صلاح‏ سالم

بعض اللحظات التاريخية قد تمنح قوة ما أو حركة بعينها دورا يفوق كثيرا حجمها إذ تصير رمزا إلى معنى خاص أو معلم على مرحلة بذاتها لدى جماعة إنسانية ما. وفى العقدين الأخيرين، انتزع حزب الله دورا يفوق حجمه في الصراع مع إسرائيل فاحتل مكانة عالية في وجدان الشعوب العربية التي سئمت من طول الانكسار وحرمت من أن تقول للمعتدى الغاشم "لا" بأية طريقة مهما كانت خجولة أو عاقلة، حتى جاء الحزب ليقولها نيابة عن الجميع.

لذا لا يجب أن نتركه وحده في خندق المواجهة بلا سند حتى لو كان قد ارتكب جريمة الشجاعة أو خطيئة العزة، فلا يجب أن ينهزم وبأي ثمن لأن الهزيمة هنا تجاوز حدود الحرب والسياسة وربما العقل إذ تعنى باختصار هزيمة الروح العربية، بقدر ما هي إذلال لكل دول المنطقة وحكامها كبيرها قبل صغيرها.

"
أعطت حماس "الخيار المصري" أولوية ولكنها أبقت على فرص الخيار الثاني "السوري المدعوم إيرانيا"، لكن الخيار المتشدد فرض نفسه وحدثت كل التطورات الأسوأ تقريبا

"
نقول ذلك ليس من أجل إعلان حرب يحلو للبعض وصم التيار الفكري العربي الرافض للأمر الواقع الإسرائيلي-الأميركي بالرغبة فيها أو السعي إليها ليسهل بذلك وضعه في الزاوية والانهيال عليه بحزم من الاتهامات التي لا تبدأ بالعسكرة ولا تنتهي عند اللاعقلانية، بل من أجل الوصول إلى أكثر الطرق عقلانية وفعالية في مواجهة المآسي الإنسانية التي تطبق على الشعوب العربية في العراق وفلسطين ولبنان، وتكاد تمزق الشخصية العربية في كل مكان. أو حتى من أجل الحفاظ على حيوية "إستراتيجية السلام" التي كانت المنظومة العربية بقيادة المحور الثلاثي "مصر وسوريا والسعودية" قد تمكنت في العقدين الماضيين من التوافق حولها، غير أن عدم رغبة إسرائيل في إقرارها، وعجز المحور الثلاثي العربي عن حمايتها من التآكل قد عرضها إلى تحديين جديدين يدفعان بهذا المحور نفسه إلى حافة التفكك، وبالمنطقة كلها إلى حافة الفوضى:

التحدي الأول:
جسدته حركة حماس منذ نجاحها في تفجير مفاجأة الفوز بالانتخابات التشريعية، إذ كان واضحا أنها تراوح بين خيارين يجسد كلا منهما أحد أطراف هذا التوافق.
الخيار الأول يمكن تسميته بـ"الخيار المصري" المدعوم سعوديا وكان يدفع بحماس نحو الاعتدال صوب الالتزام بموروث أوسلو الشامل على النحو الذي يجعل منها استمرارا لفتح بشكل أو بآخر، ويعمل على إدماجها في المعادلة الإقليمية بشكلها الراهن.

ويأخذ هذا الخيار المرن اتجاهين أساسيين كان احتمال كلا منهما يتوقف على مدى فعالية الدبلوماسية المصرية والعربية، وعلى مرونة العقل السياسي الإسرائيلي، وكذلك على وعى الإدارة الأميركية.

أولهما نحو الخضوع للسقف المنخفض الذي تمكنت السياسة الإسرائيلية في عهد شارون من أن تفرضه على الجميع بعد أحداث 11 سبتمبر، والذي كانت الولايات المتحدة قد قبلت به للمطالب الفلسطينية المشروعة منذ حكم اليمين الجمهوري قبل خمس سنوات، أي أنه يقوم على مجرد استبدال "حماس" بـ"فتح" في وراثة خريطة الطريق أو ما هو أقل من صيغ الحل أحادى الجانب وهو اتجاه يفقد حماس كل مشروعيتها.

وثانيهما يرفع هذا السقف قليلا أو كثيرا بما يسمح بالعودة إلى دفق سيناريو أوسلو السابق على شارون ويقترب من "إستراتيجية" السلام العربية القائمة على الدولتين كاملتي السيادة، وعلى الشراكة السياسية بين طرفين متكافئين يتبادلا الاعتراف والحقوق وخصوصا المتعلقة بوضع القدس، واللاجئين، والمستوطنات وتواصل الأراضي الفلسطينية وهو اتجاه يقود إلى إنجاح حماس.

أما الخيار الثاني فيمكن تسميته بـ"الخيار السوري" المدعوم من إيران وهى طرف خارج المحور ولكنه بالغ التأثير في تفاعلاته. هذا الخيار يدفع نظريا بحماس إلى التشدد بالخروج على موروث أوسلو كله، وعلى المعادلات الأميركية الحاكمة لتفاعلات الإقليم، والصدام من ثم مع النظام الدولي في شكله الراهن.

وفى المقابل نمو الارتباط بين القضية الفلسطينية وبين القضايا الأخرى في الإقليم مثل الصراع على حزب الله في لبنان، والصراع الدائر بين سوريا والولايات المتحدة حول النظام نفسه أو هيكلته وسياساته على الأقل، والسجال المكتوم ولكن العميق بين المشروع الأميركي، والمشروع الوطني للعراق، وحتى الالتصاق بالقضية الأكثر اشتعالا وهى البرنامج النووي لإيران.

ويتصور منطقيا لهذا الخيار أن ينهى عملية التسوية في شكلها الراهن، ويرهن القضية الفلسطينية بتفاعلات عديدة على نحو يصبح معه السلام مؤجل، والعنف محتمل على الجانبين.

"
الصراع بين حزب الله وإسرائيل كشف الدور الذي يلعبه الحزب في الحياة اللبنانية وهو دور لم يثر انقساما شعبيا أو رسميا مثلما حدث مع الأزمة الراهنة التي أثارت تحفظات رسمية كشفت عنها الانتقادات المصرية السعودية

"

وفى الحقيقة أعطت حماس لـ "الخيار المصري " أولوية تبدت ملامحها  بزيارة السيد خالد مشعل للقاهرة في أول جولة خارجية له، ولكنها في الوقت نفسه قد أبقت على فرص الخيار الثاني تحسبا للضغوط التي لاحقتها منذ الوهلة الأولى، وهو الأمر الذي تبدى في زيارة السيد خالد مشعل إلى إيران، ولقائه بالرئيس نجاد، والمرشد السيد على خامنئي.

وفيما تراوح حماس بين الخيارين في الشهور الستة المنقضية، فرض الخيار المتشدد نفسه وحدثت كل التطورات الأسوأ تقريبا، فقد قامت الولايات المتحدة بتجميد دعمها للسلطة الفلسطينية تماما، وكذلك نهجت أوروبا، كما قامت إسرائيل بوقف تحويلاتها المالية، واستبدالها بجرعات من العنف العسكري الشامل الموجة إلى الفلسطينيين قتلا وأسرا، مع خطاب سياسي يؤكد على أولوية النهج الشاروني القائم على الحل أحادى الجانب، مع شل حركة الفلسطينيين بالسيطرة على المعابر والموانئ، ما كان يعنى خنق حماس التي ردت بعملية اختطاف الجندي الإسرائيلي كهروب يائس إلى الأمام، وهى العملية التي أدت إلى احتقان مكتوم بين أطراف المحور الثلاثي العربي.

التحدي الثاني:
تمثل في الصراع المسلح بين حزب الله وإسرائيل والذي كشف عن سفور حالة الاحتقان هذه حول الدور الذي يلعبه حزب الله في الحياة اللبنانية، وفى مواجهة إسرائيل، وهو الدور الذي ظل موضع إجماع عربي ولم يثر انقساما لا شعبيا ولا رسميا مثلما حدث مع الأزمة الراهنة التي أثارت تحفظات رسمية كشفت عنها الانتقادات المصرية والسعودية لما اعتبرته مغامرة غير محسوبة تورط العالم العربي فيما لم يستشر فيه، وتفتقد للشرعية الداخلية إذ تمت من خلف رأس الحكومة اللبنانية، وهى مواقف بدت أكثر صراحة في انتقادها لحزب الله من مواقف الفرقاء اللبنانيين وخاصة قوى 14 آذار الذين كانوا -وحدهم- قد انقسموا حول حزب الله وسلاحه منذ اغتيال الرئيس الحريري، ولكنهم يظهرون -حتى الآن- تلاحما وطنيا ملحوظا.

وفى الحقيقة تبدو هذه الانتقادات غير منصفة، فما قام به حزب الله لم يكن إلا ردا على العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة ومحاولة لتخفيف الضغط عن حماس. وربما نستطيع أن نلاحظ هنا وجه شبه كبير بين هذا الدور، وبين ما كانت مصر قد قامت به في مايو1967 من مشاركة في عملية تصعيد سياسي أعقاب ما تسرب آنذاك من نية إسرائيل في الهجوم على سوريا وإعلان مصر أن العدوان على سوريا بمثابة اعتداء عليها نفسها يجعلها طرفا في الحرب وهو ما كان بالفعل، وكانت هزيمة يونيو التي جسدت ذروة الغفلة العسكرية لمصر، وقمة يقظتها السياسية في الوقت نفسه. فما قام به حزب الله إذا ليس أمرا غريبا على المنطقة ولا شاذا بل لعله الأمر الوحيد المستقيم مع منطق التاريخ وحقائق الهوية، وإن عابه فقط الاختلال المفرط في التوازن، وهو ما يدفعنا للتوقف عند ظاهرتين معبرتين بل ربما الأكثر تعبيرا عن المشهد السياسي العربي:

أولاهما تتعلق بعملية الوراثة التي قامت بها "النزعة الإسلامية" وسمها ما شئت "حركات، منظمات، إيديولوجيات" في ربع القرن الأخير، للفكرة القومية العربية التي حملت عبء النهوض بالعالم العربي والدفاع عنه في ربع القرن السابق عليه.

والثانية تتعلق بتآكل الإرادة السياسية العربية من فضاء الدول القومية إلى فضاء حركات المقاومة. وربما يكشف عن التطورين معا مجرد النظر إلى مسمى الفاعلين في الأزمتين السابقة "مصر الناصرية وسوريا البعثية"، والراهنة "حزب الله وحركة حماس" فالروح القومية تتقلص، وفى موازاتها تتقلص القدرة الإستراتيجية على الحركة، بينما يزحف الضغط الدولي والإقليمي إلى خطوط متقدمة وحدود خانقة. فما قامت وتقوم به إسرائيل في غزة وفى الجنوب اللبناني لا يمكن أن يكون مجرد رد فعل على خطف ثلاثة جنود، بل تنفيذ لمخطط مسبق ضد حزب الله لم يكن ينقصه سوى الذريعة المناسبة، أو ربما تدشين لمرحلة جديدة من الممارسة العدمية للقوة يحركها الشعور النرجسي بالقدرة اللا محدودة على العدوان. ومن ثم فما قام به حزب الله، وإن لم يكن قانونيا من منظور وطني ضيق وحسب شرعية دولية لم تعد تستحق اسمها، إنما يبقى دفاعيا "من المنظور القومي" الأوسع، وشرعيا "فرض كفاية" نيابة عن الأمة كلها، وما كان واجبا إدانته علنيا وهو تحت السلاح.

"
ما قام به حزب الله لم يكن إلا ردا على العدوان الإسرائيلي الوحشي على غزة ومحاولة لتخفيف الضغط عن حماس. وهناك وجه شبه كبير بين هذا الدور وما قامت به مصر في مايو/أيار 1967 بعد تسريبات عن نية إسرائيل في الهجوم على سوريا

"

وتبقى المهمة العاجلة على هذا الطريق هي العودة إلى التوافق بين طرفي المحور الآخذ في الانشطار حول إستراتيجية "مواجهة فعالة" تخفف الضغط عن حزب الله وتمنحه الدعم المادي والمعنوي المطلوب لصموده أو لخروج مشرف من الأزمة يبقى سلاحه ومجال انتشاره ودوره السياسي قضية لبنانية وطنية، ثم قومية عربية لا مجال للإرادة الإسرائيلية فيها.

وإذا كانت إيران حاضرة واقعيا في جانب الخيار السوري لحزب الله فلماذا لا يتم الحوار معها وصولا إلى تلك الإستراتيجية التي تعيد الاصطفاف تجاه القضايا المختلفة وتضع سقوفا معقولة يمكن الدفاع المشترك عنها، حتى لا تبقى إيران مثل "الفاعل الشبح" تطرح تأثيرها من داخل فضاء مظلم، ما يمنحها فرصة التأثير، ويعفيها من عبء الحساب.

ذلك أن أزمة العالم العربي الكبرى تكمن الآن في عجزه عن المناورة السياسية إزاء إيران وإسرائيل وتحوله إلى مجال حيوي لصراعاتهما، إذ يتعامل بشدة غير مبررة مع إيران لدرجة التجاهل، ومرونة زائدة مع إسرائيل لدرجة الخنوع.

وفيما تبدو سوريا ومن خلفها إيران مندفعتين أكثر من اللازم نحو التصعيد، فإن مصر والسعودية تبدوان حذرتين أكثر من اللازم وهو وضع من طبيعته أن يقود إلى تصارع بين الجانبين حول جل قضايانا الإقليمية، والأزمتان الدائرتان في فلسطين ولبنان نتاج لهذا التصارع بين الطرفين.

فإذا كانت أزمة حزب الله هي نتيجة لاندفاع إيران وسوريا، فإن أزمة حماس هي بالقدر نفسه نتاج لتردد مصر والسعودية وعجز الدبلوماسية المفرطة في الاعتدال عن إيجاد أي مخرج إنساني من دائرة العذابات التي يتجرعها الفلسطينيون، ولا شك أن هذه الأخيرة هي السبب المباشر للأولى لأنه كان متعذرا أن يلوذ الجميع بالصمت المريب إزاء ما يجرى في فلسطين، إلا إذا اعتبرنا أن حالات القتل الواسعة واليومية للأرواح والهجوم المدمر للبنى التحتية هناك وضعا مرغوبا فيه يستحق الدفاع عنه، أو أن الجميع قد قرروا التخلي عن الفلسطينيين نظريا وعمليا، وهنا يتوجب عليهم أن يعلنوا ذلك لأن له حديثا آخر.
_______________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة