سامي براهم

- العَلمانية المحرفة
1 - المستوى النظري
2 - المستوى العملي
- الإسلام المحرف
1- المستوى النظري
2- المستوى العملي

لعل من أبرز مظاهر العقم في الخطاب الإسلامي المعاصر تلك النزعة إلى التوفيق والترميق القائمة على الجمع بين المتناقضات، ومحاولة البحث عما يوافق النظم المستحدثة أو يطابق المفاهيم الغربية المعاصرة في تراثنا الإسلامي، تحت مسمى التأصيل تارة أو أسلمة الحداثة وتحديث الإسلام تارة أخرى.

وهي مقاربات على ما فيها من جهد تأويلي تجديدي وحسن نوايا، تنطوي في المقابل على خلل منهجي ومفهومي كبير، لعل أبرز مظاهره الإسقاط التاريخي القائم على قياس الغائب على الشاهد، أو الشاهد على الغائب، والخلط بين المرجعيات.

ولكن أهم ثغرة في هذا المنزع التأصيلي هي تفويت الفرصة الخلاقة للمثاقفة والحوار البناء وتبادل المعارف واختبار التجارب دون الارتهان إلى نموذج مسبق حديثا كان أو قديما يتسم بصفة الإطلاق ويقاس عليه.

إذا كان ذلك كذلك فهل يسوغ لنا الحديث عن عَلمانية الإسلام أو في أدنى الأحوال عن نقاط التقاء بين العدوين التقليديين؟ أليست تلفيقا من تلفيقات المنزع الإسقاطي الذي انتقدناه؟

"
الانقلاب على مقاصد العَلمانية كما تفهم في سياقاتها التاريخية رسخ سياسة الاستبداد والهيمنة في الدول القطرية الناشئة بعد الاستعمار المباشر وأضفى عليها مشروعية لا تقل حدة عن مشروعية الاستبداد الديني، كما كرس النزعتين الاستئصالية والتكفيرية
"
العَلمانية المحرفة
لعل من أبرز مظاهر هذا التحريف الخلط المفهومي الاصطلاحي بين مفردات: العِلمانية scientisme، والعَلمانية sécularité، واللائكية laïcité، بما تعنيه الأولى من ضرورة ارتهان المعرفة البشرية إلى التجربة العلمية، والاكتفاء بمنهجها الموضوعي في ضبط المفاهيم وتحديد النتائج وتقرير الحقائق، باعتبار أن تلك المناهج الموسومة بالعلمية هي المصدر الأوحد للحقائق الكونية، وباعتبار القدرة المطلقة للعلم على الذهاب إلى المسائل القصوى الدائرة على المعرفة البشرية.

ويُفهم هذا الإصرار على أوحدية العلم في السياق التاريخي الذي كانت الكنيسة الكاثوليكية تحارب فيه العلم وتنكل بالعلماء، وتنطق باسم حقيقة مفارقة غير قابلة للاختبار، الروح فيها أرقى من المادة فتكون الكنيسة تبعا لذلك صاحبة السيادة على الأرواح والأجساد.

أما الثانية "العَلمانية" فتعني الزمانية في مقابل الروحية. وتحيل الزمانية على الدنيوي أي المتشكل في خضم الواقع محكوما بملابسات التاريخ وإكراهاته، مما ينفي عنه صفات الإطلاق والعصمة والقداسة والربانية التي يضفيها الفكر الديني عموما على تصوراته.

وتسمح العَلمانية بهذا المعنى بوضع جميع ما يُفترض أنه حقائق على محك النقد والتقويم والاختبار وتُخضعه لقابلية النقض أو النسخ أو التعديل.

أما الثالثة "اللائكية" فتتكون من الجذر lai الذي يدل أصله اللاتيني laikos على معنى الشعب في مقابل klérikos أي إكليروس clerc، ثم أصبح يحيل في الكنيسة الكاثوليكية على رجل الدين المسيحي غير المكرس لخدمة الكنيسة.

ثم تطورت المفردة منذ قانون 1905 في فرنسا لتدل على نظام إبعاد الكنيسة عن ممارسة السلطة السياسية أو الإدارية خاصة في المؤسسة التعليمية "المدرسة".

واتخذ ذلك الإبعاد شكل الإقصاء العنيف في فرنسا بينما اقتصر في التجربة الأنجلوسكسونية على التحييد وإعادة رسم العلاقة، دون مصادرة حق المؤسسات والفعاليات التي تصدُر عن مرجعية دينية من التأثير في سياسات الدولة وتشريعاتها.

ورغم التقاطع بين هذه المفاهيم فإن الخلط بينها وبترها عن سياقاتها السياسية والسوسيوثقافية التي أنشأتها يؤدي بالضرورة إلى فهم اختزالي إسقاطي يُفرغ هذه المفاهيم من محتواها الإنساني ويحرفها عن مقاصدها التنويرية ويبدد طاقتها على التحرير.

1- المستوى النظري
أ- تحريف المضمون الإنساني المدني الثوري للعَلمانية وذلك بتحويلها من فصل للسياسة عن المقدس إلى فصل للسياسة عن الدين، بما يعنيه ذلك من إمكان قيام السياسة على قداسات أخرى غير القداسة الدينية، وقطع السياسة عن روافد معرفية وثقافية محلية أو كونية يمكن أن تسهم بشكل فعال في التحرير والتنوير والتنمية.

ب- وصل السياسة بالمقدس من جديد ورهن الزمني بروحانية وضعية لكنها تحمل في أعماقها أشد مظاهر القداسة إيمانية وتسليما من تعال وإطلاق وغيبية.

لقد وقع افتكاك القداسة من الدين وإضفائها على مشروع الدولة الحديثة "الدولة الإله"، فتبدد نضال نخب التنوير، ووقع الانقلاب على العَلمانية بما تعنيه من إيمان بتشكل الحقائق والمعارف والعقائد في حدود هذا العالَم وفي خضم ملابساته التاريخية وإكراهاته السوسيوثقافية وأبعاده المعرفية، لتعود الحقيقة من جديد مفارقة للواقع يستلهمها حكماء الحداثة العارفون الملهمون داخل إكليروس الدولة المكلفة بنقل المجموعة البشرية من ظلمات التخلف إلى نور التقدم، ويستوي في ذلك المشروع الليبرالي مع المشروع الماركسي.

2- المستوى العملي
أ- تحريف التجسيد السياسي للعَلمانية من فصل للدولة عن الكنيسة التي تَدعي الصُدور في معارفها عن مشكاة المعرفة الإلهية إلى فصل للدولة عن الدين، لتكون دولة لادينية بمعنى أنها تقصي الدين باعتباره أحد الروافد الثقافية لهوية الدولة.

وذلك حسب تقديرنا انقلاب عن البعد الإنساني للدولة المدنية العَلمانية، فالمدنية لا تعني بأي حال من الأحوال فك الارتباط بين مكونات الذات البشرية لتحيلها إلى الانشطار والتشظي، وتبعثر أداءها في الحياة العامة بين نشاط تدعي أنه مدنس ولكن تمارسه بمعقولية القداسة، وآخر تزعم أنه مقدس ولكن تحاصره وتحد من مجاله الحيوي المدني.

ب- تحريف المشروع السياسي للعلمانية القائم على تحرير الإنسان والشأن العام من كل القداسات والسلط السالبة للحرية باعتبارها أخص خصائص إنسانية الإنسان، وأول شرط لتحقيق كرامته والضامن لتأسيس الاجتماع البشري على قيمة أساسية مفادُها أن الحقيقة أعدل شيء قسمة بين الناس.

إن هذا الانقلاب على مقاصد العَلمانية كما تفهم في سياقاتها التاريخية قد رسخ سياسة الاستبداد والهيمنة في الدول القطرية الناشئة بعد الاستعمار المباشر وأضفى عليها مشروعية لا تقل حدة عن مشروعية الاستبداد الديني، كما كرس النزعتين الاستئصالية والتكفيرية اللتين تهيمنان على الحياة السياسية والجمعياتية المدنية.

"
كل ادعاء يخالف كون مدار التكليف هو ما يُحصله الإنسان من معارف بشرية يكتسبها تقوّل على الله وتحريف للوحي الذي صيغ بأسلوب بياني يُنتج المعنى بشكل لا يتطابق فيه الدال اللغوي المنطوق بشكل آلي حتمي مع المدلول الشرعي مدار التكليف والفعل البشري في الواقع
"
الإسلام المحرف

أين الإسلام من العَلمانية بالمعنى الذي صغناه آنفا؟ للجواب عن هذا السؤال لا بد أن نستدعي سؤالا آخر يستبطن الجواب: هل يمكن أن يوجد في هذا العالم من له القدرة المعرفية بُرهانية كانت أو بيانية أو عِرفانية على أن يؤكد بما لا يدع للشك والريب مجالا أن تصوره عن دينه هو جوهر ذلك الدين المطابق لحقيقته الربانية المطلقة؟

إن الانخراط في قراءة تشق مدونة العلوم الإسلامية تؤكد أن الحقيقة الدينية في الإسلام رغم ادعاء أصحاب المذاهب والفرق لا يمكن أن تكون إلا بشرية، لا تطابق بأي حال من الأحوال "الحق الإلهي" الذي يبقى عصيا على المحاصرة لا تدركه الأفهام إلا بمقدار الكدح في النظر وهو كدح لا يتوقف حتى يلتقي الإنسان بربه ويكشف دونه "حجب المعرفة".

فمدار التكليف إذن هو ما يُحصله الإنسان من معارف بشرية يكتسبها من النظر في نص الله التدويني "الوحي" ونصه التكويني "الكون"، وهذا النظر ينشط في هذا العالم الأرضي محكوما بشروطه التاريخية الموضوعية وأفقه المعرفي النسبي وملابساته الإيديولوجية الذاتية.

بل إن مفهوم التوحيد نفسه الذي يعد أخص خصائص العقيدة الإسلامية ليس إلا صورة بشرية وتمثلا من تمثلات العقل عن التوحيد، لا تطابق بأي وجه من الوجوه جوهر التوحيد ومدلول الفردية والصمدية والأزلية، لذلك اختلفت الفرق الكلامية إلى حد الاحتراب حول ذات الله وصفاته.

إن كل ادعاء يخالف هذا المعنى هو حسب تقديرنا تقوّل على الله وتحريف للوحي الذي صيغ بأسلوب بياني يُنتج المعنى بشكل لا يتطابق فيه الدال اللغوي المنطوق بشكل آلي حتمي مع المدلول الشرعي مدار التكليف والفعل البشري في الواقع.

إن قلب هذا الوضع المعرفي لهو انقلاب على الإسلام وتحريف لمعانيه الكامنة فيه بالقوة.

1- المستوى النظري
أ- التحريف العقائدي وذلك، أولا: بالسقوط عن غير قصد في الشرك أي مشاركة الله في صفات العلم والإرادة والمشيئة والكلام والنطق باسمه.

ثانيا: بالتحريف الذي يستهدف نظرية المعرفة من خلال تكريس الاتحادية والحلولية المعرفية، وذلك بادعاء مطابقة دوال الوجود أي النص التدويني "الوحي" والنص التكويني "مكونات الوجود" مع مدلولاته أي المعارف الناشئة عن النظر التي لا تعدو في الواقع أن تكون إلا تأويلات بشرية مكتسبة عبر النظر الاجتهادي، مما يؤدى بالضرورة إلى النطق باسم الإرادة الإلهية والصدور عن المعارف اللدنية وتوهم المطابقة بين المعرفة المكتسبة وعلم الله الأزلي، بينما المعرفةُ الدينية في كل مجالاتها كما أقر ذلك العديد من علماء الأصول ظنية وإن صدرت عن النصوص القطعية والمتواترة.

ب- ينشأ عن التحريف الأول ضرورة تحريف آخر يرسخ أطروحة الفرقة الناجية، التي تدخل الجنة من دون العالمين.

وتَضِيقُ دائرة هذه الفرقة حتى تغدو الثلةَ الأولى والقلةَ الأخيرة التي تعيد للإسلام مجده الأول.

فتنشط تبعا لذلك التصور النزعة التبشيرية لمنظومة سياسية وقيمية طهرانية تستشعر واجب إنقاذ البشرية من الظلمات، وإنفاذ أوامر الله وشرائعه الجلية في الأرض، والتصدي لنوازع الكفر والبدع التي تمثلها الأطروحات الخارجة عن دائرة ما يُعتقد أنه الفرقة الناجية.

"
الشورى هي الفريضة الإسلامية الغائبة والصخرة التي تكسرت على نتوءاتها كل مشاريع الاجتماع السياسي الإسلامي منذ اجتماع السقيفة الذي انخرط في سؤال من يحكم عوض سؤال كيف نحكم
"
2- المستوى العملي
أ- ابتدأ التحريف العملي منذ الانقلاب الأموي على الخط الراشد للخلافة وهو انقلاب على جوهر المشروع السياسي للإسلام أي الشورى، وقد استُغِل فيه المطلق لإضفاء المشروعية على النسبي، وذلك بحمل المصاحف على أسنة الرماح ورفع شعار "لا حكم إلا لله".

فغُيِبت الشورى وغدت منذئذ قيمة أخلاقية نظرية مفرغة من الآليات العملية التي تجسدها وتفعلها في الواقع.

الشورى حسب تقديرنا هي الفريضة الإسلامية الغائبة والصخرة التي تكسرت على نتوءاتها كل مشاريع الاجتماع السياسي الإسلامي منذ اجتماع السقيفة الذي انخرط في سؤال من يحكم؟ عوض سؤال: كيف نحكم؟

ب- يستتبع التحريف السالف تحريف آخر تتلخص فيه أزمة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، إذ وقع قلب المشروع السياسي الإسلامي من مشروع مركزُه المجتمع إلى مشروع مركزه الدولة التي تزعُ بسلطانها ما لايُوزَع ُبالقرآن.

وتحول الإسلام بذلك من مشروع مركزُه الإنسان إلى مشروع مركزُه السلطة، الإنسان بما يفتحه من آفاق الاختلاف والغيرية والمثاقفة والتعايش التي تتلخص جميعها في معنى التعارف الذي علل به القرآن خلق البشر على هيأة التنوع والاختلاف، والسلطة بما تدفع إليه من نزوع إلى التجميع والتوحيد والائتلاف ومناهضة الاختلاف تحت مسمى درء الفتنة.

وتتحول السلطة الحامية للأمة إلى قوة هيمنة بما تركز في أيدي أعوانها من السلط التي كانت في الأصل من صلاحيات الأمة موزعة بين هيئاتها المدنية ومؤسساتها الأهلية.
__________________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة