الطيب بوعزة

كاتب مغربي


ينساق العديد من الباحثين إلى اعتبار زمننا هذا زمن "نهاية الأيديولوجية"، أي أنه زمن يؤشر على أفول ما يسميه الفيلسوف الفرنسي المعاصر فرنسوا ليوتار بـ"السرديات الكبرى"، بمختلف أنواعها فلسفية كانت أو سياسية أو دينية.

بيد أن اللافت للانتباه هو أن بعض هؤلاء عندما يعلن "نهاية الأيديولوجية"، وذبول النظريات السياسية الكبرى يستثني الليبرالية، واصفا إياها بكونها الأفق النظري والفلسفي الذي كانت البشرية تنزع نحوه، وقد وصلت إليه وجسدته في واقعها الراهن!

"
الفكرة الليبرالية استطاعت إنجاز نقلة نوعية على المستوى المؤسسي الناظم للعلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية
"

وهذا الموقف هو محاولة لجعل الليبرالية ميتة - أيديولوجيا، أي نظرية تجاوز نطاق الحقل الأيديولوجي! بمعنى أنها لا تخضع لما خضعت له الأيديولوجيات من تجاوز وأفول!

ولست هنا بصدد محاولة إثبات أن الليبرالية هي مجرد أيديولوجيا، لأن الأمر لا يستحق الإيغال في هذا الجدل اللفظي العقيم، لا لأنه قصد عسير الإثبات، بل حتى عند إثباته أو نفيه ليس له، في تقديري، أي فائدة تستحق أن يصرف فيها مقدار من المداد.

فما أسهل توكيد حضور الأيديولوجية -حتى بمعناها الألتوسيري كوعي زائف مغالط للواقع- في الرؤية الليبرالية التي يتم تسويقها اليوم.

لكن القصد الأهم هو بحث الليبرالية ذاتها في نسختها الراهنة، وملاحظة محدداتها النظرية وتحولاتها، والكشف عن الأوهام المؤسسة لها.

وهذا ما سنسعى فيما نستقبل من مقالات إلى بحثه ودرسه، أما فيما يلي من سطور فنبدأ بالاستفهام عن سبب طرح الليبرالية -من قِبَلِ دعاتها- كنظام لا بديل له!

صعوبة نقد الليبرالية
من نافلة القول الإشارة إلى أن الأيديولوجية الليبرالية الجديدة لها اليوم جاذبية ملحوظة، إنها "موضة"
العصر، وككل الموضات المسيطرة على الأذواق والأفهام يصعب، في لحظة بروزها وانتشاء الناس بها، نقدها أو إقناع المتشبثين بها باختلالها.

وهذا ما يعترف به السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو عندما يقول متحدثا عن الخطاب النيو-ليبرالي: إنه "خطاب قوي تصعب معارضته"، وذلك راجع إلى ارتكازه على شبكة من القوى المسيطرة على العالم اليوم.

وبالفعل عندما ننظر إلى السياق الدولي المعاصر وأساليب انتظامه والمؤسسات الاقتصادية الفاعلة فيه، سنلاحظ أن الفكرة الليبرالية استطاعت إنجاز نقلة نوعية على المستوى المؤسسي الناظم للعلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية.

فتأسيس منظمة التجارة العالمية مثلا، وما صاحبها من ضغط على دول العالم الفقيرة للانخراط فيها والقبول بالتعاقد على الصيغة التنظيمية التي وضعتها تلك الدول المهيمنة، يؤشر على تجسيد واقع عولمي ليبرالي اكتملت شرعنته قانونيا، هو واقع نظام السوق المفتوح، بما يدل عليه من حرية تناقل السلع المادية والفكرية.

وهو تجسيد فعلي لليبرالية وجعل مفاهيمها ورؤاها واقعا لا سبيل إلى مقاومته أو الانعزال عن الانخراط فيه.

وهذا ما ليس يؤكد فقط صعوبة مقاومة النموذج الليبرالي، بل يضعف حتى إمكانية التخيل النظري لنظام أو نظم مغايرة بديلة لما هو سائد وواقع!

"
الذين يرون في الليبرالية تجسيدا وختما للحلم البشري، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، يعبرون ضمنيا عن استقالة الوعي وضيق أفق التفكير
"

وهذا ما نلاحظه حتى في النقد الذي يقدمه أقدر السوسيولوجيين المعاصرين، فعندما يتساءل بيير بورديو سؤاله القلق: "هل بالإمكان إنقاذ العالم من هذا النموذج الليبرالي؟" يجيب معترفا بصعوبة ذلك.

وكل ما يخلص إليه بعد التي واللتيا.. هو التقليل من كوارث وسلبيات هذا النموذج.

والطريف أنه -وهو السوسيولوجي ذو الأصول الماركسية- يعلق آمال التقليل من توحش الليبرالية على وجوب تقوية نظام الدولة! ليكون أقدر على الحفاظ على المصالح الاجتماعية والتقليل من هيمنة الرأسمال القائم على النزعة الفردية.

وعندما أقول بطرافة هذا الموقف فذلك راجع إلى أن بورديو ينتمي نظريا إلى الفلسفة الماركسية التي تقول في أصولها الكلاسيكية بـ"نهاية الدولة" التي تنظر إليها بوصفها مجرد "أداة طبقية" يجب أن تزول.

ولذا فالمفارقة هي أننا نجد بورديو يستعين بالدولة -هذا الإطار الطبقي الذي حلمت الماركسية يوما بزواله- ويعلق عليها أمل الحفاظ على مصالح الطبقات الاجتماعية!

وهو بذلك يؤكد بالفعل ضرورة الدولة، ولا يشفع له أن يلتف من حول مفهومها بتوسيع كينونتها ليجعل منها إطارا سياسيا أوسع كالاتحاد الأوروبي!

ومعنى كل هذا أن هناك استشعارا لقوة خطاب الليبرالية ومؤسساتها! فبيير بورديو بموقفه ونوعية الحل المفارق لأصوله النظرية يؤكد بالفعل قوة هذا الخطاب، وينزلق ضمنيا في منزلق الرؤية الليبرالية القائلة بكونها واقعا لا يرتفع، وأن البشرية آخذة في الانتقال حتما إلى الانتظام بنظامها.

كل هذا يطرح علينا بإلحاح وجوب التفكير في الاستفهام التالي: هل بالفعل أنه ليس لليبرالية بديل؟

إذا كان بيير بورديو انطلق من مدخل منهجي سوسيولوجي، فإنني أريد أن أقارب السؤال من مدخل قيمي فلسفي أرتكز فيه على ماهية "المثل" و"القيم" بوصفها أفقا لا واقعا.

أعتقد أنه إذا صح راهنا، بناء على الملحوظات السوسيولوجية، أن نظم الاجتماع آخذة في الانتقال إلى الانتظام بنظام السوق الليبرالي، وتجسيد القيم الليبرالية في الذوق والفكر والسلوك، فإن هذا لا يعني الحكم بكون الأفق المستقبلي للبشرية محكوما بأن يكون ليبراليا حتما.

لأن مثل هذا القول ليس إعلانا لـ"نهاية التاريخ" بمدلوله عند فوكوياما فحسب، بل هو في نظري سقوط في منزلق أقبح هو إعلان "نهاية التفكير"!

لأنني أعتقد أنه ما دام ثمة وجود إنساني فثمة فكر يلمع في الذهن، وحراك يعتمل في الواقع، وبالتالي فلابد أن تنتقل البشرية انتقالات نوعية في رؤاها ونظمها وطرق تفكيرها وعيشها على حد سواء.

والذين يرون في الليبرالية تجسيدا وختما للحلم البشري، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، يعبرون ضمنيا عن استقالة الوعي وضيق أفق التفكير.

ويكفي تنبيها إلى وهم موقفهم هذا واختلاله ما أشرنا إليه ابتداء من أن الليبرالية اليوم هي "موضة" مسيطرة على الأذواق الفكرية والسلوكية، فضلا عن نفوذها كنظام حياة في الواقع بوجود قوى دولية مهيمنة تعمل على تعميمها وفرضها كنموذج مجتمعي بأسلوب الهيمنة والإلزام.

"
الحرية ليست مقولة سياسية مرتبطة بنموذج فلسفي أو مجتمعي معين، وإنما هي أفق ينتمي إلى حقل "المثل"، ليس بمدلولها الأفلاطوني، بل بمدلولها كأفق مستقبلي لصيرورة الوعي والتاريخ الإنساني
"

وككل موضة فإنه يصعب على الفكر المنبهر، والذوق المنتشي بها أن يرى غيرها، فضلا عن أن يقتدر على استهجانها أو نقدها.

كما أن الوعي النقدي الذي يقصد معارضتها يستشعر صعوبة إنجاز موقفه، وحتى إن نطق يستشعر خفوت صوته المعارض. لكن كل هذا لا يعني بالضرورة أن لا بديل عنها، ويكفي توكيدا لموقفي التذكير بفترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، حيث كانت الأيديولوجية الاشتراكية موضة فكرية!

ووقتها كان الكثير من أهل الفكر السياسي يحسب الاشتراكية أرقى نظام مجتمعي، بل بلغ الأمر حتى بالأفكار المنافسة والمعارضة لها أن تنتسب إليها وتتقرب!

حتى أن أحد المفكرين الإسلاميين مصطفى السباعي سيكتب في زمن موضة الاشتراكية، كتابه "اشتراكية الإسلام"! محاولا تقريب المفاهيم الاجتماعية الإسلامية من أذهان المعجبين بالنموذج النظري والمجتمعي الاشتراكي.

وإذا كان للشيخ مصطفى السباعي مسوغ لمسلكه هذا، بالنظر إلى لحظته التاريخية، فَمَنْ هذا المخبول الذي يستطيع اليوم أن يقوم بالدعاية لمذهبه بتقريبه من النظام الاشتراكي؟ أو يمتدح مقولة "ديكتاتورية البروليتاريا"، ويدعو إلى الأسلوب البيروقراطي الاشتراكي في إدارة الشأن السياسي والاقتصادي؟

ها نحن اليوم، مع تحولات الواقع والفكر لا نجد مثل ذلك الانبهار السابق بالنموذج الاشتراكي، ولا حرصا على الاقتراب منه والانتساب إليه.

والأصوات الفكرية التي لا تزال تنتسب إلى الاشتراكية أصبحت اليوم نوعا من التحف التاريخية التي يمكن أن يثير خطابها عند البعض شعورا نوستالجيا يذكرهم بالماضي، لكنه لا قدرة له على التأثير الفعلي في الحاضر.

إذن يجب أن نعي أمرا هاما هو أن زمن ذيوع وانتشار موضة فكرية هو بالضبط زمن قلة أو غياب التفكير النقدي فيه، فلا يكون الشائع المتداول إلا كتابات تقريظية مغازلة.

أما الأصوات الناقدة فهي تسكن في الهامش، وحتى إن اقتدرت على إبراز عيوب تلك الموضة السائدة فإنها تعجز عن ابتداع نسق بديل لها!

وذلك هو مكمن صعوبة نقد الموضة المسيطرة، صعوبة تدل على عجز خرق سياجات السائد للحلم ببديل جديد.

"
فالمثل الكبرى يجب أن تبقى أفقا تترقى نحوه الإنسانية، أما اختزالها في واقع أو نظرية سياسية فهو مسخ للمثال وكبت للحلم ودعوة إلى إيقاف صيرورة الفكر والحياة
"

ويستغل منظرو ودعاة الليبرالية -أجانب وعرب- هذا الوضع التاريخي فيقومون بنوع من الدعاية الفجة، خلاصتها أن من يناهض الليبرالية فهو بالضرورة مع دعاة الاستبداد وكبت الحرية وقهر الفرد!

ويتناسى هؤلاء أو يغفلون عن حقيقة أكيدة بالنظر إلى سياق تاريخ الفكر الإنساني، وهي أن الحرية ليست مقولة سياسية مرتبطة بنموذج فلسفي أو مجتمعي معين، وإنما هي أفق ينتمي إلى حقل "المثل"، ليس بمدلولها الأفلاطوني، بل بمدلولها كأفق مستقبلي لصيرورة الوعي والتاريخ الإنساني.

فالحرية هي "مثال" نزعت نحوه العديد من الفلسفات والأديان والنظريات، وإذا كان من الخطأ اختزال المثل في الواقع، فإنه خطأ مضاعف أن نختزلها في نسق فكري أو سياسي أيا كانت طبيعته وإنجازاته.

فالمثل الكبرى يجب أن تبقى أفقا تترقى نحوه الإنسانية، أما اختزالها في واقع أو نظرية سياسية فهو مسخ للمثال وكبت للحلم ودعوة إلى إيقاف صيرورة الفكر والحياة.

وهذا هو بالضبط مكمن إفلاس النزعة الليبرالية القائلة بنهاية التاريخ، مهما حاول دعاتها التغطية على انغلاقها وضيق أفقها.

ولذا نرى أن المنظرين الليبراليين، عندما يسوقون النموذج الليبرالي على هذا النحو، فهم يسقطون في منزلق القول بأن لا بديل عن السائد.

فيَؤُولُ موقفهم هذا إلى ما يمكن أن نختصره في فعل أمر تشترك القوى السياسية المسيطرة اليوم مع أهل النظر والفكر المنبهرين بالنموذج الليبرالي، في إعلانه بأسلوب يمتزج فيه فقر التفكير بعنجهية السلطة، أسلوب آمر مهدد يقول: "خذوا الليبرالية ولا داعي للتفكير"!

المصدر : الجزيرة

التعليقات