حسن السرات

- صولة وصولجان
- تكسير الشرائع
- الدين والشذوذ
- أمام المسجد الأقصى

- حزب سياسي للدفاع عن الشذوذ
- على أبواب العالم الإسلامي
- المعركة الأخيرة

في نصف قرن تقريبا، خرج الشاذون جنسيا في العالم الغربي من مخابئهم السرية، وانتقلوا إلى العمل العلني المنظم، ثم انتزعوا الاعتراف من الدول والحكومات والمجتمعات والهيئات الدولية مثل المنظمة العالمية للصحة التي شطبت على الشذوذ الجنسي كمرض نفسي عقلي ليصير عملا سويا لا ضير فيه، ومثل الاعتراف بالتنظيم الدولي للشاذين والسحاقيات من قبل هيئة الأمم المتحدة.

وتابعوا مسيرتهم عبر تكديس الإنتاج الأدبي والفني والإعلامي، بل والرياضي، فصارت لهم أدبياتهم ورموزهم وألعابهم الأولمبية، ثم انخرطوا في العمل السياسي فصاروا نوابا برلمانيين وعمداء مدن ووزراء وزعماء أحزاب.

صولة وصولجان
بعد الحصول على هذه المكتسبات شن الشاذون جنسيا عبر فروع تنظيماتهم الدولية حملة كبيرة لانتزاع الاعتراف بقانونية الزواج المثلي فانتصروا في عدة دول غربية.

ثم سعوا إلى اختراق تنظيمات الأديان السماوية فتحقق لهم ذلك في اليهودية والمسيحية، وإن كانت بعض التيارات الدينية المسيحية لا تزال تقاوم، في حين استعصى الإسلام على الاختراق وبقي قلعة منيعة.

ومن يتابع مسار الشاذين جنسيا في النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين سيدرك أن قوم لوط هذا الزمان صارت لهم صولة وصولجان، وأن شيئا واحدا ما زال يضايقهم، ألا وهو أصوات المنتقدين والمعارضين.

إنهم يريدون إسكات هؤلاء وأولئك بكل وسيلة ممكنة، بما فيها الترهيب وكتم الأنفاس، حتى سجل ذلك الفيلسوف الفرنسي والكاتب تيبو كولان في كتابه الأخير "''زواج الشواذ" -الطبعة الأولى 2005- وأكد ذلك في حوار أجراه معه موقع "توب كريتيان" يوم 19 يوليو/تموز 2005.

قال "إن الناس اليوم لم يعودوا قادرين على التعبير عن وجهات نظرهم بخصوص الشذوذ الجنسي لوجود لوبي يسعى إلى تكميم الأفواه ومنع التفكير في بعض القضايا واتخاذ بعض المواقف خاصة من لدن الكنيسة والأديان الكبرى، والتلويح بتهمة التطرف والتخلف".

"
اعترفت ندوة دولية للشاذين أن الإسلام الرسمي -حسب تسميتها- يدين الشذوذ الجنسي ويعاقبه أشد العقاب، لكن بعض البلدان الإسلامية تعرف بعضا من التسامح، ضاربة المثل بتركيا
"
تكسير الشرائع

في زمن العولمة، وانفتاح المواقع، وتلاشي الموانع، تفتحت شهية الشواذ الغربيين لتوسيع الدعوة ونشر الشذوذ عبر العالم والدفاع عن كل شاذ مقموع، وتكسير الشرائع الدينية وغزو المواقع السياسية.

وقد بلغ التحدي قمته ومداه في خطوات متتالية بدأت بالمؤتمر الدولي في جنيف خلال هذه السنة، ثم الإعلان عن تنظيم الأسبوع الاستعراضي في القدس المحتلة بموافقة السلطات الإسرائيلية في هذا الصيف، والإعلان عن ميلاد حزب سياسي يدافع عن الممارسة الجنسية مع القاصرين بهولندا هذا العام.

فقد عقد التنظيم الدولي للشواذ ندوة دولية في قلب قاعة المؤتمرات بالأمم المتحدة في جنيف بسويسرا في الفترة بين 27 مارس/آذار و3 أبريل/نيسان 2006.

وأتت تلك الندوة التي اختير لها عنوان "الحق في أن تكون شاذا" قبيل انعقاد أشغال لجنة حقوق الإنسان التابعة للمنتظم الأممي الدولي، وشارك فيها نحو 200 شاذ وشاذة من مختلف البلدان الغربية.

وهذه الندوة هي الثالثة والعشرون في سلسلة الندوات التي ينظمها الشواذ الغربيون والسحاقيات الغربيات.

وناقشت الندوة كثيرا من القضايا والمقترحات المتعلقة بحقوق الشاذين والشاذات، ويرى التنظيم الدولي للشواذ أن الأديان تعتبر أكبر عقبة تقف في طريق التطبيع النهائي مع الشذوذ، وأن أحسن وسيلة لتجاوز هذه العقبة هي تقديم نماذج من الشاذين الذين يجمعون بين التدين والشذوذ الجنسي.

وشارك في اليوم الأول من الندوة الدولية المخصصة "للدين والشذوذ"، أو "كيف تكون شاذا ومتدينا؟" رجال دين يهود ومسيحيون مثل الحبر اليهودي السويسري فرانسوا غاراي.

الدين والشذوذ
في الورشة الخاصة بالعلاقة بين الأديان والشذوذ الجنسي، شارك قساوسة من الكنيسة الأنجليكانية ومن الديانة اليهودية.

وزعم المنظمون أن "إماما شاذا مسلما" يدعى محسن هندريكس يتزعم جمعية صغيرة للشواذ في الكاب بجنوب أفريقيا مثل موقف الإسلام من ظاهرة الشذوذ الجنسي.

وادعى هذا الشاذ أن القرآن الكريم -حاشاه- يعترف بالرجال أولي الإربة الذين ليس لهم شهوة في النساء (في سورة النور)، وأن الاجتهاد يسمح باستنباط الاعتراف بالشاذين والشاذات والتعايش معهم (وهذا بالفعل اجتهاد في أقصى درجات الشذوذ).

ومثل اليهود في هذا الملتقى المسمى جوييل بيهموراس وهو عضو في جمعية للشاذين تدعى "بيت هافريم"، وتحدث عن وضع قوم لوط المحدثين في الديانة اليهودية، وقال مازحا "نحن يهود اليهود".

وكشفت السحاقية اليهودية السويسرية كارول بونشتاين مباركة حاخام الطائفة الإسرائيلية الليبرالية في جنيف فرانسوا غاراي لعلاقتها بفتاة وهي بنت بيولوجية لمدام بونشتاين، وذلك في حفل خاص.

وشكرت الحاخام اليهودي الذي حضر خصيصا ليعبر عن تسامح الرب -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وعدم تمييزه بين المخلوقات.

واستعرضت الندوة أيضا أوضاع الشاذين في بلدان العالم الإسلامي، معترفة أن "الإسلام الرسمي" -حسب تسميتها- يدين الشذوذ الجنسي ويعاقبه أشد العقاب، لكن بعض البلدان الإسلامية تعرف بعضا من التسامح ضاربين المثل بتركيا.

"
أكبر أمنية للتنظيم الدولي للشاذين هو التظاهر والاحتفال في مدينة القدس المحتلة والمرور أمام المسجد الأقصى والأماكن الدينية المقدسة في أغسطس/آب هذه السنة
"
أمام المسجد الأقصى
ابتداء من يونيو/حزيران من كل عام يبدأ الشاذون الغربيون تنظيم المسيرات والاستعراضات والمهرجانات في شوارع المدن الكبرى، تنفيذا للحملة الإعلامية المرسومة لديهم.

وبالفعل كانت لهم مسيرات ومظاهرات في أميركا الشمالية وفي أوروبا الغربية على الخصوص، لكنهم ما زالوا يجدون صعوبة كبيرة في الاستعراض بدول أوروبا الشرقية وروسيا.

ففي نهاية مايو/أيار من هذا العام تصدى لمسيرتهم، تحت شعار "موسكو ليست هي سدوم"، معارضون ينتمون إلى تنظيمات دينية أرثوذكسية وصلت إلى استعمال العنف وإراقة الدماء وإلقاء القبض على زعمائهم رغم مساندة إخوانهم في الشذوذ القادمين من عواصم أوروبا الغربية.

لكن أكبر أمنية للتنظيم الدولي للشاذين هو التظاهر والاحتفال في مدينة القدس المحتلة والمرور أمام المسجد الأقصى والأماكن الدينية المقدسة خلال أغسطس/آب هذه السنة.

وقد قوبل هذا العزم برفض شديد اللهجة من ممثلي الأديان السماوية في فلسطين، وتوحدت مواقف الأئمة والأحبار والرهبان في ندوة صحفية مشتركة رافضة ترخيص السلطات الإسرائيلية لمثل هذا العمل المثير للاستفزاز.

وجمعت الندوة بين كل من عضوي الكنيست عن الحركة الإسلامية الشيخ إبراهيم صرصور والشيخ عباس زكور، بالاشتراك مع عدة شخصيات دينية يهودية أبرزها حاخام مستوطنة تقوع جنوب شرقي القدس مناحيم فرومان ورئيس رابطة رجال الدين اليهود الأرثوذكس الأميركيين الحاخام يهودا ليفين الذي أدار المؤتمر الصحفي، وكذلك بمشاركة رئيس رابطة علماء فلسطين الشيخ حامد البيتاوي وقاضي قضاة فلسطين ورئيس لجنة الدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس الشيخ تيسير التميمي.

وهذا العزم ليس غريبا على من سولت له نفسه إنشاء جمعيات إقليمية للشاذين الجنسيين تحمل أسماء عربية ذات حمولة دينية، فالشاذون الأميركيون العرب مثلا أطلقوا على جمعيتهم اسم "الفاتحة"، والشاذون الأوروبيون العرب أطلقوا على تجمعهم اسم "سواسية"، فأي شيء أكثر إثارة واستفزازا من هذا؟ وعن أي شيء يبحث المستفزون؟

حزب سياسي للدفاع عن الشذوذ
من القوانين النفسية والبيولوجية أن الشذوذ لا يظهر إلا في بيئتين اثنتين: الأولى بيئة الحرمان والجوع الجنسي، إذ يتولد عن ذلك البحث عن الإرواء والإشباع بكل سبيل متيسر ولو كان شاذا.

والثانية عكس الأولى، هي بيئة التخمة والشبقية الجنسية، إذ يبحث المهووسون بالجنس عن بدائل وأطباق جديدة تخالف الجنس الذي ألفوه، وهكذا تظهر الدعوات الشاذة، وقد يتطور الحال إلى الجريمة الجنسية دفعا للسآمة والملل، وبحثا عن الإثارة والتجديد.

في هذا السياق تظهر دعوات لتحطيم القوانين المانعة من الاستمتاع الجنسي بالأطفال والقاصرين، وفي بعض الحالات تتخذ صورة عمل قانوني مثل الجمعية أو الحزب السياسي المناضل.

فقد أعلن بيدوفيليون هولنديون إنشاء حزب سياسي يطالب بتخفيض سن العلاقات الجنسية مع الأطفال من 16 سنة إلى 12 سنة، وبتقنين البورنوغرافيا الطفولية والزوفيليا (عروض جنسية).

وأوضح هذا الحزب على موقعه الإلكتروني أنه سجل نفسه رسميا لدى السلطات الهولندية.

ولا يتردد المنشئون لحزب البيدوفيليين في إعلان أنهم يريدون تخفيض السن القانوني للعلاقات الجنسية لدى الأطفال إلى 12 سنة، في أفق وضع حد نهائي له تحطيما للطابوهات القديمة.

وقال آد فان دين بيرغ أحد مؤسسي الحزب في تصريح لصحيفة "ألجيمين داغبلاد" إن "المنع لا يزيد إلا في تهييج فضول الأطفال".

ويدافع الحزب المذكور أيضا عن حق المواطن في التجول عاريا في الشارع العام، وعن إباحة كل المخدرات، وأيضا عن مجانية التنقل في القطارات الحديدية.

وحسب استطلاع للرأي نشر في هولندا يوم 31 مايو/أيار 2006 فإن 82% من الهولنديين يتمنون أن تتدخل الحكومة الهولندية ضد هذا الحزب.

وطالب 67% بمنع دعوته لإباحة العلاقات الجنسية مع الأطفال، لكن الحكومة لم تستطع له منعا للفراغ القانوني وانعدام وجود تشريع صريح.

مثل هذه الدعوة الإباحية ليست جديدة، إذ سبق أن وقعت عدة شخصيات فكرية وسياسية وفنية فرنسية منذ ثلاثين عاما على عريضة تطالب بعدم تجريم الممارسة الجنسية للبالغين مع القاصرين.

كما سجل في العام الماضي مطالبة جمعية شاذة أميركية تدعى ''''نامبلا'''' بتخفيض سن العلاقات الجنسية بين البالغين والقاصرين إلى سن 14 عاما وبعدها إلى 12 عاما.

وتبعا لمنطق الحرية والتمرد على القيم والأخلاق والعادات القديمة، فإن مثل هذه الدعوات تبدو طبيعية في الغرب لانهيار المعايير وضياع البوصلة في الحداثة الغربية.

"
المعركة مع الشذوذ لا تقل ضراوة وشراسة عن المعارك الأخرى، وسلاحها أفتك وأخطر، وربما تكون معركة الشهوة هي المعركة الكبرى والمعركة الأخيرة التي قد تحسم كل شيء
"
على أبواب العالم الإسلامي
ما زال العالم الإسلامي يشكل قلعة حصينة بالنسبة للتنظيم الدولي للشاذين جنسيا، وفي كل مرة يفتضح أمر بعض الخلايا الشاذة يقيم التنظيم الدولي ضجة كبيرة ضد البلد الإسلامي الذي يطارد إخوان لوط.

وقع هذا في مصر منذ أكثر من عشر سنوات حين اعتقلت خلية للشذوذ الجنسي وعبادة الشيطان وقدمت للمحاكمة، فأقامت المنظمات الغربية زوبعة ضد مصر متهمة نظام مبارك بممالأة الإسلاميين وإرضائهم، وتدخلت شخصيات سياسية غربية كبيرة في القضية.

وتكرر هذا في الإمارات العربية المتحدة حين داهمت السلطات فندقا كان الشواذ ينظمون فيه عرسا جماعيا لهم، وشهد المغرب أيضا حالات متكررة تدخلت فيها المنظمات الإسبانية والفرنسية والبريطانية.

ويسعى التنظيم الدولي لاختراق العالم الإسلامي بطرق مختلفة منها إنشاء منظمات وجمعيات محلية، وقد استطاع اختراق لبنان في هذا المجال فظهرت بذلك هذا العام أول جمعية للشاذين اللبنانيين تدعى "منظمة حلم".

ومن الأساليب المتبعة في غزو العالم العربي والإسلامي التمويل واللجوء السياسي فضلا عن الاختراق القانوني والدبلوماسي والثقافي والديني والإعلامي.

فعلى صعيد التمويل قدم البنك الدولي مساعدة مالية للمنظمة التركية الوحيدة التي يتجمع تحت لوائها الشاذون الأتراك وهي "كاووس ج.ل." في أكتوبر/تشرين الأول 2005 لتنظيم ورشات تتدارس مشاكلهم في تركيا.

وتعتبر هذه العملية سابقة في تاريخ البنك الدولي، ورغم هزالة المبلغ (نحو 5000 أورو) فإن ذلك اعتبر اعترافا رسميا من مؤسسة مالية عالمية.

وعلى صعيد اللجوء السياسي منحت عدة دول أوروبية حق اللجوء لشاذين من دول إسلامية مثل الشاذ الباكستاني الذي احتضنته جمعية مختصة بتقديم المساعدات لشواذ العالم العربي والإسلامي يوم 16 مارس/آذار 2006، ومثل المغربي المسمى أنس الجزولي الذي يعيش بفرنسا مدافعا عن الشواذ المغاربة ويدين كل "اضطهاد" يقع عليهم.

وسبق لهذا الشاذ أن كان وراء تنظيم مسابقات ملكة جمال المغرب، غير أن إسلاميي المغرب تصدوا له مما دفعه للجوء إلى العمل السري ثم الهروب إلى الخارج.

المعركة الأخيرة
الشذوذ الجنسي الحالي يقدم لنا برهانا ساطعا على تدافع الحضارات والثقافات، ويعرض علينا صورة من صور المعركة الثقافية والنفسية والفكرية الدائرة رحاها بين نموذج الحضارة العربية الإسلامية المتمسكة بقيم العفة ومؤسسة الأسرة وشريعة الزواج وتجريم عمل قوم لوط، ونموذج الحضارة الغربية التي لم تكشف عن جلودها وأدبارها وأقبالها فحسب، ولكنها تريد كشف سوءات الآخرين لتكون مشاعة للجميع.

وإن هذه المعركة لا تقل ضراوة وشراسة عن المعارك الأخرى، وسلاحها أفتك وأخطر، وربما تكون معركة الشهوة هي المعركة الكبرى والمعركة الأخيرة التي قد تحسم كل شيء.
_____________
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة