علاء بيومي

الأزمة الأولى: النقد المتزايد لإسرائيل
الأزمة الثانية: تردي الأوضاع بالعراق
مقدمات الأزمة الثالثة: العلاقات العامة
خاتمة وتحذير

يسعى المقال إلى البرهنة على حجة -تبدو صعبة للوهلة الأولى- تنادي بأنه رغم التأييد الذي تتمتع به إسرائيل في أوساط النخب الأميركية الحاكمة تعاني صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي سلبيا منذ أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 على الأقل، حيث مرت صورة إسرائيل في عيون الأميركيين منذ ذلك الحين بأزمتين واضحتين، أولاهما في أعقاب الأحداث الإرهابية، وثانيتهما في أعقاب فشل التدخل الأميركي في العراق.

ويتوقع المقال أن الأخطاء الدبلوماسية التي وقعت فيها إسرائيل في حربها على لبنان وصعود وسائل الإعلام البديلة -وعلى رأسها الإنترنت- وانتشار الأصوات المتعاطفة مع المسلمين والعرب في أوساط شعبية أميركية معينة وعوامل أخرى قد تساعد على دخول إسرائيل في علاقتها مع الرأي العام الأميركي في أزمة ثالثة وشيكة.

ولكن المقال يرى أن وقوع الأزمة الثالثة هو أمر محتمل وليس حتميا يتوقف على عدد من العوامل القابلة للتغيير كأسلوب تعامل لوبي إسرائيل معها، ودور المتغيرات الدولية الطارئة كاحتمال وقوع أحداث إرهابية، هذا إضافة إلى اقتراب موعد انعقاد الانتخابات التشريعية الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

الأزمة الأولى: النقد المتزايد لإسرائيل

"
إسرائيل تخسر معركة التأثير على عقول وقلوب الأميركيين في دوائر المنظمات المساندة لإسرائيل والتي شرعت منذ عام ونصف في تنفيذ حملة علاقات عامة واسعة لمواجهة تدهور صورة إسرائيل في أوساط الرأي العام الأميركي
"
تقرير "لوبي إسرائيل" الصادر في مارس/ آذار 2006 من تأليف اثنين من أكبر أساتذة العلوم السياسية بأميركا هما ستيفين والت وجون ميرشماير تحدث -في بعض أجزائه- عن تحديات ضخمة واجهها لوبي إسرائيل من قبل الجامعات الأميركية بعد انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2002.

ويقول التقرير إن لوبي إسرائيل وجد صعوبة في التعامل مع النقد المتزايد لإسرائيل بالجامعات الأميركية ما دفعه لإطلاق عدد من المبادرات الجديدة للتعامل مع الأزمة، حيث أنشأ بعض الأكاديميين الموالين لإسرائيل منظمة لمراقبة الحرم الجامعي تشجع طلاب الجامعات على كتابة تقارير ضد أساتذتهم الناقدين لإسرائيل، كما سعى آخرون للضغط على الكونغرس لمنع الدعم عن الجامعات التي ينتشر بها نقد إسرائيل.

التحديات السابقة يمكن النظر إليها كجزء من أزمة أكبر مرت بها صورة إسرائيل في أميركا بعد 11/9 وارتبطت بسعي الأميركيين لفهم الأسباب التي قادت إليها، حيث انقسم الأميركيون إلى فئتين رئيسيتين، أولاهما رأت أن السياسة الخارجية الأميركية خاصة تجاه الشرق الأوسط هي السبب، أما الفئة الثانية فرأت أن الإرهابيين يكرهون أميركا بسبب قيمها، وبمرور الوقت ونظرا لنفوذ المحافظين الجدد داخل الإدارة الأميركية وفي أوساط الإعلام الأميركي انتصرت الفئة الثانية على الفئة الأولى، ولكن ذلك لم يمنع الأميركيين من إعادة التفكير في طبيعة السياسات الأميركية تجاه الشرق الأوسط ودورها في تأجيج العداء الدولي لأميركا، ساعد على ذلك التدهور الذي شهدته عملية السلام عامي 2001 و2002.

لذا كشفت بعض وسائل الإعلام اليهودية الأميركية خلال العامين 2002 و2003 عن شعور بعض قادة كبرى المنظمات المساندة لإسرائيل بأميركا بأن صورة إسرائيل في عيون الأميركيين تمر بأزمة.

فعلى سبيل المثال نشرت وكالة جيوش تلغراف في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2003 مقالا تحدث عن انتشار شعور بأن "إسرائيل تخسر معركة التأثير على عقول وقلوب الأميركيين" في دوائر المنظمات المساندة لإسرائيل التي شرعت منذ عام ونصف في تنفيذ حملة علاقات عامة واسعة لمواجهة تدهور صورة إسرائيل في أوساط الرأي العام الأميركي.

وذكر التقرير أن إسرائيل التي نجحت في الحفاظ على النخب السياسية الأميركية الحاكمة لسياساتها باتت تواصل مشكلة في التواصل مع الشعب الأميركي، كما أشار إلى استطلاع لتوجهات الأميركيين أجرته منظمة تدعى "مشروع إسرائيل" في نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 وجد أن نسبة الأميركيين الراغبين في أن تقف أميركا موقفا محايدا تجاه صراع الشرق الأوسط وصلت إلى 62% مقارنة مع 43% في منتصف العام 2002.

كما كشف التقرير -وغيره من التقارير التي نشرت حول القضية نفسها- أن صورة إسرائيل تعاني بدرجة أكبر في أوساط ثلاث فئات أميركية أساسية، هي الجامعات الأميركية والأفارقة الأميركيون وأصحاب التوجه السياسي الليبرالي، وذكرت بعض المصادر أن هجوم إسرائيل الدائم على أعدائها لا يكفي لتحسين صورتها لدى الرأي العام الأميركي الذي بات يشعر أن إسرائيل لا تمتلك مشروعا لتحقيق السلام بالشرق الأوسط.

ولكن التقارير نفسها عادت وتحدثت عن جهود تقوم بها المنظمات الموالية لإسرائيل لتحسين الصورة كإنشاء منظمات جديدة للتعامل مع الجامعات وتوعية الطلاب، وأخرى للدعاية والإعلان، هذا إضافة إلى هجوم لوبي إسرائيل الناجح على عدد من أعضاء الكونغرس في انتخابات العام 2002 التشريعية حيث نجح اللوبي في إسقاط عدد من أبرز أعضاء الكونغرس المساندين للقضية الفلسطينية وهما النائبة سنثيا ماكيني والنائب إريل هلليارد.

الأزمة الثانية: تردي الأوضاع بالعراق

"
الأزمة التي مرت بها إسرائيل في عيون الأميركيين نتيجة لأخطاء الحرب على العراق ارتبطت بحالة الرفض والسخط الشديدين التي طغت على غالبية الدوائر الأميركية تجاه سياسة الإدارة التي أصبح يضرب بها المثل في سوء التخطيط والإدارة "
يمكن القول إن تحركات لوبي إسرائيل لاحتواء الأزمة الأولى -التي لم توازها تحركات متكافئة من حيث الحجم والنوع من قبل الأطراف المسلمة والعربية- والظروف التي مرت بها أميركا في العامين التاليين لأحداث 11/9 وصعود نجم المحافظين الجدد ومن ورائهم المسيحيون المتدينون وقوى اليمين الأميركي التي دفعت بأميركا لحرب العراق - أسهمت معا في تخطي صورة إسرائيل أزمتها الأولى، ولكن هذا لم يحل دون دخول صورة إسرائيل أزمة ثانية على أثر تردي الأوضاع بالعراق.

ويمثل تقرير لوبي إسرائيل -الذي أشرنا إليه في بداية المقال- علامة فارقة في هذه الأزمة، فقد نشر عن أكاديميين معروفين يعملان بأهم الجامعات الأميركية ممتلئا بنقد لمختلف الحجج الإستراتيجية والأخلاقية التي يستخدمها أنصار إسرائيل لإقناع الرأي العام الأميركي بأن مساندة إسرائيل تصب في مصلحتهم، حيث رفض مؤلفا التقرير هذه الحجج مؤكدين أن السبب الرئيس للتأييد الذي تحظى به إسرائيل هو لوبي إسرائيل وقدراته التنظيمية.

كما ركز التقرير على نفوذ المحافظين الجدد داخل إدارة الرئيس جورج دبليو بوش وكيف لعب عدد منهم ومن كبار أعضاء لوبي إسرائيل دورا هاما في إقناع الإدارة والرأي العام الأميركي بالحرب على العراق، وكيف حلموا هم وساسة إسرائيل بإعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد إسقاط النظام العراقي.

ويمكن القول إن تقرير لوبي إسرائيل لم يكن المؤشر الأول على الأزمة التي مرت بها إسرائيل في عيون الأميركيين نتيجة لأخطاء الحرب على العراق، بل كان -في الغالب- نتاجا لهذه الأزمة وليس سببا لها، حيث ارتبطت الأزمة الحقيقية بحالة الرفض والسخط الشديدين التي طغت على غالبية الدوائر الأكاديمية والثقافية الأميركية تجاه سياسة الإدارة التي قادت إلى الحرب على العراق، وأصبحت يضرب بها المثل في سوء التخطيط والإدارة السياسية ليس فقط من قبل اليسار الأميركي ولكن أيضا من قبل كتاب يمينيين معروفين كفرانسيس فوكوياما.

وترتب على ذلك طغيان حالة من الفشل والصمت على المحافظين الجدد في أوائل العام 2006، ويكفي هنا الإشارة إلى أن مشروع "القرن الأميركي الجديد" وهو مشروع فكري يضم قيادات المحافظين الجدد، ولم ينشر المشروع أي كتابات جديدة عن الشرق الأوسط منذ سبتمبر/ أيلول الماضي.

ولم يكن مستغربا أن يتأكد شعور الأميركيين بالرغبة في الحياد تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، حيث وجد استطلاع لآراء الأميركيين أجراه مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في أواخر العام 2005 أن 63% من الأميركيين باتوا يعتقدون أن طرفي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يقفان على جانب الصواب بشكل متساو وذلك مقارنة بنسبة 50% في أواخر العام 2004.

مقدمات الأزمة الثالثة: العلاقات العامة

"
فشلت إسرائيل في كسب التعاطف الدولي في حربها على لبنان بسبب إفراطها في استخدام القوة ورفضها الحلول الدبلوماسية التي ساندتها غالبية دول العالم والمنظمات الدولية
"
هناك عدد من العوامل التي تدفعنا إلى الاعتقاد بأن أزمة علاقات عامة إسرائيلية جديدة تلوح في أفق الرأي العام الأميركي حاليا للأسباب التالية:

أولا: لم تتمكن إسرائيل خلال السنوات الخمس الأخيرة من علاج الجذور الفعلية للأزمة التي تعانيها لدى الرأي العام الأميركي، وعلى رأسها فشل عمليه السلام وعدم وجود خطط إسرائيلية مقنعة لتحقيق السلام المنشود في الشرق الأوسط.

ثانيا: حالة التأييد العام التي تمتعت بها إسرائيل من قبل الولايات المتحدة حكومة وشعبا في أعقاب بداية حرب لبنان قد لا تعبر عن حقيقة شعور الرأي العام الأميركي تجاه السياسات الإسرائيلية بقدر ما هي رد فعل لموقف النخب الأميركية السياسية والإعلامية المساند لإسرائيل، ولطبيعة المشاعر الوطنية الأميركية التي تدعو الأميركيين للتوحد في أوقات الأزمات، لذا أكد استطلاع أجراه كير في نهاية يوليو/ تموز 2006 أن الحرب على لبنان لم تغير موقف غالبية الشعب الأميركي (63%) المطالب بالمحايد تجاه صراع الشرق الأوسط.

ثالثا: هناك تغيرات تكنولوجية وديمغرافية بعيدة المدى تعمق أزمة صورة إسرائيل بشكل يصعب إيجاد حلول سريعة لها، وعلى رأس هذه العوامل صعود الإنترنت كمصدر للمعلومات، وزيادة أعداد المسلمين والعرب بالولايات المتحدة وأوربا، وزيادة شعور الرأي العام الأوروبي السلبي تجاه السياسات الإسرائيلية مما يمثل عامل ضغط هام على نظيره الأميركي، هذا إضافة إلى انفتاح بعض فئات الشعب الأميركي على وجهة النظر العربية وعلى رأسها الأفارقة الأميركيين وأصحاب التوجه السياسي الليبرالي والجامعات.

رابعا: فشلت إسرائيل في كسب التعاطف الدولي في حربها على لبنان بسبب إفراطها في استخدام القوة ورفضها الحلول الدبلوماسية التي ساندتها غالبية دول العالم والمنظمات الدولية.

خامسا: إذا لم يتبع وقف النار بلبنان تغيرات كبيرة في سياسة الإدارة الأميركية تجاه عملية السلام – وهي تغيرات يصعب توقع حدوثها نظرا لموقف الإدارة المتشدد في مساندة إسرائيل والذي كشفت عنه الأزمة –فإن ذلك سيعمق شعور الأميركيين المتنامي بفشل سياسة أميركا بالشرق الأوسط، وبأن هذه السياسة بدعائمها المختلفة- بما في ذلك دعم إسرائيل- باتت عالية التكلفة على المواطن الأميركي.

خاتمة وتحذير
بقى لنا أن نحذر من أن دخول صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأميركي أزمة جديدة في الفترة الحالية ليس أمرا حتميا فهو يعتمد على توافر عدد من العوامل القابلة للتغيير، وعلى رأس تلك العوامل فشل لوبي إسرائيل في احتواء الأزمة رغم ما يتمتع بها من قدرة على المبادرة وانتشار أفقي ورأسي بدوائر تشكيل الرأي العام الأميركي، وقدرة الأطراف المسلمة والعربية على استغلال الأزمة رغم الإمكانيات المحدودة التي يتمتع بها اللوبان العربي والمسلم بأميركا وعدم وجود خطة علاقات عامة شاملة ترعاها الدول العربية أو الإسلامية بأميركا.

كما أن وقوع أحداث إرهابية على أي أراض غربية من شأنه أن يعمق التشويه الذي تتعرض لها وجهة النظر المسلمة والعربية لدى الأميركيين كما أنه سوف يقوي حجج المحافظين الجدد واليمينيين المتشددين التي تعلي حسابات الأمن على حسابات المنطق.

أما انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني 2006 التشريعية فمن شأنها أن توحد الساسة الأميركيين خلف إسرائيل ولكنها في نفس الوقت سوف تفتح بقوة باب النقاش حول فشل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ما قد يساعد الشعب الأميركي في إعادة التفكير في طبيعة السياسات الإسرائيلية والسياسات الأميركية المساندة لها.
ــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة