ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

 

بدايات طرح الموضوع
مصطلح احتلال ديلوكس
خيار حل السلطة وكلفته على الاحتلال
ما الذي يحول دون تنفيذ الفكرة؟
القرار بيد حركة فتح

خلال الأسابيع الأخيرة عادت قضية حل السلطة لتطرح من جديد في الأروقة الفلسطينية بعد مبادرة سلطات الاحتلال اعتقال عدد كبير من نواب المجلس التشريعي من أعضاء حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إضافة إلى العديد من وزرائها في الحكومة، في حين جاء حديث حسن خريشة نائب رئيس المجلس التشريعي حول ضرورة التفكير في هذا المسار لتعيده إلى الواجهة من جديد، لكن طرحه من قبل رئيس الوزراء إسماعيل هنية جعله أكثر أهمية، لاسيما حين سانده في الطرح وزير المال السابق وعضو المجلس التشريعي عن كتلة الطريق الثالث، سلام فياض، فيما لقي ردود فعل متباينة من قبل نواب عن حركة فتح، وإن عارضه لاحقاً الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

بدايات طرح الموضوع

"
بعد عملية السور الواقي تبين أن الواقع الجديد لا يقدم خدمة للفلسطينيين بقدر ما يشكل خدمة رائعة للاحتلال. صحيح أن واقع السلطة لم يشكل حلاً لمعضلة الاحتلال وقدرته على إخضاع الفلسطينيين، لكنه أخرجه بالتدريج من كابوس انتفاضة الأقصى
"
دخلت هذه القضية دائرة النقاش منذ ربيع العام 2002، إثر عملية السور الواقي التي اجتاحت من خلالها القوات الإسرائيلية مناطق الضفة الغربية التي كانت قد أعادت انتشار جيشها خارجها قبل ذلك بأعوام على دفعات متتالية، وكان التصنيف السائد للمناطق حينها ينقسم إلى مناطق (أ) و (ب) و (ج) حيث تخضع مناطق (أ) لسيادة السلطة الفلسطينية، أما (ب) فتخضع لسيادة مشتركة، في حين تخضع (ج) للسيادة الإسرائيلية.

منذ ربيع العام 2002 فقدت مناطق السلطة الفلسطينية الميزة الوحيدة التي كانت تتمتع بها منذ نهاية سبتمبر/ أيلول عام 2000، تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى، والمتمثلة في توفير ملاذ آمن لخلايا المقاومة، في حين سكت الناس عن واقع السلطة الفاسد والبائس في آن، على أمل أن تفضي المقاومة المسلحة من خلال انتفاضة الأقصى إلى تغيير شروط اللعبة، والوصول إلى تسوية جديدة ودولة كاملة السيادة على الأراضي المحتلة عام 1976.

بعد عملية السور الواقي تبين أن الواقع الجديد لا يقدم خدمة للفلسطينيين، بقدر ما يشكل خدمة رائعة للاحتلال. صحيح أن واقع السلطة لم يشكل حلاً لمعضلة الاحتلال وقدرته على إخضاع الفلسطينيين، لكنه أخرجه بالتدريج من كابوس انتفاضة الأقصى، لاسيما بعد الشروع في بناء الجدار، وبالطبع في انتظار نشوء واقع سياسي عربي وإقليمي جديد يسمح بتنفيذ مشروع شارون للحل الانتقالي بعيد المدى، والذي حمل لاحقاً مسمى فك الارتباط أحادي الجانب، وكان مشروع احتلال العراق هو المعوّل عليه في تهيئة الأجواء للوضع الجديد.

مصطلح احتلال ديلوكس
في هذا السياق خرج إلى العلن مصطلح "احتلال ديلوكس" أو احتلال فاخر بحسب الترجمة العربية، أو الاحتلال النظيف، بحسب اللغة السياسية، وكان أول من استخدمه هو الكاتب اليساري ميرون بينيفستي في شهر شباط/فبراير 2003، أي بعد أقل من عام على عملية السور الواقي، وفي ظل استمرار الحصار على الرئيس الفلسطيني في مبنى المقاطعة بمدينة رام الله. وقد خرج الكاتب بمقالته إثر قرار تعيين رئيس الوزراء محمود عباس ومصادقة المجلس التشريعي الفلسطيني عليه، وبالطبع بناء على الضغوط الدولية الرامية إلى تحجيم صلاحيات الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قبل أن يؤخذ قرار اغتياله وينفذ بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين ثم عبد العزيز الرنتيسي.

في وصف ما يسميه الاحتلال الديلوكس قال بينيفستي "في الوقت الذي تقسم فيه الضفة الغربية إلى خمسة كانتونات والحركة بينها مشروطة بسلسلة تصاريح تعسفية. في الوقت الذي تغلق فيه 580 مدرسة لأن ربع مليون تلميذ وآلاف المدرسين لا يمكنهم الوصول إليها بسبب خضوع مئات الآلاف لحظر التجول، وفي ظل انهيار أجهزة السلطة والإغاثة، وتدهور الوضع الاقتصادي نحو الكارثة. أليس لنواب الشعب الفلسطيني ما يفعلونه سوى الانشغال بصلاحيات رئيس الوزراء؟".

يضيف الكاتب "من الصعب انتقاد الفلسطينيين الذين يفرض عليهم ضعفهم ويأسهم التمسك بكل قشة، ولكن عليهم أن يفهموا بأن البحث والتعيين والاحتفال لا يخدم إلا حكومة إسرائيل، فليس صدفة وبشكل مفاجئ أن تعاملت محافل إسرائيلية مع السلطة وكأنها دولة ذات سيادة".

والسبب -بحسب الكاتب- هو تطوير وهم السلطة السيادية التي لها رئيس للوزراء "للتغطية على طابع الاحتلال العسكري المباشر الذي اتخذته إسرائيل في أعقاب حملة السور الواقي".

"
إسرائيل حولت احتلالها للأراضي الفلسطينية خلال السنوات العشر الأخيرة إلى "احتلال ديلوكس" ليس من ناحية ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني منها، ولكن من ناحية الطريقة المريحة التي تُدير بها هذا الاحتلال
"
إنه "احتلال ديلوكس" يضيف بينيفستي "يتحلل فيه المحتل من كل مسؤوليته عن مصير السكان المحتلين، ويكون معفى من كل النتائج الناجمة عن أعمال الردع الفظيعة والعقاب الجماعي التي يقوم بها جهاز بيروقراطي كامل يمارس طريقة العصا والجزرة: ضغوط اقتصادية، تصريح مرور، حظر تجول ومنع خدمات وعقوبات للرافضين، وكل شيء انطلاقاً من الاستناد إلى وجود السلطة الفلسطينية ومحافل الدعم الخارجي التي لا يمكنها رؤية شعب كامل يتضور جوعاً ولهذا فهي تساعده قدر المستطاع".

بعد مقال بينيفستي بثلاثة أعوام، وتحديداً في يناير/ كانون الثاني 2006 عاد شلومو غازيت، وهو مدير الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي سابقاً، إلى استخدام ذات المصطلح "احتلال ديلوكس" وفيه شرح واقع الاحتلال بصيغته القديمة مقابل الصيغة الجديدة.

يصف غازيت الصيغة القديمة بالقول إنه خلال 30 عاما أقامت إسرائيل حكما عسكرياً "متوازنا" إلى حد ما في المناطق، فمن ناحية كانت تهتم لأوضاع السكان؛ لحياتهم وأعمالهم وتقديم ما ينقصهم، ومن الناحية الثانية كانت دؤوبة في بسط قوتها والحفاظ على الأمن الإسرائيلي.

المسؤولية الإدارية كانت قبل كل شيء تعني ضرورة وجود إدارة تنظيمية ومصادر تمويل لتنفيذ ذلك، وإسرائيل هي التي مولت وزاراتها المختلفة بالأموال اللازمة لمكاتب الإدارة المدنية التي كانت تُعنى بأوضاع السكان المحليين واحتياجاتهم، والإدارة الإسرائيلية هي التي فعّلت وأدارت المؤسسة التعليمية الفلسطينية وكذلك الصحية "وهي التي تقوم بشق الطرق وصيانتها وحرصت على تزويد المناطق بالمياه والكهرباء وغيرها من الاحتياجات الضرورية للحياة والاستمرار".

بحسب غازيت، فقد كانت جميع هذه المعطيات تؤخذ في الاعتبار عند كل قرار عسكري يتخذ، أما الصيغة الجديدة للاحتلال فيصفها غازيت بالقول "إن الحكم العسكري قد انتهى، رسمياً، لكن الاحتلال العسكري بقي حتى الآن ولم ينته".

وإسرائيل تواصل العمل والنشاط في المناطق المحتلة. وهي تفعل ذلك الآن من دون حدود ومن دون أي رادع، إضافة إلى ذلك، فقد حولت إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية خلال السنوات العشر الأخيرة إلى "احتلال ديلوكس" ليس من ناحية ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني منها، ولكن من ناحية الطريقة المريحة التي تُدير بها هذا الاحتلال. فالأجهزة الأمنية تعمل بحرية في المناطق، وهي تقوم بعملياتها العسكرية من دون رادع، ولا تأخذ في الحسبان إلا مصالحها العسكرية فقط، دون حساب لأية معطيات أخرى، ولا تعمل على أن يكون هناك توازن بين الضرورات العسكرية من جهة وبين مصالح وحياة السكان من ناحية أخرى".

خيار حل السلطة وكلفته على الاحتلال

"
في سياق الكلفة الأمنية والاقتصادية التي سيدفعها الإسرائيليون في حال حل السلطة تنهض الكلفة السياسية كجانب بالغ الأهمية، إذ سيعود الاحتلال إلى وجهه القذر القديم، ذلك الذي تخلص منه بعد نشوء السلطة حين صار الصراع بين دولتين وليس بين احتلال وشعب محتل
"
من المؤكد أن فكرة حل السلطة قد راودت بعض القادة الفلسطينيين، ومن بينهم ياسر عرفات نفسه، لكن اعتبارات كثيرة حالت دون ذلك، ولا يعرف ما إذا كان تفكير عرفات في هذا الاتجاه، إذا كان فكر فعلاً، قد دفع إلى التسريع في قتله، وقبل ذلك محاولة الانقلاب العسكري عليه عبر مجموعة محمد دحلان، وبدعم من محمود عباس في ذلك الوقت.

سيناريو حل السلطة وبعض حيثياته لخصه الكاتب الإسرائيلي يهودا ليطاني في صحيفة يديعوت أحرونوت (2/ 10/2003) من خلال سؤاله "ماذا يحصل إذا أعلن ياسر عرفات ذات صباح عن حل السلطة الفلسطينية؟" وقد وصفه الرجل بأنه "السيناريو الكابوس".

يعدد يهودا ليطاني المشاكل التي ستترتب على الإسرائيليين من جراء حل السلطة وأولها اضطرار "الجيش الإسرائيلي إلى البقاء هناك لزمن غير محدد، ما يعني أن عليه -إضافة إلى المهمات الأمنية العادية- أن يقوم بـ "حماية رجال الحكم الإسرائيلي الذين سيتولون مسؤولية إدارة جهاز التعليم والإغاثة والمواصلات والمياه والكهرباء والبلديات". وبالطبع، فإن ذلك سيتطلب "إيجاد التمويل للنشاط المدني الذي تقدر كلفته بعشرة مليارات شيكل (حوالي 2.7 مليار دولار) في السنة على الأقل".

في سياق الكلفة التي سيدفعها الإسرائيليون تنهض الكلفة السياسية كجانب بالغ الأهمية، إذ سيعود الاحتلال إلى وجهه القذر القديم، ذلك الذي تخلص منه بعد نشوء السلطة حين صار الصراع بين دولتين، وليس بين احتلال وشعب محتل.

والأسوأ أن إحدى الدولتين بنظر البعض هي التي تمارس الإرهاب بحق الأخرى. أما الكلفة الاقتصادية فقد أشير إليها سابقاً، وتبقى الكلفة الأمنية، وحيث سيكون بوسع المقاومة استنزاف الاحتلال ورجاله العاملين في الإدارة المدنية، في مقاومة مشروعة أمام العالم أجمع دون الحاجة إلى التوجه إلى الأراضي المحتلة عام 48.

ما الذي يحول دون تنفيذ الفكرة؟
في سياق الإجابة عن هذا السؤال يقول ذات الكاتب (يهودا ليطاني) إن "تسع سنوات من الحكم قد فعلت فعلها، فالبيروقراطيون وكبار القادة يتلقون أجراً جيداً جداً ولن يتخلوا عنه بسهولة". ولا شك أن هذا المعطى ليس سهلاً على الإطلاق، فقد نشأت على هامش السلطة مجموعة من المافيات المنتفعة بالوضع الجديد من العسكريين والسياسيين الذين تحول بعضهم إلى رجال أعمال، وقد ارتبط هؤلاء بشبكة مصالح مع الاحتلال يصعب عليهم التخلص منها.

أما الذي لا يقل أهمية فهو ارتباط هؤلاء بدوائر دولية وعربية لا يمكن أن تقبل بحل السلطة وتوريط الاحتلال من جديد، وإذا كان الانحياز الأميركي الأعمى، ومعه الأوروبي، سيرد بقوة على مسار من هذا النوع، فإن الوضع العربي الرسمي، لاسيما مصر التي تشكل مرجعية السلطة ستعتبر أن في ذلك ما فيه من تصعيد لا يبدو مقبولاً بحال.

قد يرى البعض أن حماس متورطة في الإبقاء على الوضع القائم وهي لا تطرح فكرة حل السلطة بجدية، وقد يكون ذلك صحيحاً بالنسبة لبعض قادتها، لاسيما في قطاع غزة الذي يرى بعضهم أنه تحرر بشكل ما، الأمر الذي يعد إنجازاً للمقاومة لا يمكن التفريط به، لكن الأهم من ذلك هو أن حماس لا تملك التقرير وحدها في مسار من هذا النوع حتى لو أرادت ذلك، والسبب هو أن مفاصل السلطة وعسكرها وأمنها وإعلامها لا تزال بيد فتح، وهي تبعاً لذلك الوحيدة التي يمكنها تقرير مصير اللعبة، ومن دون توافق معها لا يمكن اتخاذ قرار من هذا النوع، لاسيما في ظل دعم بقائها من قبل الإسرائيليين والأميركان والأوروبيين، وحتى العرب، وبخاصة مصر التي تقف على الجانب الآخر من حدود القطاع.

هناك بالطبع الموقف الشعبي الذي لا يعرف مدى تفاعله مع خيار من هذا النوع، لاسيما في ظل وجود قطاع منتفع بالسلطة بشكل من الأشكال، فيما سيرى آخرون؛ بخاصة في غزة أنهم تخلصوا من الاحتلال وصار بوسعهم السفر دون إذنه ولا يريدون العودة إلى الواقع القديم.

وإذا قيل إن بالإمكان الحديث عن فصل مصير قطاع غزة عن الضفة الغربية، فإن ذلك سيكون متعذراً أيضاً، ليس لدلالاته السياسية فحسب، بل أيضاً لأن القطاع خاضع لسيطرة الاحتلال من البر والبحر والجو، فيما يحتاج موقف من هذا النوع إلى موافقة مصرية لا تبدو متوفرة في هذه المرحلة، أكان بسبب التراجع المصري أمام الأميركان على مختلف الأصعدة منذ ما يزيد على عامين، أم بسبب نفوذ حماس الواسع في القطاع، والذي لا يروق للقيادة المصرية كما هو معلوم لاعتباراتها الداخلية أيضاً.

القرار بيد حركة فتح

"
لو تجرأ قادة فتح على أخذ قرار حل السلطة بالتوافق مع حماس والقوى الأخرى، فما من شك في أن عمر الاحتلال سيغدو قصيراً، لكنه قرار يحتاج قادة لا يركبون الطائرات ولا يطلبون بطاقات (في آي بي) من المحتل، بل يتوقعون صواريخه في كل حين
"
خلاصة القول هو أن قرار حل السلطة وتوريط الاحتلال هو في جوهره بيد حركة فتح، ومعلوم أن توجهاً من هذا النوع سيتطلب من الحركة العودة إلى مربع حركة التحرر وترك مقعد حزب السلطة الذي أدمنته منذ عام 1994، مع العلم أنه فترة انتفاضة الأقصى ومشاركة بعض عناصر الحركة أو فئاتها في الفعل العسكري المقاوم لم يغير من طبيعتها كحزب سلطة بقي يمارس بيروقراطيته ويحمي فساده على النحو السابق.

لو تجرأ قادة فتح على أخذ قرار من هذا النوع بالتوافق مع حماس والقوى الأخرى، فما من شك أن عمر الاحتلال سيغدو قصيراً، أقله للأراضي المحتلة عام 67، إذ لن يتحمل المجتمع الإسرائيلي استنزافاً كالذي ستشكله المقاومة في ظل الوضع الجديد، وحيث سيفقد الجدار قدرته على منع المقاومة بسبب انتفاء الحاجة للذهاب إلى الأراضي المحتلة عام 48 من أجل استهداف العدو.

صحيح أن الكلفة على الفلسطينيين ستغدو أكبر من ذي قبل، لكن ذلك سيكون مؤقتاً في حال توحدوا خلف المسار المذكور وحصلوا على الدعم المطلوب، بل المتوقع من شارع عربي ناهض ومدجج بالثورة والغضب سيكون له تأثيره على مواقف الأنظمة من دون شك، وبالطبع في ظل ثورة إعلامية واسعة تضع الحدث في قلب العالم الإسلامي، بل العالم أجمع.

سيقول البعض إن بالإمكان الحديث عن سلطة مقاومة بدل حل السلطة، وهو أمر ممكن بالطبع، حتى لو كان أقل نجاعة من الناحية السياسية والعسكرية، لكن من يرفضون ذاك الخيار سيرفضون هذا أيضاً ما داموا ضد العسكرة ومع المفاوضات حتى لو استمرت إلى يوم الدين.

خيار حل السلطة وتوريط الاحتلال هو الأفضل من دون شك، لكنه يحتاج قادة لا يركبون الطائرات ولا يطلبون بطاقات (في آي بي) من المحتل، بل يتوقعون صواريخه في كل حين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك