إبراهيم عجوة

مقدمات التوكيل
الكيل بمكيالين
الكيان الأداة والكيان الميدان

أثبتت المعارك الجارية في لبنان أكثر من أي وقت مضى مقولة أن إسرائيل مجرد أداة إمبريالية، فقد أرست أميركا العطاء على إسرائيل لتقوم بمهمة تصفية حزب الله بعدما فشلت الصفقة الفرنسية الأميركية في اعتماد فرنسا لتشكيل الحكومة اللبنانية وإعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني كجزء من مجال النفوذ الفرنسي، مقابل أن تقوم فرنسا بتخليص أميركا من تهديدات حزب الله لحليفتها إسرائيل واستنزاف سوريا المتعبة للبرنامج الأميركي في العراق وفلسطين.

فإسرائيل التي انسحبت من المستنقع اللبناني الذي أغرقتها فيه المقاومة اللبنانية، لم تكن لترغب في العودة إليه إلا بأوامر أميركية لا تقوى على رفضها وربما بأوهام إمكانية استعادة دورها كأداة ذات قدرة تنفيذية بالوكالة في المهام الصعبة.

مقدمات التوكيل

"
بعد فشل الصفقة مع فرنسا بدأت أميركا توكيل المهمة لإسرائيل لتدمر حزب الله بالقوة العسكرية وتدمر الحكومة اللبنانية بما يسمح بإعادة تشكيلها لاحقاً في ضوء نتائج الحرب التي كان يتوقع أن تخرج منها إسرائيل وأميركا بنصر مؤزر
"
بعد التخبط الأميركي في العراق، بدأت تلوح في الأفق علامات مساومة فرنسية أميركية. فالأميركيون أرادوا موقفاً فرنسياً مؤيداً أو متغاضياً عن سياساتهم في العراق، ويشاركهم في معركتهم مع الأطراف الإقليمية الممانعة لهيمنتهم وسيطرتهم هناك.

أما الفرنسيون فطمعوا من خلال تسلمهم الملف السوري في إعادة إنتاج سيطرتهم المطلقة في مناطق نفوذهم التقليدية، مبتدئين في لبنان ومتطاولين من خلاله على سوريا.

جوهر التوافق يقوم على أن تتولى فرنسا إنتاج حكومة لبنانية موالية لها وبمساعدة أميركية، وتتولى هي بالتالي تخليص إسرائيل -حليف أميركا الإستراتيجي- من خطر حزب الله وتضعف النظام السوري الذي يسبب لها متاعب في فلسطين ولبنان والعراق.

بدأت فرنسا هجومها عبر تزعمها للحملة على سوريا من خلال القرار 1559 القاضي بخروج الجيش السوري من لبنان ونزع سلاح حزب الله، واعتمدت في خطتها على عدة مرتكزات:
- إخراج الجيش السوري من لبنان.
- عدم التجديد للرئيس لحود.
- إجراء انتخابات نيابية تأتي بأغلبية برلمانية موالية لها.
- تشكيل حكومة برئاسة الحريري وبمشاركة بقايا المارونية السياسية المعادية لسوريا.
- الضغط على حزب الله من خلال الحكومة والأغلبية من أجل الخضوع لنزع سلاحه والموافقة على نشر الجيش اللبناني في الجنوب.

أفسدت عملية اغتيال رفيق الحريري جزءاً أساسياً من الخطة الفرنسية المدعومة أميركياً، فسعت فرنسا إلى استغلال عملية الاغتيال لاستنزاف سوريا وحزب الله في لبنان واستكمال خطتها عبر تيار الحريري وتحالفاته.

التوازنات الداخلية اللبنانية ورغم كل الضغوط الشعبية والإعلامية وغيرها، لم تكن كافية لموازنة القوى مع حزب الله وتحالفاته في الساحة اللبنانية حتى بعد خروج السوريين.

ونجحت فرنسا في إجراء انتخابات نيابية أتت بما سمي تيار الأغلبية، لكنها عجزت عن إسقاط لحود أو إجباره على الاستقالة.

كما نجحت في تشكيل حكومة لبنانية برئاسة فؤاد السنيورة موالية لها من تيار الأغلبية، إلا أن هذه الحكومة بقيت تراوح مكانها وعجزت عن إنتاج معادل القوة القادر على تمكينها من استكمال الشق الآخر من قرار مجلس الأمن القاضي بنزع سلاح حزب الله.

بدا المشهد بالنسبة للأميركيين وكأنهم قدموا للفرنسيين الحكومة اللبنانية دون أن يحصلوا في المقابل على الثمن المطلوب وهو نزع سلاح حزب الله والانتقال نحو استنزاف سوريا وإخضاع النظام السوري لمتطلبات البرنامج الأميركي الفرنسي في إعادة اقتسام النفوذ في المشرق العربي.

من هنا بدأت أميركا توكيل المهمة لإسرائيل لتقوم بتدمير حزب الله بالقوة العسكرية وتدمير الحكومة اللبنانية بما يسمح بإعادة تشكيلها لاحقاً في ضوء نتائج الحرب التي كان يتوقع أن تخرج منها إسرائيل وأميركا بنصر مؤزر تستحوذ من خلاله على كامل كعكة لبنان وملحقاتها.

أعلنت أميركا بإعطائها إسرائيل الضوء الأخضر لتولي تنفيذ القرار 1559 بالقوة العسكرية، نهاية الصفقة الفرنسية الأميركية. ومن هنا كان الموقف الفرنسي في البداية يدعو لوقف إطلاق النار فوراً والعودة إلى المسار السياسي، لأنها لا تريد بهذه الحرب أن تفقد ما بنته خلال المرحلة السابقة.

وكان الموقف الأميركي داعياً إلى استمرار الحرب وغير مؤيد لوقف إطلاق النار، لأن واشنطن راهنت على سرعة الحسم وتجاوز الصفقة وترتيب الوضع اللبناني منفردة. إلا أن طول أمد المعركة والفشل الإسرائيلي في إنتاج معركة رابحة بكل المقاييس جعل الأميركيين يعودون من جديد إلى جوهر الصفقة.

الكيل بمكيالين

"
لماذا تكيل أميركا بمكيالين إزاء الدول التي تحكمها حكومات موالية لها؟ البعض يحيل ذلك إلى كراهية متأصلة للعرب لدى الأميركان، ويفسره البعض الآخر على أن أميركا والغرب خاضعان للهيمنة الصهيونية بينما نحن عاجزون عن إخضاعهما لهيمنتنا
"
يتساءل العديد من السياسيين عن طبيعة السلوك السياسي الأميركي في دعمه العدوان الصهيوني على لبنان، وكيف أن أميركا تدعم عدواناً استهدف بشكل أساسي -إلى جانب الهدف المعلن في القضاء على حزب الله- البنية التحتية ومؤسسات الدولة اللبنانية التي تسيطر عليها حكومة ساهمت أميركا وفرنسا في إنتاجها، وجاءت نتيجة ترتيب ورضا أميركيين كاملين وبمشاركة أوروبية تمثلت في الدور الفرنسي المشارك لأميركا وفي دور باقي الدول الأوروبية عبر قرارات مجلس الأمن المتتالية التي وافق الجميع عليها حول مجريات التكييف بالقوة في لبنان.

فلماذا تكيل أميركا بمكيالين إزاء الدول التي تحكمها حكومات موالية لها؟ فهي لا يمكن أن تقبل أي اعتداء على الكيان الصهيوني بينما تقبل هذا الاعتداء الوحشي على لبنان!

البعض يحيل ذلك إلى كراهية متأصلة للعرب لدى الأميركان، يقابلها وله وعشق بالكيان الصهيوني. والبعض الآخر يفسره على أن أميركا والغرب خاضعان للهيمنة الصهيونية، بينما نحن عاجزون عن إخضاعهما لهيمنتنا نتيجة الفرق الهائل في القدرة والذكاء بيننا وبين الحركة الصهيونية.

في العام 1916 وفي خضم الحرب العالمية الأولى وفي سياق تفكيك الإمبراطورية العثمانية، تمت اتفاقية سايكس بيكو التي رسمت من خلالها فرنسا وبريطانيا الخارطة الجيوسياسية لمنطقة المشرق العربي.

خارطة وظيفتها ترجمة سياسية للخرائط الجيوستراتيجية للمراكز الإمبريالية التي رسمتها. كانت الحصص في هذه الخريطة محصلة لميزان القوى السائد بين القوى المنتصرة أو التي هي قيد الانتصار في الحرب العالمية الأولى.

وظيفة التفكيك في المشرق العربي استهدفت خلق كيانات سياسية غير قادرة على استكمال معركة التحرر القومي العربي، وغير قادرة على الفكاك من التبعية للإمبريالية وهي ميدان للنهب والتوظيف، أو ما يسمى بلغة السياسة السائدة في تلك المرحلة مجالات النفوذ وحسب ما نصت عليه الاتفاقية ذاتها.

أما الكيان الصهيوني فكان له وظيفة مختلفة، إذ اعتُبر أداة الحراسة على هذه الخريطة وهذا التقسيم وأداة عدوان مباشر لمن تسول له نفسه في المنطقة الخروج على الخريطة وما هو مقدر فيها.

الكيان الأداة والكيان الميدان

"
الفرق بين الوكيل الأداة والوكيل الميدان أن الأول كلما تفانى في خدمة المركز فإنه يتلقى جزءاً من الحصة المترتبة على وظيفته، أما الوكيل الميدان فإن المركز يصر باستمرار على إضعافه ليبقى ميداناً ضعيفاً ولا يخطر بباله على الإطلاق أن يتمرد
"
درج الأدب السياسي في المنطقة العربية على تسمية الكيان الصهيوني بالأداة الإمبريالية وهو كذلك. لكن الغريب في الأدب السياسي العربي أنه غالباً ما تعامل بالمنطق الشكلي التماثلي، فالدولة تساوي الدولة والأداة تساوي الأداة.

فكأن الكلمات تساوي الكلمات وليست الكلمات مفاهيم، والمفهوم بما هو عام لا يمكن أن يحتوي تفاصيل الخاص التي تجعل له قوانينه الخاصة التي لا تتماثل مع الآخر المشترك في المفهوم إلا بقدر ما تتقاطع معه في العام.

أستحضر هذه المقدمة وأنا أسمع حتى الملل معزوفة رائجة، وتصبح أكثر رواجاً في الأزمات من نمط الأزمة العراقية واللبنانية والفلسطينية. هذه المعزوفة هي الكيل بمكيالين، والوسيط النزيه، والعلاقة الإيجابية مع الولايات المتحدة أو مع المعسكر الغربي.

مقدمات هذه المعزوفة كانت للرئيس المصري أنور السادات عندما طرح أن 99%ِ من أوراق الحل بيد أميركا، ولم يقل لنا أي حل. وخلط عن عمد أو عن غباء سياسي بين امتلاك أميركا أوراق القوة في اللعبة وبين امتلاكها أوراق الحل.

وبدأ يسود لدى أوساط التسوية المروجة لبرنامج السادات مقولات من مثل أن التصالح والاقتراب من الولايات المتحدة وتحقيق مصالحها يمكن له أن يخفف من حدة عدائها لنا ويبعدها عن الكيان الصهيوني، وكأن العداء هو نتاج خيار مزاجي عندنا أو عند أميركا وليس نتاج مصالح متناقضة يستحيل معها التصالح، بينما في حالة الكيان هي نتاج مصالح يستحيل معها الافتراق والعداء.

حاولت أنظمة عدة انطلاقاً من هذه المقولة أن تضع نفسها في خدمة المصالح الأميركية، وذهبت في ذلك حد نكران الذات والتفاني في الحب كما هو معروف عند العرب في الحب العذري، إلا أنها فوجئت بالصدود.

هذه السياسة دفعت العديد من النظم العربية للتفاني في خدمة المصالح الأميركية إلى الحد الذي باتت تعمل معه كوكيل لمصالحه وأيديولوجيته ومقولاته ودعايته السياسية وتلبية حاجاته الأمنية.

الفرق بين الوكيل الأداة والوكيل الميدان أن الأول كلما تفانى في خدمة المركز فإنه يتلقى بذلك جزءاً من الحصة المترتبة على وظيفته، والمركز يصر باستمرار على تقوية الأداة وتحسين قدرتها على استكمال هذا الدور وإعادة إنتاجه.

بينما في حالة الوكيل الميدان فإن المركز يصر باستمرار على إضعافه ليبقى ميداناً ضعيفاً ولا يخطر بباله على الإطلاق أن يتمرد نتيجة النهب والإفقار وما يترتب عليهما من تناقض صارخ بين هذا النظام الوكيل وبين مصالح شعبه.

الوكيل الميدان كلما أمعن في خدمة المركز الإمبريالي كلما ضعفت علاقته بشعبه نتيجة الإهدار الموضوعي لمصالح شعبه. هذا الإهدار ناجم عن كونه ميداناً لنهب الثروات وتتجه سياسات المركز إزاءه نحو إغلاق أفق تطوره وتنميته على مختلف الصعد، بمعنى ضرورة أن يبقى في حالة تخلف مزمنة.

وهذا النوع من الحكم لا يمكن أن يتم اعتماده والثقة فيه إدراكاً من المركز الإمبريالي بأن هذا الحكم -بما أنه حكم في كيان ميدان- بالضرورة يتناسب مستوى ارتباطه مع المركز الإمبريالي تناسباً طردياً مع عدم استقراره، وبالتالي تجب إعادة إنتاجه إما بالقوة أو بتبديل الوجوه رغم تفانيه في الخدمة.

الوكيل الأداة يتناسب مستوى ارتباطه مع المركز تناسباً طردياً مع استقراره ورفاه مواطنيه، حيث إنه كلما ازدادت خدماته ازداد الثمن المقبوض نتيجة هذه الخدمات بما ينعكس رفاهاً على مواطني هذا الكيان. والمركز حريص باستمرار على تنمية قدرات هذا الكيان ليبقى حارساً على إضعاف الكيانات في جغرافيا الميدان.

الوكيل الأداة له خصائص مميزة تتمثل في ارتهان هذا الكيان في بقائه ووجوده واستمراره في القيام بوظيفته للشروط الخارجية، كونه لم يأت نتاج توافر شروط ذاتية محلية أتاحت له النمو والتطور، بل نتاج عوامل فعل خارجية. وهذا الارتهان معبر عنه بالارتباط البنيوي مع الإمبريالية العالمية التي تغطي تكاليف قيامه وتمده بأسباب البقاء والوجود على مختلف الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية.

استطاعت الحركة الصهيونية أن تقنع جزءاً ليس قليلاً من يهود العالم بأن يعملوا مجتمعاً مأجوراً في أداء وظيفة إمبريالية ويقبضوا ثمنها حتى لو كانت هذه الوظيفة أو الفاتورة تستدعي افتداءها بالدم، طالما هي تحقق مصالح الطغمة الصهيونية التي تحكم الكيان الأداة أو تستدعي هدر دماء الآخرين في الكيانات الميدان.

ولكن كيف تستطيع أن تقنع شعباً عربياً بأن يفتدي بالدم نهب ثرواته وقتله وسد أفق تطوره؟

كثيرون من اعتقدوا بأن أميركا تمارس سياستها بناء على ضغوط اللوبيات داخل بنية النظام الأميركي، وأن سياساتها ناتجة عن الضغوط الصهيونية وليست الصهيونية مجرد أداة.

طبعاً مع العلم أن مقولة الأداة لا تعني إعفاء الكيان الصهيوني من عدوانه واعتباره مجرد أداة ضحية، بل علينا القول إنه الأداة المنفذة والأخطر التي يتوجب على الأمة مواجهتها.

"
جاءت الحرب الأخيرة في لبنان لتثبت نظرية الكيان الأداة والكيان الميدان، فبينما كانت حكومة الكيان الصهيوني تنزع أحيانا نحو إيقاف الحرب نتيجة خسائرها كانت أميركا تصر على استمرارها
"
جاءت الحرب الأخيرة في لبنان لتثبت نظرية الكيان الأداة والكيان الميدان، فبينما كانت حكومة الكيان الصهيوني تنزع أحيانا نحو إيقاف الحرب نتيجة خسائرها وانكساراتها وصورتها أمام المجتمع الدولي كانت أميركا تصر على استمرارها، بمعنى أنه ثبت أن قرار الحرب والسلم لا ينبع من داخل الكيان بل يصنع في الولايات المتحدة.

نستطيع القول إن أمن المواطن ومستقبله في الكيان الوكيل الذي يقوم بدور الأداة كالكيان الصهيوني، مرتبط بقدرة حكومته على تأدية دورها الوظيفي في المشروع الإمبريالي، ولهذا فإن المسألة هنا ليست مسألة حكومة متطرفة أو معتدلة وإنما هي مسألة بنيوية.

بمعنى أنه كلما ازداد ارتباط هذا النوع من الكيان مع المركز الإمبريالي ازداد استقراراً وازداد مجتمعه رفاهة وتحقق له مستوى متقدم من النمو.

ولهذا ينعدم القلق في المركز الإمبريالي على حكومات هذا النمط من الكيانات لأن مصلحة الحكومة ومصلحة المجتمع متطابقتان في العلاقة مع المركز الإمبريالي. أما في الكيان الوكيل الذي هو ميدان أو جزء من الميدان فإن مصلحة ومستقبل المواطن مرتبطان بمستوى تحرره من العلاقة مع المشروع الإمبريالي.

وهنا يبقى القلق من هذه الكيانات وعدم استقرارها الناتج عن تناقض علاقتها مع مجتمعها، كلما أوغلت في علاقتها الإيجابية مع المركز الإمبريالي. ومن هنا فإن هذا النمط من حكومات مثل هذه الكيانات لا يمكن أن تكون معتمدة وموثوقة لدى المركز الإمبريالي.
_____________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة