طارق الكحلاوي

- الاستشراق المعاصر وحزب الله
- العربي والحرب

يبعث الانسجام المطلق -تقريبا- في الموقف السياسي والإعلامي الأميركي من منظمة "حزب الله" بوصفها -وبكثير من الجدية- فصيلا إرهابيا بعض التساؤل، إذ يبدو من الواضح مع تصاعد الصراع أن ظاهرة التنظيم الشيعي أكثر تعقيدا من المعنى الاختزالي الذي يمكن أن تختزنه عبارة "التنظيم الإرهابي".

وبدا من خلال متابعة الصراع الأخير أن الكثيرين تفاجؤوا فعلا من التركيبة الشعبية لحزب الله، لكونه ليس مجرد مجموعة صغيرة من حاملي الأسلحة المعزولين في بعض الكهوف يمكن استئصالها بضربات جوية مركزة، ومن القادرين فقط على إيقاع الخسائر بالمدنيين، ومن ثَم يقع تفادي النظر إليها كمنظمة عسكرية يجب أن تحظى بالاحترام.

وفي الحقيقة لا توجد مبررات كافية لتفسير هذا الموقف غير الدقيق، بما في ذلك دور الغضب الناتج عن الخسائر العسكرية والاستخبارية الكبيرة التي تكبدتها الولايات المتحدة أواسط الثمانينيات في بيروت والتي وقع تحميلها -بدون أدلة حاسمة كما يشير الأميركيون أنفسهم- لحزب الله.

ولكن يبدو أن أسباب هذه التوقعات المستخفة وغير الصائبة لا تتعلق بعوامل ومعطيات سياسية فحسب، بل تتعلق أيضا بثقافة سياسية سائدة وعميقة التأثير خاصة بتمثل المنطقة العربية.

وهذه الثقافة تتمثل أساسا في الاستخفاف بقدرة مواطني هذه المنطقة على التنظيم بشكل فعال سواء عسكريا أو سياسيا.

وهكذا تبدو إشكالية الموقف السائد من حزب الله مجرد نموذج آخر -كما كان العراق- لرؤية استشراقية قديمة، ولو أنها لا تمثل طروحات غالبية الأوساط الاستشراقية الأميركية.

ولا يمكن الجزم بأن هناك تأثيرا حاسما للحقل الأكاديمي الأميركي المختص في "دراسات الشرق الأوسط" على الموقف السياسي الأميركي من حزب الله.

ولكن العلاقة بين المجالين معقدة على كل حال وتحتوي بالتأكيد على تأثير متبادل، إذ يعبر الموقف السياسي الأميركي السائد عن موقف حاضر في "أكاديمية الشرق الأوسط".

من جهة أخرى هناك توجه أكاديمي يمكن وصفه حتى بالأغلبي، يحاول التمايز عن الموقف السياسي السائد ويعرض خبرته الشرق أوسطية لتصحيح الآراء المهيمنة على الموقف الإعلامي والسياسي.

ورغم أن هذا التوجه لا يدفع عن حزب الله بشكل كامل الصفة "الإرهابية" فإنه يرفض اختزاله في هذه الصفة ويدعو للنظر إليه على أساس أنه ظاهرة أكثر تعقيدا مما هو شائع في المشهد السياسي الأميركي.

"
على خلاف كل المعطيات المعروفة فإن محتوى الصراع القائم بين حزب الله وإسرائيل بالنسبة لكرامر، ليس له علاقة باحتلال عسكري أجنبي وإنما بتصميم إسرائيلي وأميركي على مواجهة مشروع الجمهورية الإسلامية في لبنان
"
الاستشراق المعاصر وحزب الله
عندما يتم طرح موضوعة "الاستشراق" فمن الغالب أن النماذج التي تتبادر إلى الذهن هي دراسات الفترة المبكرة والوسيطة للتاريخ الإسلامي، غير أن هناك دراسات استشراقية أكاديمية للحدث المعاصر.

ينسحب ذلك على مسألة حزب الله، فهذه الظاهرة الشرقية بالأساس تتعرض لتمحيص متزايد على عدة أوجه من قبل العديد من الدارسين الغربيين بما في ذلك الأنغلوساكسونيين.

سنأخذ بعض الأمثلة على الرأيين المشار إليهما أعلاه واللذين يتنازعان "دراسات الشرق الأوسط" الأميركية لسبر أغوار هذه العلاقة المعقدة.

المثال الأول هو الباحث الأميركي مارتن كرامر، وهو أحد التلاميذ الأكثر وفاء لنهج شيخ "أكاديمية الشرق الأوسط" برنارد لويس (90 عاما).

واختص كرامر في موضوع حزب الله بالتدريج بعد تجربة دراسية وتدريسية في جامعة تل أبيب بداية الثمانينيات.

وتفرغ لعدد من السنوات وفي إطار مؤسسات غير أكاديمية ولكن مقربة من أوساط صناعة القرار السياسي مثل "مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين"، لدراسة الحزب بشكل جدي حيث تعكس كتاباته في الموضوع اطلاعا كبيرا على التفاصيل الفقهية والتنظيرية للحزب.

ونشر فيما بعد عددا من الكتب والمقالات في الموضوع أصبحت -خاصة بالنسبة لصانعي السياسة الأميركية مصادر أولية لفهم حزب الله.

ولكن رغم سعة اطلاعه فإن لكرامر نظرة انتقائية لا تلتزم دائما قواعد البحث العلمي بل تتدخل فيه وتقضم موضوعيته من خلال تضخيم بعض الخصائص، بل وإسباغ معانٍ غير دقيقة عليها على حساب صورة أكثر شمولية للموضوع.

لنأخذ مثلا أحد أكثر كتاباته شهرة حول التنظيم الشيعي وهو مقال حول "المنطق الأخلاقي لحزب الله" نشره عام 1998 في كتاب ضم في شكل مجموعة من المقالات لكتاب مختلفين حول "جذور الإرهاب".

فعندما يحاول التعريف بحزب الله ونشأته وماهية برنامجه يتفادى كلية التعرض لظرفية الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وهو كما هو معروف السبب الرئيسي لنشأة الحزب، ويقدم الأمور كأنها نشأة في خضم وضع لبناني داخلي معزول عن معطى الاحتلال العسكري.

وهكذا يقع عرض حزب الله كمنظمة أصولية ومسقطة من قبل إيران بالأساس تعيش صراعا مع الجميع بما في ذلك الجيش السوري، إلا الجيش الإسرائيلي حيث يتفادى حتى ذكره.

وينتهي إلى تعريف برنامجه، وهنا علينا أن نذكر مرة أخرى في خضم الصراع العسكري مع إسرائيل المغيب تماما في هذا التحليل، أنه "حركة شيعية تهدف إلى إقامة دولة إسلامية" على النموذج الإيراني في عموم لبنان رغم رغبات بقية طوائفه.

وعلى خلاف كل المعطيات المعروفة فإن محتوى الصراع القائم بين حزب الله وإسرائيل بالنسبة لكرامر، ليس له علاقة باحتلال عسكري أجنبي بل بتصميم إسرائيلي وأميركي على مواجهة مشروع "الجمهورية الإسلامية" في لبنان، متجاهلا حقائق بديهية من نوع أن حزب الله ومشروعه الشمولي لم يكونا حتى موجودين لما اجتاحت إسرائيل المجال اللبناني.

هذا مؤشر بالغ الوضوح على سياسوية طرح كرامر. يأتي ذلك في إطار رؤية تسطيحية لتركيبة حزب الله لا ترى فيه سوى بناء هرمي من العلاقات القائمة فقط على الولاءات الدينية والعشائرية المقطوعة عن ظروف الاحتلال العسكري وتداعياته المحفزة للمواطن الشيعي على الانخراط السياسي والعسكري في الحزب.

كما يختزل بشكل غير متوازن الفعل العسكري للحزب في "التفجيرات الانتحارية" و"اختطاف الرهائن" متجاهلا من جهة الطرائق الرئيسية في أسلوبه العسكري (حرب العصابات) ومتفاديا من جهة أخرى الإشارة إلى رئيسية الأهداف العسكرية للأسلوبين أعلاه، لينتهي إلى وصفهما بالجرائم الشرعية التي كانت تحرج الخلفية الدينية للحزب.

مقابل النموذج الاستشراقي المتماهي والمشرع للموقف السياسي السائد، هناك رؤية استشراقية أخرى أكثر اهتماما بالوقائع من الاهتمام بالتبرير لأي موقف سياسي.

ويبدو أبرز وآخر مثال على هذه الرؤية كتابات جوديث بالمر حريك أستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت وهي من الباحثين الأميركيين القلائل المطلعين ميدانيا على ماهية وتركيبة حزب الله.

وقد ردت بشكل مباشر ومعمق على الأطروحات الانتقائية وغير الدقيقة لباحثين مثل مارتن كرامر، حيث رأت في حزب الله منظمة دينية ولكنها تجذب قواعدها على أساس سياسي بشكل رئيسي يرجع في جزء كبير منه لظروف الصراع مع إسرائيل.

وهكذا ترى بالمر حريك أن الطبيعة الدينية المعتدلة لقواعد المنظمة اللبنانية كان له تأثير بالغ على تعديل رؤى حزب الله، وجعله أكثر انسجاما مع الطيف اللبناني المتنوع.

ورغم أن هذه المواقف تبدو أغلبية في أوساط الاستشراق المعاصر الأميركية (يمكن أن نضيف هنا مثلا المواقف المماثلة لخوان كول رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط العريقة)، فإن تأثيرها غير ملحوظ في الأوساط السياسية الرئيسية باستثناء ما تجده من صدى في تجمع صغير من الدبلوماسيين "المستعربين" المتقاعدين.

وتعرض جميع هؤلاء -وليس بالصدفة- لهجوم كبير في أحد المؤلفات الأساسية لمارتن كرامر، حيث حملهم "فشل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط" وحتى هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

"
مقابل النموذج الاستشراقي المتماهي والمشرع للموقف السياسي السائد، هناك رؤية استشراقية أخرى أكثر اهتماما بالوقائع من الاهتمام بالتبرير لأي موقف سياسي
"
العربي والحرب

الفرق بين الرؤيتين أعلاه ليس في تأويل التفاصيل وإنما في تقييم مسألة جوهرية هي: هل هناك شخصية عربية ذات جوهر واحد يتميز في رؤيته للحرب باللاعقلانية والفوضى.

وفي الواقع ليست هذه إشكالية جديدة بل ترجع إلى عهد الاستشراق المبكر، وقد اعتقد إدوارد سعيد في مقدمة كتابه "الاستشراق" (1978) أن التجربة الأميركية في "الشرق" ستمنح الولايات المتحدة رؤية "أكثر واقعية" من سابقاتها البريطانية والفرنسية على وجه الخصوص، وهذا صحيح إلى حد كبير كما رأينا في مثال باحثين مثل حريك.

غير أن سعيد أشار بشكل صائب أيضا إلى أن تراث الاستشراق الفرنسي والبريطاني -بما في ذلك النماذج الأقل مدعاة للافتخار- وجد طريقه خاصة بعد الحرب العالمية الثانية إلى كثير من الأوساط الأكاديمية الأميركية.

وفي الحقيقة هكذا فقط يمكن تفسير القرابة بين مقولات استشراقية في أوروبا ما قبل الحرب، وأخرى إلى فترة قريبة في الولايات المتحدة، بما في ذلك بعض القلاع الأكاديمية الأكثر احتراما في "دراسات الشرق الأوسط".

في عراق النصف الأول من القرن العشرين كانت غرترود بل من بين المستشرقين "الهواة" الأكثر تأثيرا في صياغة -أو تعبيرا عن- الأفكار البريطانية حول العراق والمنطقة العربية بشكل عام في إحدى الفقرات الأكثر رواجا حيث قدمت تصورا عاما لكيفية تفكير "العربي" في مسائل الحرب.

تقول ما يلي "كم ألفا من السنوات بقيت هذه الحالة من الوجود (أي كون العرب يعيشون في "حالة حرب" دائمة) سيخبرنا أولئك الذين سيقرؤون أقدم سجلات الصحراء الداخلية أنها تعود إلى أولهم، لكن العربي عبر القرون كلها لم يشتر حكمة من التجربة، فهو غير آمن أبدا، ومع ذلك فإنه يتصرف وكأن الأمان خبزه اليومي".

بعد عشرات السنوات كتب برنارد لويس المؤرخ البريطاني الأصل وأبرز ممثل معاصر للمدرسة الاستشراقية (السياسوية) في الولايات المتحدة التي نحن بصددها، مقالا حول "التصورات الإسلامية للثورة"، حيث حاول "تأصيل" معنى مصطلح "الثورة" في الإرث اللغوي العربي-الإسلامي.

وخلص إلى ما يلي "و يعني الجذر ث-و-ر في العربية الكلاسيكية النهوض، مثل نهوض جمل.. وهي (أي كلمة الثورة) كثيرا ما تستخدم في تأسيس دولة ذات سيادة مستقلة صغيرة.. ويعني الاسم "ثورة"، أولا، الهيجان.. أما الفعل فيستخدم بصيغة "ثوران" أو "إثارة فتنة"، بوصفه أحد الأخطار التي ينبغي أن تثبط همة الإنسان عن ممارسة واجب مقاومة الحكومة الفاسدة".

أعتقد هنا أنه من المناسب الاكتفاء بالتعليق التالي لإدوارد سعيد على الفقرة السابقة، يقول "هذا النمط من الوصف المجوهر هو الطبيعي بالنسبة للدارسين وصانعي السياسة المهتمين بالشرق الأوسط: إن التحركات الثورية بين "العرب" هي من الأهمية والعواقب بقدر ما هو نهوض جمل عن الأرض، وتستحق من الاهتمام ما تستحقه ثرثرة قرويين سذج".
_____________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة