المجتمعات وما تسعى إليه بالتحديد، أم أن تلك في رأي بعض المثقفين هواجس لم نصل إليها بعد؟

"
التحولات والتغيرات العالمية القائمة على أساس المعرفة والمعلوماتية والاتصالات، تعطي المجتمعات والطبقات الوسطى فرصا جديدة، تجعلها قادرة على التحرك وفرض إرادتها
"
تمكين المجتمعات

برزت بقوة مفاهيم العدالة الاجتماعية وتمكين المجتمعات في مرحلة تخلي الدول عن القيام بكثير من الخدمات الأساسية، كالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، وإدارة الموارد وتشغيلها، كالطاقة والمياه والاتصالات، وتحويل هذه الخدمات إلى سلع استثمارية، وقد تباع لشركات غير وطنية، خاصة الشركات متعددة الجنسيات التي أصبحت أغنى وأقوى من الدول.

ولا يمكن بالطبع أن تكون الشركات بديلا للدولة، فيقتضي هذا الوضع بالضرورة أن تكون المجتمعات بديلا للحكومات في هذه المجالات، ويقتضي أيضا تأهيل المجتمعات وتمكينها من القيام بهذا الدور.

يعني تمكين المجتمعات قدرتها على تنظيم نفسها وإدارة مواردها وحقوقها واحتياجاتها الأساسية، والقدرة على التأثير والمشاركة في الحكم على النحو الذي يوسع خياراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويجعل مؤسسات الحكم والإدارة أمينة وقادرة على التعامل مع التفويض الذي منحه المواطنون لها للتصرف بالموارد والضرائب العامة وفق مصالح المواطنين واتجاهاتهم، ويمكنهم من تحقيق توازن مع السلطات والمؤسسات ومن محاسبة هذه المؤسسات ومراقبتها وتوجيهها.

في الوقت نفسه فإن التحولات والتغيرات العالمية القائمة على أساس المعرفة والمعلوماتية والاتصالات، تعطي المجتمعات والطبقات الوسطى فرصا جديدة، تجعلها قادرة على التحرك وفرض إرادتها.

وحتى تترسخ الحريات والحقوق والإصلاحات المرغوب فيها، تحتاج إلى أن ترتبط بها مصالح الناس واحتياجاتهم وحقوقهم الأساسية، كالعمل والتوظيف والعطاءات والعقود والتعليم والإسكان والانتماء والمشاركة والضرائب والأجور وتنظيم المهن وتطويرها والقضايا والتجمعات العمالية والمشروعات والاستثمارات التعاونية والنفع العام وتنظيم المجتمعات في مواجهة الشركات وفي مواجهة السلطة.

فالإصلاح تنشئه منظومة اجتماعية وشبكة من العلاقات والمصالح، والنهضة تترسخ وتزدهر بتنظيم المجتمعات على أساس أهدافها المباشرة والعملية، والانتخابات والتشريعات يجب أن تعكس المصالح والثقافة الراسخة في المجتمع والدولة.

المجتمع الأهلي الحيوي والقوي والفاعل الذي تنسق حراكه طبقة وسطى ممتدة ومبادرة هو القادر على التعامل الصحيح مع العولمة وتغير مفهوم ودور الدولة.

والحركات الاجتماعية بمعنى الجماعات والمنظمات التي تعمل خارج القنوات السياسية المعتادة، مثل الحركات الطبقية وحركات حقوق المرأة وحقوق الإنسان والبيئة وحقوق الشعوب والفلاحين والفئات الاجتماعية والمهنية يمكن أن تؤدي دورا بديلا أو شريكا للدولة والشركات.

إن السياسة وحدها لم تعد تؤثر فيما يقدره المواطنون أكثر من أي شيء آخر، فلا دولة الرفاه ولا انبعاث الرأسمالية تمكننا من حل مشاكل المجتمع الملحة العميقة، بل إن كل واحدة منهما قد أسهمت في إفساد المجتمع المدني ومؤسساته.

وحين ضعفت بنى المجتمع الوسيطة، كالأسر والمؤسسات الدينية والمجتمعات المحلية والجمعيات الطوعية، بقي الأفراد أكثر عزلة وقابلية للانهيار.

والحكم المحلي يشكل أساس التفاعل الاجتماعي والفرز السياسي، وعندما تكون هذه المؤسسات (البلديات) عاجزة عن تنظيم إدارة الاحتياجات والموارد فإن فرص المشاركة والتفاعل السياسي والاجتماعي تقترب من الصفر.

فالمواطنة تعني المشاركة وليس التفويض القائم على انتخاب ممثلين في المجالس التشريعية، فهذه الانتخابات المعزولة عن المشاركة المحلية تكرس مفهوم المواطن باعتباره زبونا ينتخب مقابل خدمات معينة يتنافس المرشحون في تقديمها ومستوى ملاءمتها لرغبة الزبون، هذا إذا افترضنا أن الانتخابات التي تجري عادلة ونزيهة.

ولم تعد المعارضة السياسية قائمة على الأحزاب السياسية، وفي التجربة اللبنانية والمصرية (حركة كفاية) وبالطبع في دول غير عربية مثل أوكرانيا وقيرغيزيا وغيرها من الدول ظهرت العملية السياسية وكأنها حكومات في مواجهات المجتمعات.

فالمجتمعات خاصة الطبقات الوسطى تعيد تنظيم نفسها مستفيدة من تطور وسائل الاتصال والمعلوماتية والإعلام وفرص التفاعل والنفاذ إلى مواقع التأثير دون حاجة كبيرة لمؤسسات وأحزاب تنتظمها، خاصة أن هذه الأحزاب نفسها تسربت إليها عيوب النخب السياسية والثقافية من عزلة وترهل وفساد، وبعضها تفسخ وتحول إلى حالة محزنة من البزنس والضياع، ولم تعد موضع ثقة المجتمعات والرأي العام.

صحيح أن الحكومات لم تعد بحاجة ولا مضطرة للتسوية مع الأحزاب والقيادات السياسية المعارضة والمشاكسة، ولكن الحكومات اليوم في مواجهة شبكة معقدة من الناس حسب مهنها وأمكنة إقامتها ومشكلاتها وتطلعاتها وأعمارها وفئاتها.

"
الإعلام تحول إلى أداة فاعلة بيد المجتمعات كما هو بيد الحكومات، ولعل المجتمعات أكثر قدرة على توظيفه من الحكومات، وما تبقى من سيطرة حكومية على وسائل الإعلام هو بمثابة اللعب في الوقت الضائع
"
وهي أيضا لم تعد في مواجهات ومساومات سياسية على قضايا التحرير والتسوية والسلام والوحدة العربية والعدوان على العراق، لكنها تواجه تجمعات على أساس الأقساط المدرسية ومستوى التعليم والتأمين الصحي وهيمنة الشركات على الخدمات الأساسية والضمان الاجتماعي والضرائب والعدالة التطبيقية في مسائل الحياة اليومية والتوظيف والتنافس.

وهي بحاجة إلى تقديم رؤية وموقف مقنع للناس وليس للقيادات السياسية، وهي أيضا في مواجهة مع محاولات صغيرة تصعب السيطرة عليها في التجمع والإعلام مثل رسائل الموبايل والإيميل ومواقع الإنترنت والمدونات ووسائل الإعلام المتنامية والممتدة، من الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون ومراسليها.

الإعلام تحول إلى أداة فاعلة بيد المجتمعات كما هو بيد الحكومات، ولعل المجتمعات أكثر قدرة على توظيفه من الحكومات، وما تبقى من سيطرة حكومية على وسائل الإعلام هو بمثابة اللعب في الوقت الضائع.

ويبدو أن ثمة تحديات رئيسة عاجلة تفرض أن يسند للمجتمعات دور واسع في الحكم، إذ بعد سنوات قليلة ستكون ثمة حالة تنتهى فيها مؤسسات التقاعد والتأمين الصحي الحكومي لتحل مكانها شركات التأمين والضمان الاجتماعي.

وسيكون ثمة عدد هائل من كبار السن والمواطنين عامة الذين لا يتمتعون بتأمين صحي وتقاعد، مع أنه لا يمكن الركون إلى حالة التكافل الاجتماعي والأسري لتغطية وإدارة احتياجات كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.

وفي ظل تغير دور الحكومة ستواجه المجتمعات تحديا كبيرا في تأمين ورعاية هذه الفئات، ولا نحتاج إلى سنوات عدة لنكتشف هذه الحالة، فهي قادمة حتما، وسيكون مفيدا البدء في تأهيل المجتمعات لتكون قادرة على أن تكون بديلا مناسبا.

وهذا يقتضي بالطبع ثقافة مجتمعية مؤسسية ومنظمة ومؤهلة، وهو ما يمكن أن يكون موضوعا لدراسة قادمة.
__________________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة