ياسر الزعاترة

ظروف الإعلان عن قرار الانسحاب
شارون يهيئ غزة لما بعد الانسحاب
السيادة على القطاع

العلاقة الفلسطينية الداخلية
الموقف الدولي والعربي وتبعاته
مستقبل مخطط شارون

في خضم الجدل حول ما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة انتصاراً أم مصيبة ستقع على رأس القضية الفلسطينية، يبدو من المهم التذكير بالأجواء التي أعلن شارون خلالها قرار الانسحاب، وهي أجواء لم تكن في واقع الحال مواتية بالنسبة للرجل الذي جاء إلى السلطة في العام 2000 في ظل يأس إسرائيلي من القضاء على انتفاضة الأقصى.

فكان الاحتماء بـ"القاتل الأزعر"، بحسب وصف أحد الكتاب الإسرائيليين، والذي وعد الجمهور بالقضاء على انتفاضة الفلسطينيين في غضون مئة يوم لا أكثر، لكن مئات الأيام كانت تمضي من دون جدوى.

فيما يواصل الشارع تمسكه بالرجل القادر على الرد على عنف الفلسطينيين بعنف أكبر، وصولاً إلى اجتياح مناطق الضفة الغربية من جديد خلال شهر أبريل/نيسان عام 2002، ومن ثم محاصرة ياسر عرفات في مقره بمدينة رام الله.

"
يبدو ما قدمه شارون تنازلاً مهماً باعتباره صاحب مشروع الاستيطان الذي طالما ساوى بين مستوطنة نتساريم وتل أبيب
"
ظروف الإعلان عن قرار الانسحاب
مر عام آخر على الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية، لكن الانتفاضة لم تتوقف، فكان الجدار الأمني الذي تسارع بناؤه نوعاً من تهدئة الخواطر، لكن الشارع الإسرائيلي كان في ذروة اليأس والضجر مما يجري، وهو ضجر وجد صداه في جملة من المعطيات الواضحة.

كان من بين هذه المعطيات خروج وثيقة جنيف وتمتعها بدعم أميركي ودولي غير مسبوق، إلى جانب تمرد العديد من الكوادر في بعض القطاعات العسكرية الإسرائيلية (الطيارين، الوحدات الخاصة) على الأوامر، ومن ثم خروج عدد من القادة العسكريين والأمنيين، مثل رؤساء جهاز الشاباك الأربعة السابقين، على النص الرسمي وانتقاد برنامج شارون السياسي والأمني، وتحذيرهم من كارثة قادمة على الدولة العبرية في حال واصل ذات النهج المتبع.

فيما كانت لعبة إخراج الفضائح المالية لشارون وعائلته هي ذروة التصعيد والرسالة الأكثر حدة التي فهم الرجل مضامينها وكان لا بد له تبعاً لها من الخروج بمبادرة سياسية تنقذه كزعيم وتنقذ البلاد من أزمة استثنائية، لاسيما وأن الضجر لم يكن داخلياً فحسب، بل شمل الدوائر اليهودية النافذة في الخارج وبخاصة في الولايات المتحدة إثر تصاعد السخط على الدولة العبرية في الأوساط الشعبية، وبخاصة الأوروبية كما كشف استطلاع الاتحاد الأوروبي الشهير.

في هذه الأجواء خرج شارون بمشروع فك الارتباط، أو الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة، بدعوى عدم وجود شريك فلسطيني، ولما كان الرجل هو صاحب مشروع الاستيطان الذي طالما ساوى بين مستوطنة نتساريم في قطاع غزة وتل أبيب من حيث الأهمية، فقد بدا ما قدمه تنازلاً مهماً يستحق الاهتمام. الأمر الذي دفع الدوائر الإسرائيلية الداخلية إلى الترحيب بالخطوة، ما انعكس إيجاباً في الخارج، وبخاصة في الولايات المتحدة، التي استقبل فيها شارون في أبريل/نيسان 2004، وحصل هناك على وعد بوش الشهير الذي وضع سقفاً مسبقاً لمفاوضات الوضع النهائي، تحديداً فيما يتعلق بمستوطنات الضفة وقضية اللاجئين.

"
كشف صائب عريقات أن شارون قد هدد محمود عباس بمصير ياسر عرفات إذا لم يوافق على تنسيق الانسحاب من القطاع
"
شارون يهيئ غزة لما بعد الانسحاب
هكذا عاد شارون ليتصدر المشهد السياسي الإسرائيلي من دون منازع، على رغم المشاغبة عليه من طرف متطرفي الليكود، وعلى رأسهم نتنياهو، فيما شرع هو في ترتيب أوراق الانسحاب من غزة بطريقته الخاصة، وبالطبع من خلال اغتيال القادة الذين يمكن أن يساهموا في وضع الانسحاب في إطاره الصحيح كحالة هزيمة واندحار أمام المقاومة.

في هذا السياق كان اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين، قائد ومؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس، ورجل قطاع غزة الأول، ومن بعده البطل الاستثنائي الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وليكمل اللعبة باغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من خلال السم، تمهيداً لجلب قيادة جديدة لا تؤمن بالمقاومة المسلحة إلى سدة القيادة في السلطة الفلسطينية.

في هذه الأثناء كان قطاع غزة يتحول إلى كتلة من اللهب في مواجهة العدو، إذ انتقل زخم المقاومة إليه بعد أن كان متركزاً في الضفة الغربية طوال ثلاث سنوات. هكذا برزت ظاهرة الصواريخ، وإلى جانبها عمليات الاقتحام النوعية للمستوطنات، ومعها عمليات الأنفاق التي ابتكرتها حركة حماس بحرفية مذهلة.

وفيما كان الفلسطينيون يدفعون أثماناً باهظة لعملياتهم النوعية والجريئة من حيث اغتيال القادة وهدم البيوت وتجريف الأراضي، فقد كانت القناعة بضرورة الخروج من القطاع تزداد تجذراً في المجتمع الإسرائيلي.

مع قدوم القيادة الفلسطينية الجديدة وتزامن ذلك مع تراجع واضح للوضع العربي والدولي أمام السطوة الأميركية، وبخاصة بعد استخدام قضية الإصلاح في سياق الابتزاز، كانت الأجواء تتهيأ لمرحلة جديدة عنوانها التهدئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على رغم أنها كانت تهدئة نسبية تخللتها الكثير من العمليات والردود المتفاوتة.

ما ينبغي قوله في ضوء هذا الاستعراض هو أن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة كان بالفعل انتصاراً مدوياً للفلسطينيين، وليس مجرد برنامج سياسي لشارون. صحيح أن للرجل أهدافه على صعيد تكريس الاستيطان في الضفة والقدس واستكمال بناء الجدار، وصولاً إلى تحقيق مشروعه للحل الانتقالي بعيد المدى ممثلاً في دولة فلسطينية في قطاع غزة، ترتبط عبر ممر آمن يسيطر عليه الإسرائيليون، بثلاثة أو أربعة كانتونات فلسطينية في الضفة تتمدد على ما يقرب من نصف مساحتها، لكن ذلك لن يكون قدراً بالضرورة، ومن فرض الانسحاب من قطاع غزة، يمكنه أن يفشل مخططاً كهذا، وبذات الوسيلة أي المقاومة.

السيادة على القطاع
كثيرة هي الأسئلة التي تترتب على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، لعل أبرزها ما يتعلق باستكمال عناصره، وتحديداً الانسحاب من المعبر البري مع مصر، وصولاً إلى فتح المطار والميناء ومنح الفلسطينيين فرصة التحكم بأجوائهم ومعابرهم، وبتعبير أدق عناصر السيادة للقطاع وتحوله إلى دولة ناجزة، بصرف النظر عن مساحته المحدودة (362 كيلو متر مربع)، أي 6% من الأراضي المحتلة عام 67، أو 1,5% من أرض فلسطين التاريخية.

ما ينبغي أن يقال هنا هو أنه لولا موافقة القيادة المصرية على تنسيق الانسحاب مع شارون، ومعها قيادة السلطة لكان الانسحاب من المعبر الحدودي حتمياً بفعل المقاومة، ولكانت فرصة التأكيد على حقيقة الهزيمة متوفرة، وقد كشف صائب عريقات في محاضرة له في عمان مؤخراً كيف أن شارون قد هدد محمود عباس بمصير ياسر عرفات إذا لم يوافق على تنسيق الانسحاب من القطاع.

"
ما من شك في أن الانسحاب من غزة سيوفر لشارون فرصة تسويق نفسه أميركياً ودولياً بوصفه رجل السلام
"
العلاقة الفلسطينية الداخلية
بعد أسئلة المعابر البرية والبحرية والجوية، يبرز سؤال العلاقة بين الفصائل الفلسطينية بعد الانسحاب، لاسيما في ظل التنافس الواضح بين حركتي حماس وفتح، وفي حين لا يتوقع أن تلجأ حماس إلى أي شكل من أشكال القوة المسلحة في سياق حسم العلاقة حتى لو أصابها بعض العنت من فتح والسلطة، وبالطبع حرصاً على الدم الفلسطيني، إلى جانب إدراك طبيعة الظروف الموضوعية المحيطة والتي لا تسمح لها بالانقلاب على السلطة حتى وهي الأكثر شعبية في القطاع.

في حين لا يتوقع أن يحدث ذلك، فإن السلطة لن تسكت على نفوذ حماس الواسع وستسعى إلى تحجيمه بمختلف الوسائل، لاسيما وأن الخطوة الأولى في خريطة الطريق التي سيبادر شارون إلى المطالبة بها هي تفكيك البنية التحتية للفصائل المسلحة وعلى رأسها حماس. أما الانتخابات فلا يستبعد أن يجري ترتيبها على نحو لا يخل بمعادلة السيطرة الفتحاوية على الوضع برمته.

من المؤكد أن ميل السلطة إلى تنفيذ الاستحقاق المتعلق بخريطة الطريق سيدفع إلى توتير الأجواء الفلسطينية، وقد يدفع تالياً نحو التعامل مع قطاع غزة بوصفه دولة يمكن أن تتعاطى مع الصراع حول الضفة الغربية كما تتعامل معه دول الجوار العربي (الطوق سابقاً)، وهو خيار بالغ السوء بالتأكيد.

لكن الأسوأ هو أنه سيلفت الانتباه عن حقيقة ما سيقوم به شارون مباشرة بعد الانسحاب من أجل التأكيد على تنفيذ رؤيته، أعني توسيع الاستيطان في الضفة والقدس واستكمال بناء الجدار، وهي الإجراءات التي تتطلب توافقاً فلسطينياً من أجل مواجهتها، حتى لو كان ذلك من خلال انتفاضة سلمية.

يدخل في ذات السياق ما يتعلق بالإدارة العامة للقطاع، إذ أن من يمسكون بملفات الانسحاب هم أنفسهم الذين سبق أن جربهم الشارع أيام أوسلو، فأثبتوا سيرة لافتة في ميدان الفساد، وإذا ما واصل هؤلاء تحكمهم بالتفاصيل فإن إحباطاً كبيراً سيصيب الجماهير.

الموقف الدولي والعربي وتبعاته
يتبع هذا الشق من أسئلة الانسحاب ما يتعلق بالمواقف الدولية والعربية، إذ ما من شك في أن الانسحاب من غزة سيوفر لشارون فرصة تسويق نفسه أميركياً ودولياً بوصفه رجل السلام، ما سيدفع إلى التسامح مع خطواته المرتقبة التي أشرنا إليها، إلى جانب تفهم مواقفه من استكمال خطوات خريطة الطريق، وبخاصة اشتراطه تفكيك البنية التحتية للإرهاب.

وقد رأينا كيف حظي الرجل في باريس بمرتبة غير مسبوقة بالنسبة إليه، ممثلة في كونه "أحد أكبر زعماء العالم، بحسب ما وصفه الرئيس الفرنسي شيراك، والذي أحاطه بدفء استثنائي أثناء زيارته الأخيرة لباريس.

حين يحدث ذلك على الصعيد الدولي، فلا بد أن ينعكس على الصعيد العربي، وهنا يمكن القول إننا قد نفاجأ بمرحلة تطبيع مبكر جديدة، قد يصار إلى تدشينها خلال القمة الاستثنائية المتوقعة في شرم الشيخ، فيما يمكن القول إنها قد بدأت قبل ذلك، مع أن محاولة إطلاقها خلال قمة الجزائر قد فشلت.

"
إصرار الفلسطينيين على توسيع مدى المقاومة من أجل تحرير الضفة الغربية والقدس الشرقية سيصيب شارون في مقتل
"
وقد ظهرت بداياتها بعودة السفيرين المصري والأردني إلى تل أبيب، وإعلان وزير الخارجية الإسرائيلي سلفان شالوم عن قرب تدشين علاقة مع عشر دول عربية أخرى، فيما شهدت أعلى تجلياتها بدعوة شارون لزيارة تونس خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم.

يحدث ذلك في ظل تراجع مصري أمام الضغوط الأميركية المتعلقة بالإصلاح، وفي ظل التمديد للرئيس المصري حسني مبارك، إلى جانب تراجع عربي مماثل لذات السبب المتعلق بضغوط الإصلاح، وحيث صار معروفاً أن بوسع تلك الدول تجنب هذا اللون من الضغوط بالتراجع في الملفين الفلسطيني والعراقي.

ما من شك في أن أسئلة الداخل الإسرائيلي وتحولاته هي جزء لا يتجزأ من أسئلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، لاسيما بعد أن تمرد نتنياهو واستئثاره بجزء لا بأس به من الليكود، وهنا يمكن القول إن موقف شارون أمام الشارع الإسرائيلي ومن ضمن ذلك حزبه الليكود ستأخذ في التحسن تدريجياً.

فما أن تنتهي غضبة المستوطنين ويتمتعوا بتعويضاتهم المجزية حتى تبدأ ملامح المرحلة الجديدة من حيث تحسن المكانة الدولية للدولة العبرية، لاسيما حين تأتي مرحلة تطبيع مع الدول العربية، وفق ما هو متوقع. أما الأهم فهو الخطوات المتعلقة بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، والتي ستؤكد للمستوطنين ما سبق أن وعدهم به شارون، وما وعدهم به مدير ديوانه (دوف فايسغلاس) في سياق تسويق خطة الانسحاب.

خلاصة القول هي إن مكانة شارون لا تبدو مهددة في المدى القريب، اللهم إلا إذا جرت تحولات جديدة تسمح بتمرد فلسطيني وعربي على متعلقات خطة الانسحاب، فأن يصر الفلسطينيون على توسيع مدى المقاومة من أجل تحرير الضفة الغربية والقدس الشرقية، فإن ذلك سيصيب شارون في مقتل.

مستقبل مخطط شارون
من المؤكد أن شارون ما زال يراهن على ضعف القيادة الفلسطينية الجديدة، ومن ورائها ضعف الوضع العربي تبعاً للسطوة الأمريكية عليه، وذلك من أجل تحقيق مشروعه الذي يتضمن إلى جانب ذلك اختراق المنطقة سياسياً واقتصادياً، لكن اللافت أيضاً هو أن السطوة المشار إليها لا تبدو مرشحة للاستمرار، وبالطبع بسبب تصاعد المقاومة العراقية وملامح إفشالها للمشروع الأمريكي في العراق.

وهكذا تكون المقاومة هي المسار الذي حقق انتصار غزة، وهي المسار الذي سيفشل مشروع شارون وعموم المشروع الأميركي الصهيوني لإعادة تشكيل المنطقة على مقاس المصلحة الإسرائيلية كما نظر لها المحافظون الجدد وقادتهم الصهاينة في الأروقة الأميركية.
____________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة