منير شفيق

عندما يقول تيد لارسون مندوب الأمين العام للأمم المتحدة لتنفيذ القرار 1559 إن الوضع في لبنان "بالغ الهشاشة"، بعد تنفيذ الجزء الأول من القرار 1701، أي وقف العمليات العسكرية، فهذا يعني أن أميركا وإسرائيل غير راضيتين عن القرار واتجاه تنفيذه.

فقد أثبت لارسون أنه مندوب لأميركا وإسرائيل أكثر منه ممثلا للأمم المتحدة، وذلك ما يستشف من كل تقاريره ومواقفه المتعلقة بلبنان منذ صدور القرار 1559 حتى الآن.

إن تعبير "بالغ الهشاشة" يتضمن تهديدا أو إيحاء بأن الحرب قد تتجدد في أية لحظة، وذلك من أجل ابتزاز لبنان والعرب والعالم ليخضعوا للقراءة الأميركية الإسرائيلية للقرار 1701. أما إذا لم يفعلوا فإن العدوان سيعود سيرته الأولى لاسيما من ناحية القصف الموجه للمدنيين والبنى التحتية.

فبعد انسحاب بعض الوحدات الإسرائيلية وسحب عدد من الآليات المدمرة تحت إشراف قوات اليونيفيل وهي التي كانت محاصرة إلى حد لا يمكن الدفاع عنه، احتفظ العدوان بالوحدات التي تحتل بعض المواقع التي يظن أن بالإمكان الدفاع عنها.

"
الوضع السياسي الداخلي اللبناني رغم ما برز فيه من تناقضات في المواقف لاسيما في موضوع سلاح حزب الله أو في تقويم النصر اللبناني، حافظ على الحد الأدنى من تماسكه
"
والأهم أنه قام بعدة عمليات تعتبر خرقا للقرار 1701، وأهمها محاولة الإنزال الفاشل في البقاع، فضلا عن استمرار المناورات الجوية ونصب عدد من الحواجز الطيارة. وهذا يعني أن الإشارة إلى هشاشة الوضع له ما يسوغه من جهة عملية.

أما الأهم في تأكيد هشاشة الوضع فيتمثل في الحصار الجوي والبحري المضروب على مطار بيروت والموانئ البحرية، ومحاولة نشر قوات اليونيفيل إليها وتمديد صلاحياتها لمراقبة المطار وكل مرافق العبور البحري والحدود اللبنانية-السورية.

ثم أضف مسعى المندوب الأميركي جون بولتون لإعداد قرار جديد من مجلس الأمن ينص صراحة على نزع سلاح حزب الله ووضع الحدود اللبنانية الجوية والبحرية والبرية تحت رقابة اليونيفيل بما في ذلك إعطاؤها الصلاحيات التي يعطيها الفصل السابع للقوات الدولية.

هذا كله بالطبع ينفي القرار 1701 ويقتضي العودة إلى العمليات العسكرية إذا لم يخضع لبنان والعالم له، بما في ذلك الموقف العربي الذي عبر عنه لقاء وزراء الخارجية العرب في بيروت أو ما جرى من مساومة عربية ولبنانية-دولية أنتجت القرار 1701.

فرغم السلبيات التي تضمنها القرار 1701 وما تضمنته من مكافآت للعدوان لا يستحقها حتى من زاوية نتائج المعركة العسكرية نفسها، فإن أميركا وإسرائيل تسعيان إلى تفسيره بما يتطابق مع المشروع الأميركي-الفرنسي الأول الذي رفض رفضا قاطعا.

ثمة قراران أو إجراءان اتخذا على الأرض جعلا القرار 1701 في مأزق إذا أريد تفسيره وفقا للقراءة الأميركية، بل وضعاه على سكة تقربه إلى ما يمكن أن يكون مقبولا في إطار الإجماع اللبناني.

الأول موافقة حزب الله على انتشار الجيش اللبناني على طول الخط الأزرق، الأمر الذي نقل تنفيذ انتشار الجيش إلى الحوار اللبناني-اللبناني. أما الثاني فكان المبادرة العفوية الشعبية بعودة النازحين إلى الجنوب ما بين نهر الليطاني والخط الأزرق، وقد لاقت تشجيعا من حزب الله وحركة أمل في الآن نفسه.

وبهذا أصبحت المواقع التي سينتشر فيها الجيش وقوات اليونيفيل محاطة ببحر من الجماهير الملوحة بالعلم اللبناني ومعه علم حزب الله، ما رسم خريطة على الأرض لكيفية تنفيذ القرار 1701 مناقضة تماما للقراءة الأميركية-الإسرائيلية له، ومطابقة تماما للواقع الشعبي ولنتائج موازين القوى التي اتسمت بالفشل العسكري للعدوان، وبالنصر للمقاومة الإسلامية وللصمود الشعبي ووحدة الموقف اللبناني، كما تجليا في مواجهة العدوان.

من هذا ندرك لماذا راح تيد لارسون يتحدث عن هشاشة الوضع، ولماذا راح الجيش الإسرائيلي يستدرج حزب الله للرد على خروقاته، ولماذا جعل جون بولتون يتميز غيظا وهو يتحدث عن ضرورة صدور قرار ثان يحل عمليا محل القرار 1701.

يجب أن يضاف إلى ما تقدم أن الوضع السياسي الداخلي اللبناني، رغم ما برز فيه من تناقضات في المواقف لاسيما في موضوع سلاح حزب الله أو في تقويم النصر اللبناني (البعض عوّمه إلى حد إسقاط أي دور خاص للمقاومة فيه أو في موضوع الدولة)، قد حافظ على الحد الأدنى من تماسكه.

والدليل استمرار الوحدة من خلال الحكومة، إذ لم تتصدع نتيجة تلك التناقضات حيث أصر الجميع على حلها من خلال الحوار، والحوار فقط.

يمكن أن يقال الشيء نفسه حول الوضع العربي الذي أخذ يعود إلى السعي للتماسك بعدما بدا متصدعا.

وقد عبر عن هذا التصدع خطاب الرئيس السوري بشار الأسد وردود الفعل عليه.

"
إذا كانت وحدة الموقف اللبناني من جهة ووحدة الموقف العربي من جهة ثانية ضروريتين لمواجهة العدوان وعدم السماح له بتحقيق أهدافه، فإنهما الآن أشد ضرورة في مرحلة ما بعد صدور القرار 1701
"
فإذا كانت وحدة الموقف اللبناني من جهة ووحدة الموقف العربي من جهة ثانية ضروريتين لمواجهة العدوان وعدم السماح له بتحقيق أهدافه، فإنهما الآن أشد ضرورة في مرحلة ما بعد صدور القرار 1701.

وبديهي أن مرحلة ما بعد العدوان كما ابتدأت مع القرار 1701 وعلى ضوء ما أسفرت عنه المعارك العسكرية في الميدان وما حل من تدمير في القرى الجنوبية والضاحية وبعلبك والهرمل، ستكون أشد تعقيدا من سابقتها.

ففي أثناء العدوان استنفرت الجماهير العربية والإسلامية، وتحرك الرأي العام العالمي، وتغير الموقف الرسمي العربي اختيارا أو اضطرارا وبتفاوت في الحالتين ليجمع على استنكار العدوان وتحميل إسرائيل مسؤولية ما تعرض له لبنان من دمار ومجازر وتهجير.

وفي أثناء العدوان تصدع الموقف الدولي الذي أجمع في البداية على تغطيته، سواء كان ذلك بسبب فشله العسكري بعدما أعطي الوقت الكافي ليحسم أم كان بسبب موقف الرأي العام الداخلي في شجبه واستنكاره.

وهذا ما يفسر لماذا اضطرت إسرائيل وأميركا إلى السعي لوقف العمليات وتقديم بعض التراجع لإصدار القرار 1701.

ولكن في المرحلة الراهنة تحتاج المحافظة على وحدة الموقف اللبناني من الجميع الكثير من الحكمة وبعد النظر. وكذلك الحال بالنسبة إلى الوضع العربي الإسلامي، وذلك من أجل عدم السماح لعودة التواطؤ الدولي ضد لبنان ومن ثم فرض تطبيق القرار 1701 ضمن حدود الرؤية اللبنانية-العربية.

أما عودة التراخي العربي أو تغليب الخلافيات الداخلية اللبنانية على وحدة الموقف ضد العدوان والحصار وتجوير القرار 1701، فمن شأنه أن يجرئ القيادة الإسرائيلية -رغم أزمتها الداخلية وبسببها- على العودة إلى العمل العسكري الواسع أو الابتزاز من خلال التهديد بعودته.

ثمة مجموعة قضايا يجب الانتباه إليها في تقدير الموقف في هذه المرحلة، أولها أن الجيش الإسرائيلي خرج من هذه الحرب مهانا مدانا كالوحش الجريح، وأن القيادات الإسرائيلية السياسية والعسكرية أخذت تنهش لحوم بعضها بسبب الهزيمة العسكرية، ومن بين ما تطمع فيه إسقاط حكومة أولمرت والعودة إلى انتخابات جديدة في حين أن المسؤولين عن الحرب قد يجدون مناجاتهم بتجديدها لعل وعسى.

فهذه المعادلة حمالة أوجه وفي مقدمتها العودة بأسرع ما يمكن للثأر واستعادة الهيبة.

وهذه النتيجة -العودة بأسرع ما يمكن إلى الثأر واستعادة الهيبة- تجد لها من يشاركها المأزق والموقف داخل الإدارة الأميركية التي تشعر الآن -رغم ادعاء جورج بوش الانتصار على حزب الله- بما يشعر به الوحش الجريح، مما يزيد من الحاجة إلى التنبيه ليس على مستوى لبنان فحسب، وإنما على مستوى إيران أولا وسوريا ثانيا كذلك.

ويجيء الرد الإيراني على العرض الدولي بعدم وقف تخصيب اليورانيوم مقابل إغراءات محددة، ليزيد من احتمالات التصعيد الأميركي-الإسرائيلي في لبنان أو حتى ضد إيران مباشرة، أو هما معا في آن واحد، رغم ما تضمنه الرد من مرونة وبعد نظر في تجنب المواجهة، لأن التفسير الأميركي-الإسرائيلي سيفهمه رفضا لشرط وقف التخصيب.

وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن تقدم أميركا منفردة أو مع بريطانيا على الأرجح أو مع إسرائيل في آن واحد على شن الحرب هي ومن قد يحالفها على إيران، وذلك بعد تجربتها العراقية الفاشلة في ما عدا تدمير العراق وتقسيمه؟ وهل يمكن أن تترك عندها لإسرائيل القصاص من حزب الله بعد تجربة العدوان الإسرائيلي الذي لم ينجح في ما عدا التدمير وارتكاب الجرائم والمجازر بحق المدنيين؟

الجواب ببساطة نعم من الممكن، لأن غطرسة القوة لا تتعلم من تجربتها إلا بعدما تنهار قواها، وليس بعد هزيمة هنا وهناك لاسيما إذا كانت مشحونة بالتطرف الأيديولوجي والأطماع الإسرائيلية الإستراتيجية، خاصة أن الإقرار بالهزيمة العسكرية والهزيمة السياسية في آن واحد بعيد الاحتمال بالنسبة إلى عقلية القيادتين الإسرائيلية والأميركية.

"
السياسة الأوروبية في تنفيذ القرار 1701 بعدما قررت المشاركة بنحو سبعة آلاف جندي، متجهة إلى التوافق مع الحكومة اللبنانية ما يعني أن فشلا سياسيا أميركيا إسرائيليا أخذ يسجل في تطبيق القرار
"
ومن المعلوم أن تينك العقليتين قد تماهتا بعدما تسلم المحافظون الجدد الإدارة الأميركية وهم خليط من تيار مأفون ليكودي إسرائيلي وتيار "مسيحي صهيوني" التقيا تحت سقف إستراتيجية استخدام العنف الأقصى في فرض المشروع الإسرائيلي على فلسطين والبلاد العربية والإسلامية.

فنحن إزاء مشروع إسرائيلي أو مشروع أميركي إسرائيلي الهوى والهدف.

الجواب عن سؤال أيهما يقود الآخر إدارة بوش أم الحكومة الإسرائيلية؟ يجب حسمه من خلال فهم طبيعة الإدارة الأميركية الحالية. فهي مشكلة من فريق يضع المشروع الإسرائيلي في أولوياته ويسخر القرار الأميركي لخدمته، وهو الذي يقود الحكومة الإسرائيلية إذا أظهرت ضعفا أو عجزا في تنفيذ مشروعها وهذا ليس جديدا في تاريخ التنافس على قيادة المشروع الإسرائيلي بين القيادة الإسرائيلية والقيادة الصهيونية العالمية.

ففي هذه المرة تزعّم اللوبي الإسرائيلي الأميركي القيادتين من خلال تحالفه مع المسيحية الصهيونية في إدارة بوش وتحكمه في القرار الأميركي.

على أن الفشل العسكري الإسرائيلي أمام المقاومة الإسلامية وما تشكل نتيجة ذلك من معادلات سياسية: أزمة داخلية إسرائيلية، وأزمة داخلية أميركية، وأزمة أميركية مع أوروبا والدول الكبرى الأخرى، أخذت تفرض على الإدارة الأميركية التراجع أمام أوروبا كما تجلى في قبول الشروط الفرنسية الألمانية الإيطالية في تسلم ملف القرار 1701 بما في ذلك تفسيره الذي لا يشمل النص صراحة على نزع سلاح حزب الله، أو نشر قوات اليونيفيل على الحدود السورية-اللبنانية.

فالسياسة الأوروبية في تنفيذ القرار بعدما قررت المشاركة بنحو سبعة آلاف جندي، متجهة إلى التوافق مع الحكومة اللبنانية الممثل فيها حزب الله وليس الفرض بالقوة، ما يعني أن فشلا سياسيا أميركيا-إسرائيليا أخذ يسجل في تطبيق القرار رغم أنها (السياسات الأوروبية) ستحاول عبر دورها في اليونيفيل إبعاد المقاومة من جنوب الليطاني.

وهذا "الإنجاز" الذي تريد به استرضاء أميركا وإسرائيل دونه تعقيدات كثيرة، لأن جنوب الليطاني من خلال جماهيره هو حزب الله.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة