نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


- فاعلية الإرادة الشعبية
- هل يمكن تحقيق هذا الهدف؟
- الانتشار المحتمل إقليميا

مع رحيل عام 2006م غابت جزئيا مظاهر ما وصف بالموات الشعبي، لصالح ظاهرة اللجوء إلى الشارع وقد أصبح مصدر قوة يستعان بها، في فلسطين ولبنان على الأقل، وإن اختلفت الصورة بينهما، إذ في فلسطين تلجأ الحكومة إلى الشارع، وفي لبنان تلجأ المعارضة إليه.

وفي الحالتين لا يحسم الشارع المحلي مواقفَ القوى الدولية والإقليمية، كما يظهر من عدائها في فلسطين للحكومة رغم تأييد الشارع لها، وعدائها في لبنان للمعارضة التي تستقطب نسبة كبرى من مختلف أطياف الشارع لصالحها.

والسؤال: أليس صوت الشارع هو صوت الشعوب، كما ردد الغربيون ذلك عاليا في تعاملهم مع "الثورات البرتقالية" شرق أوروبا؟

فكيف يمكن التوفيق بين مواقفهم المتناقضة في حالتي لبنان وفلسطين وبين مقولة "الشعب هو مصدر السلطات"؟

"
الاستقواء بالشارع ظاهرة تَطرح مشروعا للتغيير في مواجهة لعبة موازين القوى، إقليميا ودوليا، بهدف الوصول إلى تحكيم الإرادة الشعبية في صناعة القرار وبالتالي صناعة الواقع
"
لا جواب بطبيعة الحال سوى أنه من السذاجة السياسية قياس تلك المواقف على ما لا تنطلق منه أصلا، أي معايير المشروعية ومقولات الديمقراطية، بدلا من قياسها على لغة صناعة الواقع المرغوب فيه عبر صناعة الخلل في "موازين القوى" فقط.

الجديد الغائب عن الأذهان في ذلك أن تأييد القوى الدولية الأجنبية المعادية علنا، بات مصدر خطر قاتل لشعبية أي طرف محلي يتلقاه، وأن ضغوطها باتت عنصرا إضافيا لزيادة شعبية الطرف المحلي المستهدَف، وأن هذه الظاهرة "الشعبية" أصبحت بحد ذاتها عنصرا حاسما في صناعة موازين القوى وصناعة الواقع.

ولم يعد غريبا بهذا الصدد انتشارُ الحديث بصيغ الاستنكار والازدراء والرفض المطلق، عن نماذج بعينها مثل كرزاي أو الجلبي.

فاعلية الإرادة الشعبية
الاستقواء بالشارع الفلسطيني واللبناني أعمق مغزى وأبعد تأثيرا من أي جدل يدور حول نصوص دستورية تطرح انتقائيا، على حسب منطلقات من يطرحها.

فهو ظاهرة تَطرح "مشروعا للتغيير" في مواجهة لعبة موازين القوى، إقليميا ودوليا، بهدف الوصول إلى تحكيم الإرادة الشعبية في صناعة القرار وبالتالي صناعة الواقع.

ومن ثوابت صناعة أحداث التاريخ أن قوة الإرادة الشعبية تنمو بمقدار ما تزداد الضغوط الخارجية عليها، وهذا ما يؤكد أن ظاهرة دخولها في واقع الساحة السياسية الفلسطينية واللبنانية، لن تكون مؤقتة، بل هي البداية.

فإن وجدت المزيد مما تحتاج إليه من قيادات وزعامات واعية حكيمة قادرة على التعامل الهادف مع الواقع "الآني" وتقلباته، أمكن أن تصبح العنصر الحاسم في صناعة القرار الحاسم، وصناعة الواقع المستقبلي "الجديد".

في فلسطين لم تبدأ ظاهرة الاستقواء بالشارع عقب فوز حماس في الانتخابات النيابية، كما لم تبدأ في لبنان بعد الحرب العدوانية الإسرائيلية بهدف القضاء على المقاومة، إنما بدأت قبل أكثر من ربع قرن، مع ميلاد المقاومة المستقلة عن الارتباطات الرسمية، والعميقة الجذور شعبيا، لمواجهة عدوان خارجي مستمر، وهيمنة أجنبية مستفحلة، مقابل استخذاء رسمي تحت عناوين "سلام وتطبيع وصداقات دولية".

الجديد الطارئ مع رحيل عام 1427هـ و2006م، هو الانتقال من مرحلة الاكتفاء بمواجهة العدوان إلى إضافة مواجهة الهيمنة الأجنبية، أي إلى الاستقواء بالشارع على طريق "التغيير السلمي" لهيكلية صناعة القرار محليا، بما يحرره من الهيمنة الأجنبية.

هل يمكن تحقيق هذا الهدف؟
لقد ولدت المقاومة في لبنان أثناء احتلال إجرامي يبطش في الجنوب، وفي فلسطين مع بطش الاحتلال وميل مسيرة العمل الفدائي قديما باتجاه ما أوصل إلى نفق أوسلو.

وفي الحالتين كان في مقدمة العناصر الأساسية لولادة المقاومة ونجاحها، الاعتماد على الطاقات الشعبية، ووجود قيادات واعية لاصقة بالأرضية الشعبية نفسها، والعمل من أجل أهداف مشروعة وطنيا وإقليميا ودوليا بمختلف المعايير، ورفض ازدواجية المعايير في اختيار الوسائل المشروعة لتحقيق تلك الأهداف، وعلى وجه التحديد اختيار المقاومة المسلحة في مواجهة عدوان وحشي "مسلح" وغير مشروع.

هذه المقاومة التي تستقوي بالشارع واجهت في الفترة الماضية إذن من أشكال العداء والحصار وتوجيه الضربات، شبيه ما تواجهه في نقلتها الجديدة على طريق التغيير، بدءا بحملات التشويه الإعلامي وانتهاء بحصار "التجويع" واستهداف "الشعوب".

وذلك يعني استهداف المحاضن التي نشأت المقاومة فيها وتعتمد عليها، ناهيك عن توجيه الضربات العسكرية وغير العسكرية المباشرة من جانب العدو، وغير المباشرة من جانب بعض مَن يصنفونها إقليميا في خانة "الخصم" أو "المنافس على السلطة" على أقل تقدير.

"
مسيرة التغيير السياسي المنتظر في فلسطين ولبنان ستنطوي على تنمية مفعول الإرادة الشعبية باعتبارها جزءا من الواقع المشهود، لا جزءا من أهداف مشروعة عزيزة في خطب حماسية أو في دراسات منهجية
"
من جهة أخرى كان الخلل الكبير في واقع موازين القوى، بمنظور مَن يقيس مسيرة المقاومة بمعايير شائعة في حقبة انتشار روح التيئيس والانكفاء الانهزامية على مختلف الصعد، قد جعل كثيرا من المتفائلين أنفسهم، لا يتوقعون أن تصنع المقاومة "انتصارات عسكرية"، وكان أشدهم تفاؤلا يتحدث عن احتمال أن "تزرع بذور انتصارات ما" لأجيال قادمة.

ولكن الواقع المشهود لتلك المسيرة يؤكد تحقيقها انتصارات ميدانية، لا يُستهان بها في ظل معطيات موازين القوى -العسكرية وغير العسكرية- محليا وإقليميا ودوليا.

ومن المؤكد أن استيعاب هذه الحقيقة إسرائيليا، أي على مستوى العدو الإقليمي، ودوليا، لاسيما بمنظور مسيرة الهيمنة الصهيو أميركية، كان من وراء الانتقال في مواجهة المقاومة، من أسلوب توظيف قوى محلية وإقليمية لخنقها أو وأدها، إلى أسلوب المواجهة العسكرية المباشرة، وهذا ما أعطت السنوات الماضية صورة وحشية عنه في فلسطين ثم في لبنان.

إن السؤال عن إمكانية تحقيق الهدف الجديد على صعيد تمكين سيادة الإرادة الشعبية من صناعة القرار والواقع محليا، سؤال تجيب عنه إلى حد بعيد المرحلة الماضية، فقد وقع التغيير في معادلة مواجهة العداء الخارجي، رغم العوامل المضادة التي رجحت عدمَ حدوثه.

لا يعني ذلك إمكانية التنبؤ مسبقا بمعالم الخطوات أو المتغيرات التالية، ولا بالبعد الزمني المنتظر لتحقيقها، إنما يمكن الترجيح إلى درجة الجزم بأن مسيرة التغيير السياسي المنتظر في فلسطين ولبنان -والمرجو أن يبقى سلميا في مختلف مراحله- سينطوي أولا على تنمية مفعول الإرادة الشعبية باعتبارها جزءا من الواقع المشهود، لا جزءا من أهداف مشروعة عزيزة في خطب حماسية أو في دراسات منهجية.

ومن المؤكد بالمقابل ازدياد ضراوة الجولات القادمة بالمقارنة مع ما سبقها، ذلك لأن:
1- الجولات الماضية كانت تدور على "ثمرات" الهيمنة الأجنبية على صناعة القرار وصناعة الواقع، بينما بدأت جولات أخرى تتناول "جوهر" الهيمنة وبنيتها الهيكلية.

2- في الجولات الماضية كانت خسارة الطرف "المعادي" وركائزه المحلية -إذا وقعت- خسارة مؤقتة، ونتائجها قابلة للتعويض، سريعا نسبيا، أما المرحلة الجديدة فمن شأنها أن تشهد تغيير جذور المعادلة تغييرا لا يمكن تجاوز نتائجه ولا تعويضها بسواها.

3- إلى وقت قريب كانت توقعات الطرف المعادي وحساباته تبنى على الصورة الغالبة لديه عن تلك الجولات، أي اطمئنانه إلى كسبها وسط معطيات الخلل الكبير في موازين القوى وافتقاد عنصر "الردع"، وقد نقضت انتصارات المقاومة الميدانية هذه الصورة.

الحصيلة أنه لا بد أن يوضع في الحسبان، أن الطرف الأجنبي المعادي سيستميت في المواجهة لتجنب وقوع نتيجة حاسمة على حسابه.

وهذا -مع إنجازات الماضي- هو ما يؤكد بالمقابل أن مسيرة تغيير الواقع مضت في الاتجاه الصحيح، وستصل إلى غايتها رغم الشدائد والنكسات المحتملة.

أما سرعةُ الوصول بها إلى نتائج مستقرة، فمرتبطة بمقدار ما يزداد الوعي الشعبي الذي يحتضنها، اتساعا وعمقا، وبما يجده من النخب والقيادات ليوظف معطياته توظيفا قويما هادفا.

الانتشار المحتمل إقليميا
يبقى السؤال المفتوح هو ما يتعلق بمستقبل "إرادة الشارع" الشعبية إقليميا، وانطلاقا من صحة الاحتمال المرجح بشأن وصولها في فلسطين ولبنان إلى أهدافها أو قسط لا بأس به منها في المستقبل المنظور، يمكن السؤال عن اعتبارها نموذجا صالحا للتطبيق إقليميا، كي تأخذ الإرادة الشعبية مكانها الأصيل من وراء صناعة القرار وصناعة الواقع، إقليميا، ليكون لإنجازاتها آنذاك تأثير على التعامل الدولي مع المنطقة أيضا؟

هنا نستحضر حدث إخراج قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة المسلحة اللبنانية، فآنذاك "تصارعت" التنبؤات بين القول بقابليةِ تطبيق هذا النموذج من جانب المقاومة الفلسطينية للاحتلال، والقول باستحالةِ تطبيقه.

وأثبتت السنوات التالية أن التأثير تحقق من حيث الجوهر، وإن اختلفت "الكيفية التطبيقية" بما يتلاءم مع المعطيات الفلسطينية نفسها والظروف الخارجية الإقليمية والدولية بصددها.

"
التغيير قادم لا محالة، وسيشمل صناعة القرار وصناعة الواقع، وسيفرض نفسه إقليميا وعلى مستوى التعامل الدولي مع المنطقة وقضاياها آجلا أو عاجلا
"
وبكلمات أخرى: إن تأثير الاستقواء بالشارع في فلسطين ولبنان على طريق التغيير السياسي هو أيضا تأثير محتم من حيث الجوهر، أما الكيفية فستختلف باختلاف المعطيات والظروف.

ولكن يمكن أن نجد تشابها في كثير من المعطيات والظروف بين الحالة الفلسطينية والحالة العراقية أو الأفغانية، وهو ما يرتبط بوجود احتلال أجنبي، كما يمكن أن نجد تشابها جزئيا بين الحالة اللبنانية والأوضاع في بعض البلدان العربية والإسلامية، لاسيما تلك التي تعرضت لصورة من صور العدوان العسكري الخارجي. وتختلف المعطيات والظروف فيما عدا ذلك.

ففي مصر مثلا سادت مؤخرا أشكالٌ متعددة من اعتماد ظاهرة الاستقواء بالشارع، ولا يبدو العنصر الأهم من وراء عدم الوصول بها إلى غايتها كامنا فيما يصنع النظام، بل فيما يمكن وصفه بنقاط الضعف الذاتية في "القوى المعارضة والنخب" التي تعمل للاستقواء بالشارع.

وفي سوريا مثل آخر، غير أنه لا يبدو أن "قوى المعارضة" نفسها قد وصلت أصلا -رغم إنجازاتها العديدة- إلى مستوى "محاولة" الاستقواء بالشارع في تعزيز مطالبها.

على أن الجديد المشترك في المنطقة بمجموعها هو أن ظاهرة الاستقواء بالشارع، أو إحياء التعبير عن الإرادة الشعبية عبر فعاليات ظاهرة للعيان، لم تعد "سرا" يخفيه عن عامة الشعوب التعتيمُ الإعلامي وغيره من وسائل "حصار الإرادة الشعبية".

بل أصبحت الظاهرة معروفة، يرصدها المواطن العادي حيثما تجاوز عوامل شَغله بشظف العيش أو ترفه، وبعناصر الخوف أو إغواء الانحراف والانحلال، ويرصدها أيضا كثير ممن يوصفون بالنخب من مختلف الانتماءات والاتجاهات.

إن من أبرز جوانب أهمية هذه الظاهرة في فلسطين ولبنان استحالة أن يقف تأثير مسيرتها ونتائجها وراء الحدود الفلسطينية واللبنانية، لاسيما أن انتفاضة الأقصى والحرب العدوانية على لبنان، جددت -مع الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق- الوعي الشعبي إقليميا على امتداد المنطقة العربية والإسلامية، بصورة فاجأت القوى المعادية، التي كانت تبني على حصيلة عقودٍ متواصلة من العمل لحصار الشعوب وكبتها وشَغلها، بحملات "غسيل دماغ جماعي" واسعة النطاق، إضافة إلى توظيف عناصر الفقر والترف وألوان الإباحية للغاية نفسها.

ولئن لم يصل الوعي الشعبي بما يجري وأبعاده إلى مستوى العمل الفاعل لانتزاع زمام المبادرة، ليظهر مفعول تحرك الإرادة الشعبية كما هي في فلسطين ولبنان، فهو دون ريب الأرضية الأولى والشرط الأول في هذا الاتجاه.

ومن هنا يمكن القول إن التغيير قادم لا محالة، وسيشمل صناعة القرار وصناعة الواقع، وسيفرض نفسه إقليميا وعلى مستوى التعامل الدولي مع المنطقة وقضاياها، آجلا أو عاجلا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك