مجدي صبحي

 

- مؤسسات بريتون وودز
- هيكل يتيح سيطرة الدول الصناعية
- الجات حل وسط
- منظمة التجارة العالمية أكثر ديمقراطية

 

قبل أن تضع الحرب العالمية أوزارها، ولكن مع تأكد بدء هزيمة دول المحور، فكرت البلدان الكبرى في كيفية إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل وكيفية الحيلولة دون نشوب الحرب من جديد.

 

ولأن هذه البلدان كانت قد شهدت حربا تجارية ضروسا فيما بينها خلال عقد الثلاثينيات فيما عرف باسم "حرب إفقار الجار" إلى الحد الذي دفع البعض إلى القول إن هذه الحرب غير المسلحة كانت من بين الأسباب التي دفعت إلى الحرب العالمية.

 

وكانت حرب "إفقار الجار" تستند إلى تنافس الدول في تخفيض أسعار صرف عملاتها لتقوية القدرة التنافسية لسلعها في الأسواق العالمية وخفض القدرة التنافسية للبلدان المنافسة، علاوة على فرض قيود جمركية وغير جمركية على الواردات.

 

ولذا تم التفكير في إنشاء منظمات دولية تشرف على وضع وتشغيل نظام نقدي دولي مستقر، وحفز وتنمية التجارة الدولية بحظر الممارسات التجارية الضارة التي أدت إلى الخراب الاقتصادي قبل الحرب العالمية الثانية.

 

ولذا فخلال الأسابيع الثلاثة الأولى من يناير/ كانون الثاني 1944 اجتمع ممثلو 45 دولة في ما سمي بمؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي في مدينة بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأميركية لمناقشة موضوع إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب بالإضافة إلى موضوعات مثل معالجة عدم الاستقرار في أسعار الصرف والسياسة التجارية الحمائية.

 

وفي بداية الأربعينيات من القرن الماضي طورت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا العظمى إطارا لتأسيس مؤسسات مالية دولية جديدة تعمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف وتسهيل التبادل التجاري الدولي، إضافة إلى تنظيم عملية إعادة إعمار وإنعاش الاقتصادات الأوروبية بهدف تفادي المشكلات التي واجهت هذه العملية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

 

"
الوسيلة الوحيدة أمام الصندوق لتحقيق أهدافه هي ما يعرف بالمشروطية وهي لا تطبق إلا على الأعضاء الأكثر ضعفا الذين يحتاجون إلى الدعم المالي من الصندوق لأجل تجاوز مشكلات موازين مدفوعاتهم
"
مؤسسات بريتون وودز
وصل المجتمعون في بريتون وودز إلى اتفاقية لتأسيس نظام نقدي دولي لفترة ما بعد الحرب يستند إلى قابلية العملات للتحويل فيما بينها، مع تحقيق ثبات نسبي في أسعار الصرف وتشجيع التجارة الحرة.
 
وللعمل على تحقيق هذه الأهداف أنشأت اتفاقية بريتون وودز مؤسستين هما: البنك الدولي للإنشاء والتعمير الذي يختص بعملية إعادة الإعمار في أوروبا، وقد بدأ عمله الفعلي في 25 يونيو/ حزيران 1946، وكان أول قرض يقدمه هو القرض الذي قدمه لفرنسا بتاريخ 9 مايو/ أيار 1947 بقيمة 250 مليون دولار.
 
ثم توسع البنك لاحقا في عملياته لتشمل أغلب العالم النامي، كما تنوعت برامجه بعيدا عن الإقراض لمشاريع البنية الأساسية وغيرها من المشروعات إلى معالجة قضايا أخرى كقضايا الفقر والأمية والرعاية الصحية والتنمية البشرية عموما في الدول النامية.
 
أما المؤسسة الثانية فهي صندوق النقد الدولي التي عهد إليها بإدارة نظام نقدي دولي يعمل على تحقيق التعاون النقدي بين الدول وتحقيق الاستقرار في أسعار الصرف.
 
وقد تم ذلك عبر موافقة الدول الأعضاء في الصندوق على نظام من أسعار الصرف الثابتة مع قليل من المرونة بالسماح بتحرك أسعار صرف عملات الدول المختلفة في علاقتها بالدولار الأميركي بهامش لا يتجاوز معدله 1% صعودا وهبوطا (عدل الهامش لاحقا إلى 2.5%)، مع عدم السماح بتحرك سعر صرف عملة أي دولة من الدول خارج هذا الهامش إلا بعد الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، وذلك لغرض أساسي هو معالجة ما سمي "الاختلالات الجوهرية" في ميزان المدفوعات التي يعاني منها اقتصاد تلك الدولة.
 
وقد ظل هذا النظام معمولا به منذ العام 1946 حتى بداية السبعينيات، حين أخذ الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بوقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، لأن الضمانة الحقيقية لهذا النظام كانت قوة الاقتصاد الأميركي الذي خرج من الحرب العالمية الثانية سليما معافى، ما مكن من جعله قاطرة للاقتصاد العالمي.
 
كما مكن توفر احتياطي ضخم من الذهب لدى الولايات المتحدة الضمانة الحقيقية لاستمرار العمل بنظام سعر الصرف الثابت الذي يتيح إمكانية تحويل بعض العملات أمام بعضها الآخر وفق علاقة كل منها بالدولار الأميركي الذي يمكن تحويله إلى ذهب في أي وقت.
 
ومن ثم جاء قرار نيكسون ليجهز تماما على نظام سعر الصرف الثابت والتحول إلى نظام سعر الصرف المعوم، وهو ما أجهز بدوره من الوجهة العملية على الهدف الأهم الذي كان وراء تأسيس صندوق النقد الدولي.
 
ولم يعد هناك من وسيلة أمام الصندوق لتحقيق أهدافه سوى ما يعرف بـ"المشروطية" التي يفرضها على أعضائه، وبالطبع لا تنطبق هذه المشروطية إلا على الأعضاء الأكثر ضعفا الذين يحتاجون إلى الدعم المالي من الصندوق لأجل تجاوز مشكلات موازين مدفوعاتهم.
 
هيكل يتيح سيطرة الدول الصناعية
تتسم مؤسستا بريتون وودز بهيكل للقوة في صنع القرار يتيح سيطرة البلدان الصناعية المتقدمة، إذ تم تحديد القوة التصويتية لكل دولة وفقا لحصتها النسبية من رأس مال كل من المؤسستين.
 
ويوضح الجدول التالي القوة التصويتية لبعض البلدان في المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي:
الدولة نسبة الأصوات إلى جملة الأصوات في الصندوق
الولايات المتحدة 17.08
اليابان 6.13
ألمانيا 5.99
فرنسا 4.95
المملكة المتحدة 4.95
الإجمالي 39.10
 
ويبلغ عدد أعضاء الصندوق 184 دولة أي جميع أعضاء الأمم المتحدة ما عدا خمسا، ويشير الجدول إلى أن حصة البلدان الخمسة الصناعية المتقدمة تصل إلى نحو 39% من إجمالي القوة التصويتية بينما تبلغ القوة التصويتية لعدد 179 دولة الآخرين إلى نحو 61%.
 
"
لا يعرف موقف الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة من اقتراحات تعديل القوة التصويتية داخل الصندوق، ولكنها على الأرجح غير مرحبة بتغييرات كبيرة قد تتيح لبعض البلدان مثل الصين أن تكون صانعا حقيقيا للقرارات داخل هذه المنظمة "الدولية"
"
وإذا ما علمنا أنه في بعض القرارات الأكثر أهمية يتم اشتراط نسبة أغلبية تزيد على 80%، فإن البلدان المتقدمة فرادى كالولايات المتحدة الأميركية أو مجتمعة يكون لديها فعلا حق "الفيتو" على كل ما لا ترضى عنه من قرارات حتى لو أرادتها أغلبية الدول الأعضاء في الصندوق.
 
أي أن نظام الصندوق والبنك يتيح لحفنة من الدول الصناعية المتقدمة السيطرة عمليا على عملية صنع القرار داخله، وبما يتفق بالطبع مع مصالحهم ورغباتهم.
 
كما أن الجدول يشير إلى قوة تصويتية مرتفعة نسبيا لكل من اليابان وألمانيا التي لم تكن قوة متاحة منذ بداية عمل الصندوق، بل إن هذه القوة زادت بعد زيادة حصة كل من البلدين في رأس المال مع تنامي القوة الاقتصادية النسبية، ليحتل البلدان مرتبة ثاني وثالث أكبر اقتصاد وأكبر ثاني وثالث قوة تجارية عالمية بعد الولايات المتحدة.
 
وإزاء التطورات التي شهدتها حلبة الاقتصاد العالمي خاصة خلال العقدين الماضيين فإن المؤتمر السنوي لصندوق النقد الدولي الذي يعقد الشهر الحالي في سنغافورة يناقش تغيير صلاحيات مجلسه التنفيذي، وهو أعلى سلطة في الصندوق. إذ تقدمت مجموعة العشرين، التي تتعاون مع الصندوق من أجل إجراء إصلاحات في هيكله ونشاطاته، باقتراحات حول تغيير حصص الدول الأعضاء في هذا المؤتمر.
 
فطبقا لحصص رأس المال التاريخية يعاني الصندوق من خلل كبير في قاعدته التصويتية لا تنسجم بأي حال من الأحوال مع التطورات الاقتصادية التي شهدتها العديد من دول العالم.
 
فالقوة التصويتية النسبية للمملكة العربية السعودية على سبيل المثال (3.22%) أعلى من الصين (2.94%) رغم أن الاقتصاد الصيني احتل في العام الماضي مرتبة أهم رابع اقتصاد وأكبر رابع قوة تجارية في العالم، كما أن القوة التصويتية لبلجيكا (2.1) أعلى من البرازيل (1.4%)، والقوة التصويتية النسبية لفنزويلا ( 1.2%) أعلى من كوريا الجنوبية (0.76%)، وهذا ما لا يتفق بطبيعة الحال مع التطورات التي شهدها الوضع الاقتصادي في هذه البلدان خلال العقدين الأخيرين على الأقل.
 
وقد اشتركت أستراليا مع اليابان وكندا وفرنسا وجنوب أفريقيا والبرازيل ودول أخرى في كتابة اقتراحات في هذا الصدد لمؤتمر سنغافورة، أدت إلى زيادة أصوات كوريا الجنوبية والمكسيك والصين وتركيا إلى جانب دول أخرى.
 
وحتى الآن لا يعرف موقف الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة من اقتراحات تعديل القوة التصويتية داخل الصندوق، ولكنها على الأرجح ربما تأخذ موقفا غير مرحب بتغييرات كبيرة في القوة التصويتية قد تتيح لبعض البلدان مثل الصين أن تكون صانعا حقيقيا للقرارات داخل هذه المنظمة "الدولية".
 
الغات حل وسط
كان من المستهدف أيضا في إطار اتفاقية بريتون وودز تأسيس منظمة للتجارة العالمية، وهو ما لم يمكن تحقيقه لاعتراض بعض الأعضاء، خاصة الولايات المتحدة الأميركية.
 
ولهذا تم في وقت لاحق أي عام 1947 التوصل إلى ما سمي بالاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الغات)، وهي الاتفاقية التي تم توقيعها من قبل 24 دولة بينها الولايات المتحدة الأميركية.
 
وبدأت اتفاقية "الغات" الدولية اجتماعاتها في العاصمة الكوبية في نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 ووقعت 53 دولة على ما عرف بميثاق هافانا في مارس/ آذار 1948.
 
وقد تأسست الغات على عدة مبادئ رئيسة هي:
أولا: مبدأ الدولة الأولى بالرعاية، حيث ينبغي أن تتم التجارة على أساس عدم التمييز، إذ إن على كل البلدان المتعاقدة أن تقدم للأطراف الأخرى معاملة تفضيلية متساوية في مجال إدارة وتطبيق الرسوم والجمارك على الصادرات والواردات.
 
ثانيا: أن تقوم حماية الصناعة المحلية على أساس التعريفات الجمركية وحدها، بهدف جعل مدى الحماية واضحا ولأجل جعل المنافسة ممكنة.
 
ثالثا: أن الأساس اللازم لتحقيق الاستقرار والنمو في التجارة يتم من خلال الالتزام بمستويات التعريفة الجمركية التي يتفق عليها البلدان الأطراف.
 
وهذه المواد الملزمة مسجلة في جدول التعريفات الذي يعد جزءا لا يتجزأ من الاتفاقية العامة، والعودة إلى فرض تعريفات أعلى أمر لا يشجع عليه بالنص، على أن أي زيادة ينبغي أن تقابل بدفع تعويضات مقابلها وإن كان هذا الشرط نادرا ما تحقق.
 
كما أن التشاور لتجنب الأضرار التي يمكن أن تصيب مصالح البلدان الأطراف يعد مبدأ أساسيا آخر من مبادئ الغات، ومن حق هذه الأطراف الاتصال بالغات للتدخل في الحالات التي ترى أنها تشكل إضرارا بمصالحها والناجمة عن تصرفات وممارسات الأطراف الأخرى.
 
وأخيرا فإن الغات قدمت إطارا يمكن من خلاله أن تتم المفاوضات لخفض التعريفات الجمركية، وكذلك القيود والعقبات الأخرى أمام انسياب التجارة، وكذلك توفير هيكل لوضع نتائج مثل هذه المفاوضات في شكل مواد قانونية ملزمة.
 
وقد تكونت معظم أعمال الغات من مشاورات ومفاوضات حول مشكلات تجارية معينة تؤثر على سلع محددة تهتم بها جميع البلدان الأطراف أو بعضها على الأقل.
 
كما أنه من وقت لآخر تتم مفاوضات رئيسية متعددة الأطراف في ظل رعاية الاتفاقية العامة، فيما عرف بجولات المفاوضات، وفي هذا الإطار تمت سبع جولات من المفاوضات حتى الجولة الأخيرة التي عرفت بجولة أورغواي (أنهت أعمالها عام 1994) وتم خلالها الاتفاق أخيرا على تأسيس منظمة التجارة العالمية التي تم تدشين أعمالها في مؤتمر مراكش عام 1995.
 
منظمة التجارة العالمية أكثر ديمقراطية
الاختلاف الرئيسي بين منظمة التجارة العالمية وكل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هو أن هذه المنظمة أكثر ديمقراطية، لا تتحكم الدول الصناعية المتقدمة في تسيير أعمالها إلا باستخدام قوتها الاقتصادية النسبية إزاء الدول الأخرى وهي القوة التي تستخدمها بالقطع عند التفاوض، لكن القرار في النهاية يصدر بأغلبية أصوات الدول الأعضاء.
 
كما أن جهاز التحكيم داخل المنظمة يتيح لأي عضو أن يشكو من أي عضو آخر فيما يتعلق بممارساته التجارية التي يراها غير عادلة، ولذلك استطاع عدد من البلدان النامية أن يكسب شكواه ضد دول صناعية متقدمة.
 
وربما كانت هذه هي عقدة المفاوضات التي تجري الآن في إطار ما يعرف بـ"جولة الدوحة التجارية"، وهي أول جولة شاملة لتحرير التجارة تجري منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية، إذ تطالب العديد من الدول (على رأسها الدول النامية إلى جانب بعض البلدان المتقدمة المصدرة للسلع الزراعية كأستراليا) بتحرير التجارة في مجال السلع الزراعية بإزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية التي تفرضها الدول الصناعية المتقدمة على التجارة في السلع الزراعية، وكذلك تقليص ثم إزالة الدعم الزراعي المقدم للمزارعين وللصادرات الزراعية التي تقدمها الدول المتقدمة.
 
وعلى الطرف المقابل فإن البلدان الصناعية المتقدمة تطالب الدول النامية بإزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية في مجال التجارة في الخدمات والسلع الصناعية.
 
ومع استمرار التفاوض في هذه الجولة حتى الآن لمدة خمسة أعوام لم يتم التوصل إلى حل نتيجة لتركيب وآلية عمل منظمة التجارة العالمية من جهة، ونتيجة لاكتساب الدول النامية مهارات تفاوضية مع مرور الزمن وتوحيد جبهتها فيما يعرف بمجموعة العشرين التي يقف على رأسها كل من البرازيل والهند والصين من الجهة الأخرى.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة