هيثم مناع

هيثم مناع

- مواليد 16 مايو/أيار 1951 في جنوب سوريا (أم المياذن) من عشيرة العودات، ودرس الطب في جامعة دمشق وجامعة ماري وبيير كوري في باريس.

في 1982 وفي لحظة بدأت فيها الصحافة الفرنسية تكتشف طبيعة دولة إسرائيل وضرورة اعتبار هذه الدولة كأية دولة أخرى لها ما لها وعليها ما عليها، وقف كلود لانزمان رئيس تحرير "الأزمنة الحديثة" ليصرخ في صحيفة "لوموند" بوجه من تطاول على "الحمل" الإسرائيلي: أنْ كفى. لأن الإعلام حسب رأيه بوعي أو بدون وعي يوقظ وحش معاداة السامية.

أما معاناة اللبنانيين والفلسطينيين من حصار بيروت، فليست قضية مركزية! بالطبع نجحت عملية الهجوم المضاد، أو لنقل بدقة أكبر، الإرهاب الذهني، في أن يصبح مصطلح "الرقابة الذاتية" مكونا أساسيا من مكونات الإعلام الأوروبي.

"
لم تمتلك جامعة الدول العربية والحكومات العربية لا قوة البصيرة ولا الإرادة السياسية الضرورية لرفع الصوت ضد قوائم التصنيف الاعتباطي لدرجة الإجرام التي حولت ممثلي الشعب الفلسطيني -بما فيه جناح مقاتل في فتح- إلى منظمات إرهابية
"
لم تعد الحركة الفكرية الصهيونية الميول والدوافع تستطيع الدفاع بذكاء عن "دولة إسرائيل" المهددة بالزوال، لذا انطلق اللوبي الموالي للمشروع الصهيوني إلى الهجوم بحيث لا يستغرب المرء أن يكلف لانزمان الذي أعد أطول فيلم وثائقي عن "الهولوكست" (شوا) بإعداد فيلم عن الجيش الإسرائيلي، وأن تصبح مهمة برنار هنري ليفي أن يعرض يوميات الألم لضحايا حزب الله من المدنيين الإسرائيليين.

كانت السياسة الواضحة لمجموعات الضغط الموالية لإسرائيل من أيباك إلى الكريف هي كيف يمكن إحكام السيطرة على وسائل الإعلام السمعية البصرية ووسائل الإعلام المكتوبة بحيث تحتكر القراءة الإسرائيلية المشهد الإعلامي في كل ما يتعلق بالمنطقة والصراع العربي الإسرائيلي.

ولا شك في أن هذه الخطة قد نجحت إلى حد كبير وتعززت بعناصر قانونية جعلت من أية قراءة جديدة للحرب العالمية الثانية موضوع محاسبة ثم بدأ العمل جديا من أجل الربط بين مناهضة الصهيونية والعداء للسامية.

وقد استثمرت جماعات الضغط فترة أوسلو لتحييد منظمة التحرير الفلسطينية ما استطاعت واستثمار ما يحدث لشد تجاعيد الوجه وتجميل ظاهر الدولة العبرية.

وبالتأكيد ساعدت بعض الدول العربية في ذلك وبشكل خاص بعد قمة شرم الشيخ لمناهضة الإرهاب في 1998. كل المواقف العربية والغربية تم استثمارها بشكل لا سابق له مع انتفاضة الأقصى والتركيز على الطابع الإرهابي للنضال الفلسطيني.

ولم تمتلك جامعة الدول العربية والحكومات العربية لا قوة البصيرة ولا الإرادة السياسية الضرورية لرفع الصوت ضد قوائم التصنيف الاعتباطي لدرجة الإجرام التي حولت ممثلي الشعب الفلسطيني، بما فيه جناح مقاتل في فتح، إلى منظمات إرهابية.

في أبريل/ نيسان 2004 وضعت 55 دولة و220 منظمة غير حكومية نفسها في خدمة اللوبي الموالي لإسرائيل، وذلك في مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الذي عقد في برلين تحت عنوان "الوقوف ضد معاداة السامية" الذي ناقش مكافحة العداء للسامية، وتشجيع التسامح، ودور التعليم، ودور وسائل الإعلام مع شبكة الإنترنت.

"
إسرائيل واللوبيات المؤيدة لها نجحت في أوساط سياسية فاعلة بأوروبا وفي أوساط إعلامية تقليدية أساسية، في تحقيق الربط بين الحرب على الإرهاب والحرب على الشعب الفلسطيني من جهة، وبين العداء للسامية والعداء للصهيونية من جهة ثانية
"
افتتح المؤتمر الرئيس الألماني "يوهانس راو" وحضره وزراء خارجية على رأسهم كولن باول وممثلون عن دول عربية وإسلامية خلصوا إلى بيان وخطة عمل.

المشكلة هنا ليست في تبني المؤتمر لمبدأ اقتران العداء للسامية بالعداء للديمقراطية في بيانه الختامي، حيث لا ديمقراطية في رأينا مع أي شكل من أشكال العنصرية، لكنها في التركيز على تعريف جديد للعداء للسامية يشمل ما يترتب على السياسة الإسرائيلية! توجه جديد يحتل قلاعا جديدة ليس فقط على مستوى مجموعات الضغط الموالية لإسرائيل، ولكن أيضا في القوننة المتصاعدة لما يتعلق بالعداء للسامية والعديد من الأوساط الحكومية والحزبية والثقافية.

في 16/10/2004 وقع الرئيس الأميركي على قانون مراجعة معاداة السامية، وبعد ذلك بيومين قدم الكاتب الفرنسي جان كريستوف روفان تقريره حول العنصرية والعداء للسامية لوزير الداخلية الفرنسي.

ولا غرابة أن نشهد في الوقت الذي عشنا فيه مهزلة "حرية التعبير على الطريقة الدانماركية"، ملاحقات متعددة الأشكال بحق فرقة مسرحية للأطفال الفلسطينيين (الرواد) من قبل المجلس الممثل للمؤسسات اليهودية في فرنسا (الكريف) لأن هؤلاء الأطفال يتحدثون عن جرائم لم تحدث (دير ياسين) ووطن ليس لهم (أرض إسرائيل) أدت لمنع تقديم عدة عروض لهم في فرنسا الشهر الماضي.

يمكن القول إن الحكومة الإسرائيلية ومجموعات الضغط المؤيدة لها قد نجحت في أوساط سياسية فاعلة في الحكم والمعارضة في أوروبا وفي أوساط إعلامية تقليدية أساسية، في تحقيق الربط بين الحرب على الإرهاب والحرب على الشعب الفلسطيني من جهة، وبين العداء للسامية والعداء للصهيونية من جهة ثانية.

لكن هذه المعركة الشرسة لم تشمل الرأي العام والخارطة الجديدة للإعلام ووسائل التأثير في الوعي الجماعي. وليس السبب في ذلك وجود أو عملية تكون لوبي عربي أو موال للقضية الفلسطينية، بقدر ما تساهم الثورة التي يعيشها الإنسان مع فكرة الإعلام في تراجع "المتلقي السلبي" لما تعطيه وسائل الإعلام وبروز "المواطن المشارك في الإعلام" باعتبار الشخص طرفا في التحرير وطرفا في تكوين الرأي وليس مجرد "عبدٍ حديث" لوسائل معرفة تمت مصادرتها.

فإن كانت السنوات 1970-1990 قد حققت أعلى استثمار تقني للوسائل التقليدية الجامدة للإعلام السمعي البصري، خاصة منه ما يتعلق بالترميز الطوبوغرافي والفوتوغرافي، ووفرت الإمكانية عند قطاعات خاصة خارج الدولة لاستثمار هذا الحقل مع تراجع أسعار الإنتاج الإعلامي، فإن التسعينيات قد نقلت المجتمع الغربي من جمع الوسائط التقليدية لإغناء السمعي البصري التقليدي ودمقرطتها المحدودة إلى السمعي البصري الديناميكي والإلكتروني المتجسد في ثورة الويب التي جعلت المادة الإعلامية كإنتاج وتوزيع واستهلاك في متناول أكبر عدد ممكن من الراغبين في دخول معترك التواصل والتبادل والمبارزة الإعلامية.

أي أن هذه الثورة سمحت بإمكانية دمقرطة المجتمع بتوفير القدرة لكل شخص على جعل الكلمة والصورة أيضا مادة تحريض للتأمل والإبداع وليس مجرد دعوة عامة للتنويم المغناطيسي الجماعي.

"
ثورة الويب جعلت المادة الإعلامية كإنتاج وتوزيع واستهلاك في متناول أكبر عدد ممكن من الراغبين في دخول معترك التواصل والتبادل والمبارزة الإعلامية, وسمحت بجعل الكلمة والصورة أيضا مادة تحريض للتأمل والإبداع وليس مجرد دعوة عامة للتنويم المغناطيسي الجماعي
"
لاءات ثلاث برزت مع هذه الانتفاضة الإعلامية تسمح بتكسير احتكار مراكز القرار وجماعات الضغط للثفافة الإعلامية:

لا للعبودية الاقتصادية، أي الارتهان لمنطق الربح والإفلاس وإستراتيجيات البضاعة الإعلامية الرأسمالية.

لا للعبودية البيروقراطية، أي فرض إجراءات رقابة من نمط جديد خاصة على بعض القنوات التلفزيونية وعمليات الاستقبال والتبادل لمستعملي الإنترنت.

لا للعبودية الذهنية، أي الذريعة الجاهزة القائلة بالاستعمال البري (sauvage) وغير المسيطر عليه وحجج السماح للنازيين الجدد والإرهابيين بتوظيف ثورة الاتصالات لخدمة أهدافهم كذلك الرصد والمتابعة للموبايل باعتبار التنصت من وسائل مكافحة الإرهاب.

هذا الجيل المتمرد على قواعد اللعبة السياسية الإعلامية السائدة التي تحجم الحريات الأساسية يوما بعد يوم بدعوى الحرب على الإرهاب هو الذي وقف مع الشعبين الفلسطيني واللبناني ليسمع صوتا مختلفا يرفض منطق الوصاية ويحاول اكتشاف موقعه بنفسه بشكل حر.

لذا ليس غريبا أن تتوزع مقالات احتجاجية (غير منشورة في الصحافة المكتوبة) على المواقف الإسرائيلية بشكل يفوق ما يمكن أن تقدمه صحف تقليدية مثل ليبراسيون أو ألفيغارو، وأن يشيع عدد من المناضلين والمثقفين صحيفة اللوموند في جنازة رسمية لموقفها من العدوان على لبنان، وأن يتلقى هذا العمل الرمزي تأييدا كبيرا من الشبيبة الفرنسية مع تعليق صغير أحيانا (لقد شيعنا اللوموند وأخواتها منذ زمن!!).

نعم اليوم متوسط عمر قراء الصحف في فرنسا هو 57 عاما، وهناك تراجع كبير للشاشة الصغيرة (التلفزيون) والشاشة الكبيرة (السينما) نحو شاشة الكمبيوتر وشاشة الموبايل.. لم تعد الشبيبة تقبل بشكل آلي احتكار الميدياقراطية الكلاسيكية للمعلومة والتحليل والتوجيه، ويتنامى يوما بعد يوم رفض السياسة التسلطية الهادفة لقولبة الناس وإغلاق دائرة الترهيب والترغيب الذهنية.

نحن البشر لنا الحق نفسه في البحث عن الحقيقة، وتكوين الموقف الذاتي منها، والتكنولوجيات الحديثة تسمح لكل منا بأن يكون رئيس تحرير أو مدير برامج وليس فقط مواطنا/صحفيا. لن نقبل الحرمان من ملكة التأمل لمجرد أننا نختلف في الرأي مع من جعل من الصحافة مجرد بضاعة في السوق الاقتصادية والسياسية!

في نفس متوسط العمر هذا (57 سنة) عند الجاليات العربية والإسلامية شهدنا في العقد الأخير نزوحا واضحا إلى قرابة 200 فضائية عربية دخلت أهمها بيوت المهاجرين الذين استبدلوا نسبة يقدرها البعض بحوالي 75% من محطات التلفزيون الوطنية في البلدان التي يوجدون بها بمحطات تلفزيونية تقدم برامجها بلغتهم الأصل وتعطي حيزا أهم لمشكلات تشغلهم وتعنيهم وتقيم جسر تواصل لهم مع ثقافتهم الأم.

ولو أن التوزيع غير متكافئ بين محطات المتابعة القياسية (كالجزيرة) ومحطات محدودة التأثير والمتابعة، فثمة تعددية في كل بيت يختار أهله بأنفسهم البانوراما الإعلامية فيه.

"
خلال الشهرين الماضيين تم رصد جماعات حصرت دورها في ملاحقة وتخريب كل أشكال التمرد الإعلامية الجديدة بدل اللجوء إلى مناظرتها بالرأي والكلمة
"
تعزز هذا الاتجاه كما ذكرت في أوساط الشبيبة والهجرة نتيجة توجه بائس لجأت له وسائل الإعلام الغربية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. حيث تراجعت المهنية والموضوعية لحساب سياسة أيدولوجية الطابع مسبقة الحكم في كل ما يتعلق بالمهاجر المغاربي وفلسطين وصورة الإسلام والقضايا العربية الهامة. وهو ما أشعر الجاليات العربية بغياب كبير لصوتها الذي يجري استبداله بما يمكن أن نطلق عليه اسم "عرب الخدمات"، أي العربي الأكثر قدرة على مدح الأيدولوجية السائدة في البلد المضيف على حساب -وليس بالتفاعل مع- ثقافته وبلده الأصلي أو نظرته النقدية لهما، الأمر الذي يبدو واضحا في الأنموذج الفرنسي.

تشكل هذه التوجهات الممزقة للاحتكار الإعلامي اليوم بارقة أمل في إمكانية تغيير موازين القوى بين أيدولوجيات الهيمنة والقوى المدنية العالمية المدافعة عن العدالة من جهة، ودمقرطة المعرفة من جهة ثانية، خاصة ونحن نلحظ توجها لعدة أحزاب سياسية أوروبية من أجل نسخ التجربة البوشية في وقت تتراجع فيه في عقر دارها، أي تقليد الإدارة الأميركية الحالية في إجراءات مصادرة الكلمة وتقييد الحريات الأساسية ليس فقط في قوانين مناهضة الإرهاب بل أيضا عبر عملية بناء شبكة إعلامية خاضعة مباشرة لجماعات الضغط، وعمليات شراء عدد كبير من الصحافيين والكتاب ومراكز الدراسات.

حالة التيقظ المجتمعي لهذه التوجهات جعلت مجموعات الضغط تتحول للهجوم العشوائي ضد الأصوات الفكرية والثقافية والحقوقية التي كسرت احتكارها لوسائل الإعلام التقليدية.

وقد لاحظنا أثناء الشهرين الماضيين وجود جماعات حصرت دورها في ملاحقة وتخريب كل أشكال التمرد الإعلامية الجديدة بدل اللجوء إلى مناظرتها بالرأي والكلمة, أي انكفاء دور "معسكر الخير" في محاولة توظيف التقدم التقني، ليس من أجل تطوير وسائل الإعلام ودمقرطتها، بل في ضرب كل ما هو مناهض للسياسة والممارسات الإسرائيلية في لبنان وفلسطين.

المصدر : الجزيرة