نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


نظرة إلى المقاطعة الشعبية الأولى
المسؤولية عن تجديد المقاطعة الشعبية
ثقافة المقاطعة وثقافة النهوض

تحت تأثير العدوان الإجرامي على لبنان ومشاهده تجدد الحديث عن المقاطعة الشعبية للبضائع والسلع والخدمات الأميركية، على ضوء التواطؤ الأميركي-الإسرائيلي المكشوف، مقابل التخاذل إلى درجة شبه انتحارية على الجانب العربي، فضلا عن افتقاد تحرّك جماهيري واسع النطاق، كما كان في قضية الإساءة الكاريكاتيرية لمقام النبوة، وهذا رغم انتشار الغضب على أوسع نطاق، كما تؤكد استطلاعات الرأي ومحاولات التظاهر تعبيرا عن السخط، وكبت تلك المحاولات بالقمع الأمني وراء جدران الجامعات والمساجد في الدرجة الأولى.

نظرة إلى المقاطعة الشعبية الأولى

"
بعد عام أو أكثر من التجاوب الجماهيري الواسع النطاق، بدأت حملات المقاطعة الشعبية تفقد عنصر الاستمرارية، وهو ما تزامن مع غيابها أو تغييبها في وسائل إعلام جماهيرية كالفضائيات، بعدما تحرك بعضها في مطلع انتفاضة الأقصى بصورة ملحوظة
"
هل يمكن أن تتجدد المقاطعة الشعبية للبضائع والسلع والخدمات الأميركية بقوة -علاوة على الإسرائيلية حيثما انتشرت- وأن تستمر فترة أطول ممّا كان عليه الحال إبان انتفاضة الأقصى؟

الدعوات إلى المقاطعة آنذاك كانت أوسع نطاقا، وصدرت عن جهات متعددة، على مستوى العلماء والدعاة والناشطين في منظمات مدنية وحتى بعض الفضائيات الإعلامية.

وكان التجاوب الشعبي واسع النطاق أيضا، وبدأت تظهر خلال أشهر معدودة سلسلة من التقارير الاقتصادية عن آثار المقاطعة على شركات أميركية كبرى، بل بدأت تظهر بذور أولى للمقاطعة في عدة دول أوروبية تعاطفا مع الفلسطينيين، مواكبة لانتشار نقمة واسعة تجاه الأميركيين، ما تزال مستمرة ومتصاعدة إلى الآن، بتأثير أفغانستان وغوانتانامو والعراق وأبو غريب وفلسطين ورفح وحاليا بتأثير لبنان وقانا، على سبيل الأمثلة دون الحصر.

وعند الرجوع إلى ما رافق حملات المقاطعة الشعبية الأولى، لا سيما من منظور مواقف الاعتراض والانتقاد، مع تجنب وصف ذلك بالتيئيس والتخذيل، نستخلص وجود عدد من المحاور الهامة، منها:

1- الاستعداد الشعبي للمقاطعة واسع النطاق بين مختلف الفئات، لا سيما الشبيبة وربات البيوت.

2- الدعوة إلى المقاطعة انتشرت في أوساط النخب التي توصف عادة بالإسلامية والوطنية دون استثناء، ما أدى إلى عزلة أصوات مضادة ومعترضة بشكل محدود على مستوى ما يوصف أيضا بالنخب.

3- اتخذت المقاطعة الشعبية مسارا وضعها في جبهة مضادة للجبهة الرسمية للأنظمة الحريصة على استمرار العلاقات الاقتصادية وسواها مع الولايات المتحدة، بل وتنميتها مع الإسرائيليين أيضا.

4- طُرحت سلسلة من المشكلات الجادة ولم تجد علاجا جادا، منها:

أ- البدائل عما تجري مقاطعته، وهو ما يمكن تصنيفه بين ما يمكن الاستغناء عنه دون بديل ككثير من الكماليات، وما لا بد من بديل عنه ويمكن إيجاد البديل خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا عبر توجيه الاستثمار للصناعات الوطنية ككثير من المنتجات الاستهلاكية اليومية، ثم ما لا يمكن إيجاد بديل عنه إلا عن طريق التخطيط على أصعدة التطوير العلمي والتمويل والتأثير على البنية الهيكلية لصناعة القرار الاقتصادي والسياسي.

ب- مشكلات نشأت على صعيد العاملين في فروع إنتاجية واستهلاكية تابعة لشركات أميركية، وفقدان أماكن عملهم وبالتالي معاناة الأسر التي يعيلونها، وهو ما لا يمكن الاكتفاء على صعيده بمطالب تذكر بضرورة التضحية، فوضع عنصر التضحية مقابل عنصر الضرورات المعيشية مرفوض من حيث الأساس.

ج- مشكلات نشأت عن مواجهات بين سلطات تحركت بقوة السلطة في الاتجاه المعاكس -بغض النظر عن الدوافع والأسباب- وبين رموز الدعوة إلى المقاطعة الشعبية وبعض مراكزها في عدد من البلدان العربية.

5- بعد عام أو أكثر من التجاوب الجماهيري الواسع النطاق، بدأت حملات المقاطعة الشعبية تفقد عنصر الاستمرارية، وهو ما تزامن مع غيابها أو تغييبها في وسائل إعلام جماهيرية كالفضائيات، بعدما تحرك بعضها في مطلع انتفاضة الأقصى بصورة ملحوظة.

6- افتقدت المقاطعة الشعبية ما يكفي من حملات التعريف بها وبأهدافها، سواء على المستويات الشعبية داخل البلدان العربية والإسلامية أو على مستوى الشعوب والنخب في الدول الغربية، حيثما ظهر تعاطف متصاعد، كما أثبت انتشار مظاهرات جماهيرية كبرى وعمليات استطلاعية رسمية وغير رسمية.

المسؤولية عن تجديد المقاطعة الشعبية

"
كل عمل شعبي جماهيري لا يمكن أن يؤدي مفعوله وإن كبر حجمه، إذا كان عشوائيا ونشأ نتيجة ردود فعل تلقائية تأثرا بمجرى الأحداث، ما لم تنشأ لجان شعبية تنظيمية على مستوى الأحياء والمؤسسات والتجمعات المختلفة
"
لا تزال الدعوات الصادرة مجددا لإحياء المقاطعة الشعبية محدودة الانتشار ومحدودة الأصداء، أو لا تجد على الأقل المتابعة الكافية لبيان حجمها الحقيقي على أرض الواقع.

ويمكن القول إن مجرى الأحداث الدامية الساخن يلفت الأنظار كرها عن المقاطعة، أو إن كثيرا من العاملين في "البرزخ" الفاصل بين الحكومات والشعوب، عبر وسائل الإعلام والفكر، وعبر منظمات المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، ما زال متأرجحا بين انتظار ما "قد" يصدر عن هذا المؤتمر أو ذاك، على مختلف المستويات الإقليمية والدولية.

على أن مثل هذا الانتظار يعبّر عن انفصام مرفوض ما بين واجب المتابعة وواجب العمل، أكثر من أن يعبّر عن المسؤولية الواقعة أوّلا على عاتق هذه الجهات التي توصف عادة بالنخب الفكرية والإعلامية والثقافية.

إن تجديد المقاطعة الشعبية لا يحتاج إلى دعوات تعميمية، وإنما إلى عمل مخطط وتحرك تنظيمي، قائم على استيعاب ما سبق والبناء عليه، ومواجهة المشكلات الجادّة بحلول جادة.

وكل عمل شعبي جماهيري لا يمكن أن يؤدي مفعوله وإن كبر حجمه، إذا كان عشوائيا ونشأ نتيجة ردود فعل تلقائية تأثّرا بمجرى الأحداث، ما لم تنشأ لجان شعبية تنظيمية على مستوى الأحياء والمؤسسات والتجمعات المختلفة، من نقابات واتحادات وجامعات ومدارس ومصانع وغيرها، يساهم فيها أصحاب الخبرة والمعرفة، بما يضمن صحة مسار العمل الشعبي نحو أهداف محددة، وضبط تداعياته تجنبا لسلبيات تسبب النكسات، فضلا عن الحاجة المستمرة إلى حملات التوعية الكفيلة باستمرارية العمل الشعبي، والانتقال به من مرحلة إلى أخرى، وتحقيق أهدافه تدريجيا باتجاه الغاية الأبعد منه.

ومع عدم إغفال وجود بعض المطلوب وإن كان بصورة محدودة، يبقى من الضروري التأكيد أن تجديد المقاطعة الشعبية على وجه التخصيص مع ضمان استمراريتها يحتاج فيما يحتاج إلى:

1- شبكة تنظيمية فاعلة يحمل المسؤولية عن إنشائها أو إنشاء نواتها على أسس سليمة عدد من الهيئات الكبرى التي باتت أقرب ما تكون إلى ثقة جماهيرية واسعة بها، وسبق أن وجهت دعوات تعميمية إلى المقاطعة، كاتحاد العلماء المسلمين، واتحاد الأحزاب العربية، واتحاد النقابات العربية، واتحادات الكتاب العرب، وغيرها.

2- التواصل بين هذه الهيئات وأمثالها لإصدار دعوات جماعية لتجديد المقاطعة، بما يبين حجم تلاقيها على أرضية مشتركة، مع تجاوز التعميم إلى بيان آليات تطبيقية تحمل تلك الجهات مسؤولية العمل من خلال أجهزتها وفروعها لضمان نشأتها ومسار عملها.

3- قنوات للتواصل بين الفعاليات الشعبية، وأصحاب الطاقات المالية والاقتصادية والتجارية، وصانعي القرار الاقتصادي والسياسي على المستوى الرسمي، على أساس تأكيد العناصر الإيجابية للمقاطعة بالنسبة إلى سائر هذه الجهات، وتحويل الوجه الغالب على المقاطعة الشعبية كعمل احتجاجي، إلى عمل بناء يدعم الصناعة الوطنية والاقتصاد الأهلي، ويدعم استقلالية القرار الاقتصادي والمالي والسياسي في وقت واحد.

4- التواصل بين الأجهزة والآليات الفاعلة على صعيد المقاطعة الشعبية، ووسائل الإعلام الجماهيرية، والعمل على تحويل المتابعة الإعلامية من حين إلى آخر، إلى متابعة دائمة وفق برامج منظمة وفعاليات متجددة، والاستفادة من مختلف الوسائل الممكنة لنشر "ثقافة المقاطعة" عبر المؤتمرات والمهرجانات والإبداع الفني والأدبي والفكري وغيرها.

5- السعي لإيجاد مرجعية موثوقة علميا وجماهيريا للمتابعة الدورية لفعاليات المقاطعة الشعبية وحصيلتها، وللبدائل التي تعزّز الاقتصاد الوطني في كل بلد على حدة علاوة على تعزيز التجارة البينية، ونشر تقويم دوري لما سبق تحقيقه في فترة ماضية مع استخلاص ما ينبغي أن يترتب على ذلك لمرحلة تالية.

ثقافة المقاطعة وثقافة النهوض

"
قضية المقاطعة الشعبية تقوم على عدة دعامات متكاملة في مقدمتها الدعامة الشعبية والتنظيمية والرسمية، وأن انتشارها ونجاحها مرتبطان بأداء المسؤولية على صعيد كل منها دون استثناء
"
لا نغفل عن الغياب الخطير لوجود مشروع نهوض متكامل عابر للحدود الرسمية القائمة، وخارج نطاق سياسات الارتباط بمراكز القوى الدولية اقتصاديا وماليا وسياسيا وأمنيا، وضامن أن تصبح العلاقات مع الآخر علاقات احترام متبادل ومصالح متبادلة بمعنى الكلمة، وهذا الغياب يجعل من مشروع المقاطعة الشعبية -الجزئي بهذا المنظور الأشمل والأوسع نطاقا- هدفا لا يسهل تحقيقه.

على أن المقاطعة الشعبية مع تأكيد وجهها الإيجابي على طريق البناء، مرشحة أكثر من سواها لأن تكون نقطة انطلاق يمكن أن تساهم إسهاما كبيرا في تعزيز الجهود الضرورية لإيجاد شروط النهوض الأخرى، أو حتى الشروط المبدئية لظهور مشروع نهوض قابل للتطبيق، بقدر ما يتضمن من عناصر مقنعة وواقعية، وما يجد من قبول على المستوى الجماهيري، فضلا عن الشروط الموضوعية ذات العلاقة بالتخطيط له وصياغته على أساس منهجي.

إن نشر ثقافة البناء الوطني، اقتصادا وتبادلا تجاريا واستثمارات محلية وأماكن عمل، هو أول ما يمكن أن يكون في وقت واحد حجر الأساس لمقاطعة شعبية فعالة، وبذرة أولى على طريق النهوض، وقد أصبح مسألة وجود للأمة ولكياناتها السياسية وغير السياسية، وليس مسألة نجاح أو إخفاق فحسب وبالتالي مسألة حرص على "تجميل الواقع" على مستوى هذه السلطة أو تلك.

وهذا مما يؤكد بدوره أن قضية المقاطعة الشعبية تقوم على عدة دعامات متكاملة، وأن انتشارها ونجاحها مرتبطان بأداء المسؤولية على صعيد كل منها دون استثناء:

1- الدعامة الشعبية، وقد أثبتت أكثر من مرة الحيوية الكامنة فيها إذا ما وجدت الدوافع المؤثّرة عليها، وفي الأحداث الجارية ما يصنع تلك الدوافع بصورة متصاعدة، ويمكن أن تثبت هذه الدعامة فعاليتها مجددا بقدر ما تجد من حملات التوعية والتوجيه القائمة على طاقات قيادية.

2- الدعامة التنظيمية، ولا تزال -إذا أردنا التفاؤل- في بدايات نشأتها، ولن تتطور المقاطعة الشعبية وبالتالي لن يتسع نطاقها ويزداد مفعولها ما لم تتحرك "النخب" المعنية في الاتحادات والروابط والتنظيمات المختلفة وعلى مستوى الفكر والإعلام لطرح آليات عملية وهياكل تنفيذية قادرة على التصرّف، مع المبادرة إلى تشكيلها وتحريكها.

3- الدعامة "الرسمية" إذا صحّ الوصف، فالمقصود أولا هو الجهات القادرة ماليا واقتصاديا، ونحسب النجاح رهنا برؤية مشاريع بناء مطروحة على أرض الواقع، تجمع بين الأهداف الجليلة لمقاطعة شعبية بما في ذلك تحرير إرادة الشعوب وحياتها المعيشية واستعادة أمنها الغذائي والاستهلاكي وتوظيف ذلك في الدفاع عن القضايا المصيرية والمحورية الوطنية والمشتركة، وبين المصالح الاقتصادية والمالية المشروعة للعاملين في ميادين المال والاقتصاد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك