عدنان السيد حسين

- أفخاخ للبنان
- الحرب الدبلوماسية
- بدء الحرب أسهل من وقفها

بعد مرور شهر على الحرب الإسرائيلية لا يوجد حل سياسي في الأفق الإقليمي والدولي.

ومما لا شك فيه أن مجلس الأمن الدولي تأخر شهرا قبل إصدار القرار 1701 الذي توصلت إليه القوى الدولية (دائمة العضوية) وهو بمثابة اتفاق سياسي أو تصور سياسي لمستقبل العلاقات اللبنانية-الإسرائيلية، وربما لدول الشرق الأوسط كافة.

عجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار هو العلامة السوداء الفارقة في حياة الأمم المتحدة طالما أنه عجز عن القيام بمهمة حفظ السلم والأمن.

"
على لبنان أن يدفع ثمن الحرب الإسرائيلية السادسة عليه، تماماً كما دفع ويدفع الفلسطينيون أثمان الحروب المستمرة ضدهم بعدما سقط وهم الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة
"
أفخاخ للبنان

ومهما كانت التبريرات الأميركية التي ساقتها وزارة الخارجية حول ضرورات تنفيذ القرار 1559 وتجريد حزب الله من سلاحه، وعن ربط أي حل سياسي بتكوين قوة دولية تحقق أمن إسرائيل بمعزل عن أمن لبنان -البلد المنكوب- فإن الهيمنة الأميركية على قرارات المنظمة الدولية هي التي أخرت صدور القرار، وهي التي أعطت إسرائيل فرصة زمنية إضافية للتقدم برا، ولضرب الصمود اللبناني، هكذا جهاراً نهاراً، وعلى مرأى ومسمع المجتمع الدولي.

من يراجع مشروع القرار الفرنسي-الأميركي الذي أسس للقرار 1701 يلاحظ الأفخاخ المنصوبة للبنان ومقاومته معا.

وفي النهاية على لبنان أن يدفع ثمن الحرب الإسرائيلية السادسة عليه، تماماً كما دفع ويدفع الفلسطينيون أثمان الحروب المستمرة ضدهم بعدما سقط وهم الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.

من هذه الأفخاخ التي أشرنا إليها:

1- المساواة في الضحايا بين إسرائيل ولبنان، وبما يناقض تقارير المراسلين الإعلاميين والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وأعمال الإغاثة.

2- التأكيد على إطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين بدون قيد أو شرط، في مقابل إشارة ملتبسة إلى بحث ملف الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية في إطار تسوية ما. ولكن ما هي هذه التسوية، ومتى تتحقق؟

3- الدعوة إلى وقف الأعمال العدائية، وليست الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار. وهنا الخروج عن روح ميثاق الأمم المتحدة، وعن مهمات المنظمة الدولية ومجلس الأمن تحديداً.

4- ربط وقف إطلاق النار الدائم بحل بعيد المدى (كذا). وهذا يعني بوضوح استمرار القتال في جنوب لبنان، بل وعلى مساحة لبنان من أقصاه إلى أقصاه. إنها دبلوماسية القوة، وهل هي إطار ملائم للقواعد الدولية التي ارتضاها المجتمع الدولي؟

5- إلى ذلك، لا يدعو مشروع القرار إلى انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا، مع أن ثمة إشارة إلى ترسيم الحدود الدولية، وكأن الجيش الإسرائيلي في مزارع شبعا ومرتفعات الجولان هو جيش أممي وليس جيش احتلال.

6- دعوة إلى تنفيذ قراري مجلس الأمن (1559) لجهة نزع سلاح حزب الله، و(1680) لجهة ترسيم الحدود اللبنانية السورية. وهل تريد إسرائيل أكثر من ذلك؟

لذلك، رفضت الحكومة اللبنانية القرار الأميركي الفرنسي قبل تعديله بعدما أصر رئيس مجلس النواب نبيه بري على الرفض، وهو المفوض من حزب الله بالعملية التفاوضية.

هذا فضلا عن خلو المشروع من النقاط السبع التي حددها رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في المؤتمر الدولي الذي انعقد بروما، والتي تتلخص بوقف فوري لإطلاق النار، وتبادل الأسرى، وانسحاب إسرائيل من مزارع شبعا ووضعها في عهدة الأمم المتحدة مؤقتاً.

بالإضافة إلى إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب، وتوسيع عمل قوات الطوارئ الدولية (يونيفيل)، وانسحاب إسرائيل إلى ما وراء الخط الأزرق الذي تحدد بعد الانسحاب الإسرائيلي في سنة 2000، وهو خط وهمي يختلف عن خط الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين المكرس في اتفاقية الهدنة.

"
رئيس الحكومة الإسرائيلية أولمرت يتحدث عن شرق أوسط جديد ينسجم مع أطروحة وزيرة الخارجية الأميركية رايس حول "الوعد المشرق" بالشرق أوسطية وسط مخاض عسير

"
الحرب الدبلوماسية

ساند مؤتمر وزراء الخارجية العرب -ولو متأخر- الموقف اللبناني، وأيد في بيانه الختامي الموقف الموحد للحكومة اللبنانية، وانتدب وفدا منه للذهاب إلى مجلس الأمن في محاولة لإقناع أعضائه بإجراء تعديلات على مشروع القرار الفرنسي-الأميركي.

والواقع أن الموقف الفرنسي أخذ يبتعد نسبياً عن الموقف الأميركي، وتحديداً في مطلب وقف إطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.، كما اتخذت روسيا موقفاً أكثر وضوحاً بتبنيها النقاط السبع للحكومة اللبنانية.

وسط هذه الحرب الدبلوماسية، برزت ضغوط وضغوط مضادة، ضغوط أميركية على لبنان كي يقبل بالشروط الإسرائيلية وبينها على سبيل المثال عدم الانسحاب من مزارع شبعا، والتدخل في تشكيل القوة الدولية من حيث مهامها وولايتها ونطاق عملها الجغرافي.

وقد تصل هذه الضغوط إلى مرحلة دق إسفين بين فريق (14 مارس/آذار) وفريق (8 مارس/آذار)، بما يخفف من الصمود اللبناني.

تزامنت هذه الضغوط الأميركية مع قرار الحكومة الأمنية الإسرائيلية بتوسيع العمليات العسكرية براً حتى نهر الليطاني، وربما إلى ما هو أبعد من هذا الخط.

وهذا كله يحصل بينما يتمسك حزب الله بمقاومته ويفاجئ الإسرائيليين من الناحية الإستراتيجية.

في المجال الإقليمي، تتوالى الضغوط والضغوط المضادة، فوزير الخارجية السوري وليد المعلم يرحب بالحرب الإقليمية إذا ما قررت إسرائيل خوض الحرب، بينما ترفض الإدارة الأميركية طلباً إسرائيليا بفك العزلة عن دمشق وإجراء مباحثات معها بعد سنة ونصف السنة على سحب السفيرة الأميركية في دمشق مارغريت سكوبي.

أما المواقف الأوروبية فقد بدت أكثر مرونة عندما زار وزير الخارجية الإسباني ميغيل أنخيل موراتينوس العاصمة السورية وأعلن اتفاقه مع الرئيس السوري بشار الأسد على إشراك جميع الأطراف في الحل.

بيد أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك تراجع عن هذه المرونة عندما شكك في النيات السورية وتحدث عن غياب الثقة بينه وبين النظام السوري.

مشهد المد والجزر يتكرر مع إيران -المتهمة من دوائر الغرب بأنها تقف وراء دعم حزب الله في حربه- ومن البديهي أن يربط الأميركيون بين موقف إيران من عملية تخصيب اليورانيوم وموقفها الداعم لحزب الله.

هذا كله يحصل بينما يتحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية أولمرت عن شرق أوسط جديد بما ينسجم مع أطروحة وزيرة الخارجية الأميركية رايس حول "الوعد المشرق" بالشرق أوسطية وسط مخاض عسير.

"
إطلاق الرصاصة الأولى ممكن وسط تصور معين، بيد أن وقف الحرب يخرج عن هذا التصور مهما اكتسب صاحبه من القدرة الإستراتيجية على التخطيط
"
بدء الحرب أسهل من وقفها

بات واضحاً أن الحرب الإسرائيلية على حزب الله هي حرب على لبنان، باستكمال تدمير البنية التحتية، ومحاولة دق إسفين بين أطراف الحكومة اللبنانية، وبين الحكومة وحزب الله.

وتجد هذه الحرب تأييدا من الإدارة الأميركية، لا بل يمكن القول إن هذه الحرب هي حرب أميركية أيضا.

في المقابل، يبدو الاضطراب أكثر في المواقف الأوروبية، وفي المواقف العربية الرسمية بينما يتجه الشارع العربي إلى مزيد من حسم موقفه، موقف المؤيد لصمود لبنان، والرافض لتصنيف حزب الله بأنه حزب طائفي، إيراني، إرهابي.

هذا ما دفع الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى أن يتحدث عن تطور الموقف العربي بسرعة، بعدما لا حظ التحركات الشعبية وخاصة في القاهرة.

إمكانيات صمود حزب الله عسكريا ما تزال متوفرة، بينما يبحث الجيش الإسرائيلي عن مخرج من أزمته الإستراتيجية، ويبحث أولمرت عن مخرج سياسي لحكومته.

وقد تنبه المعلق العسكري الإسرائيلي زئيف شيف لهذه الأزمة محذراً من الغرق في الوحل اللبناني كما حصل في العام 1982.

فهل ستصمد الحكومة اللبنانية أمام الضغوط الأميركية، والأوروبية وهي التي ترنحت منذ سنة تحت وطأة التجاذب الداخلي، وما ولده اغتيال الرئيس رفيق الحريري من نتائج مدمرة داخليا وإقليميا؟

ثم كيف ستتجه مواقف الحكومات العربية إذا ما استمرت آلة الحرب الإسرائيلية بدك لبنان على الرغم من صدور القرار 1701، بينما يطالب المتظاهرون في عواصم الغرب بوقف فوري لإطلاق النار؟

هذه الحرب تؤكد كسابقاتها أن إطلاق الرصاصة الأولى ممكن وسط تصور معين، بيد أن وقف الحرب يخرج عن هذا التصور مهما اكتسب صاحبه من القدرة الإستراتيجية على التخطيط. وهكذا حال النتائج السياسية.
__________________
كاتب لبناني

المصدر : الجزيرة