إبراهيم أبو الهيجاء

الأبعاد السياسية
شرعية العملية
من أجل نجاح أكبر للعملية
التخبط الإسرائيلي
الموقف الأميركي متناغم
موقف عربي رسمي أكثر من ساكت

أكدت عملية "الوهم المتبدد" أنها الورقة الرابحة للمقاومة الفلسطينية فمن جهة أصبح الجميع يخطب ود حماس، ومن جهة أخرى أصبح التوافق -وليس ضغوط الاستفتاء- هو الحل الفلسطيني لبلورة برنامج إجماع بحده الأدنى، ومن جهة ثالثة أبانت العملية حدود تعلق "حماس" بالسلطة والفصل العضوي بين التزاماتها كمقاومة ضد الاحتلال وواجباتها كمقاومة ضد الفساد.

ورغم صعوبة هذا الفصل بين المقاومة وحكومة المقاومة، فإنه يستوجب ذلك وإلا خسرت حماس الحكومة والمقاومة معاً,  لأنها إن ضغطت على المقاومة فأفرجت عن الجندي لاعتبارات موقعها الجديد ألغت بذلك الهامش الضيق والمهم ببن واجبات المقاومة ضد العدوان والتزامات السلطة ضد الفساد، بل إن هذا سيورطها ويؤكد الدعايات الإسرائيلية أنها دولة إرهابية وأن العمليات العسكرية تقع ضمن صلاحياتها.

بل عندها قد تدفع الحكومة الفلسطينية أثمان كل ذلك في كل عملية مقاومة، ولكن هذا لا يعفي الحكومة من حماية المقاومة سياسيا لأنها انتخبت على أساس برنامج واضح، لكن سيكون من الخطأ أن تتدخل الحكومة في الأبعاد الزمنية والأمنية والعسكرية للمقاومة.

"
لم تأت عملية الوهم المتبدد دون أبعاد سياسية مبررة، بل هي بامتياز عملية مسيسة وواعية ليس فقط لأهداف الردع التي اقتضتها، وإنما أيضا للقراءة السياسية الصحيحة للأوضاع الفلسطينية
"
الأبعاد السياسية
في كل الأحوال لم تأت العملية دون أبعاد سياسية مبررة، بل هي بامتياز عملية مسيسة وواعية ليس فقط لأهداف الردع التي اقتضتها، وإنما أيضا للقراءة السياسية الصحيحة للأوضاع الفلسطينية وذلك لأنها:

1- إمعان إسرائيل في معاقبة الشعب الفلسطيني على خياره من خلال تجويعه ومساومته على لقمة عيشه وحليب أطفاله.

2- مبالغة إسرائيل في العدوان ولاسيما ضد النساء والأطفال، الأمر الذي أدى إلى استشهاد أكثر من 80 وجرح العشرات في ثلاثة أسابيع فقط.

3- استنفاذ التهدئة منطقها قبالة العنجهية الإسرائيلية والنفاق العربي الرسمي والدعم الأميركي اللامحدود.

4- دفع الفتنة الفلسطينية من المرمى الداخلي إلى العدو الخارجي.

شرعية العملية
زاد من قوة شرعية هذه العملية أنها جاءت ضد جنود وفي موقع عسكري، وهذا برأينا يخرس الأصوات التي طالما قللت من فاعلية المقاومة الفلسطينية بذريعة اتكائها على صواريخ لا تقتل، أو ادعائها أن العمليات في العمق الإسرائيلي تضعف منطق المقاومة الفلسطينية.

ورغم أن المتمسكين بوثيقة الأسرى يعلمون أنها تنص على واجب المقاومة مع تركيزها في حدود الـ67، ولكن هاهم مع أول اختبار لهذا المنطق فإنهم يتعاملون مع الوثيقة بانتقائية فهم الآن يطالبون بإطلاق سراح الجندي المسكين وينددون بالعملية التي لم تتجاوز خطوط وثيقة الأسرى.

وهذا يدلل على أنهم قصدوا بوثيقة الأسرى توريط حماس في فخ الموافقة على تنازلات مجانية وأن مقصدهم حول المقاومة لا يتعدى المقاومة الكلامية ربما! وحتى الأسرى الذين جرت المتاجرة بقضيتهم قبل أيام يرفض اليوم المتاجرون بمنطق مقايضة الجندي المخطوف بهم بدعوى الحرص على المواطنين في قطاع غزة, وهذا يكشف بوضوح النفاق الممارس سياسياً.

وحتى أولئك الذين يتحدثون عن ضرورة استشارتهم في أعمال المقاومة ونوعيتها بموجب الحوار الفلسطيني يرفضون أن يسألهم أحد عن أسباب العناق والكلام الذي تفوه به الرئيس محمود عباس في لقاء البتراء,  وكأنهم الأوصياء على القضية الفلسطينية بينما لا تملك حماس الفائزة بأغلبية عظمى في الانتخابات التشريعية البوح برأيها في استفتاء كان يراد له تقديم اعتراف مجاني بإسرائيل، مع أن الأخيرة تعلن كل يوم أن وثيقة الأسرى لا تعنيها.

بالعموم لم يعد هناك شيء تخسره "حماس" فقد حاولت خوض غمار السلطة لتصلح سياسيا وإداريا وأعطت هدنة كافية، ولكن كل ذلك قوبل بالجحود والنكران والتآمر الكبير، وهذا لا يسري فقط على حماس بل على الشعب الفلسطيني برمته فها هو يقتل أطفاله وتغتصب أرضه وتهود قدسه ويجري حصاره ومعاقبته على قراره الانتخابي.

فماذا بعد مصادرة الحرية والكرامة من خسارة؟ وعليه فعدوان إسرائيل لقطاع غزة لن يزيد من الخسارة شيئا، بل ربما سيكون مفيداً في كشف أهداف المحاصرين لخيار الشعب الفلسطيني، وسيؤدي إلى تراجع منطق إسرائيل الأحادي تجاه الأرض كما يخطط له أن يكون في الضفة تحت ما يسمى "خطة التجميع"، كما أن إسرائيل تدرك أن غزة ليست سمكاً سهل الاصطياد خاصة مع تكدس كل أنواع السلاح فيها، ما سيؤدي بإسرائيل إلى رمال متحركة تغرق المركب بمن فيها.

"
من أجل نجاح أكبر للعملية لا بد من رفض
الوساطة الضاغطة ولاسيما العربية والفلسطينية التي ستهتم فقط بتسجيل إنجازات لموقعها وليس للشعب الفلسطيني
"
من أجل نجاح أكبر للعملية
بالعموم عملية الوهم المتبدد كانت ناجحة بامتياز وعلى عملية المقايضة أن تتم بامتياز، ولا يتأتى ذلك إلا بالاتعاظ من تجارب الاختطاف الفاشلة والناجحة والأخذ بكافة أسباب النجاح وأهمها:

1- احتفاظ المقاومة بالمخطوف وعدم تسليمه بالمجان مهما كانت الأكاذيب والضغوط التي ستقال وستسرب أو ستنقل.

2- رفض الوساطة الضاغطة ولاسيما العربية والفلسطينية التي ستهتم فقط بتسجيل إنجازات لموقعها وليس للشعب الفلسطيني.

3- قبول أي دور دولي يريد بلورة صفقة ويجب هنا التركيز على سجناء المؤبد ولاسيما قادة الفصائل العسكريين.

4- يجب فصل المتفاوضين عن حيثيات مكان الجندي المخطوف والتي يفترض أن تكون بالحدود الدنيا جداً.

5- يجب التوضيح لإسرائيل عواقب اجتياحها لغزة على حياة الجندي.

6- تجب بلورة رأي فلسطيني متفاعل مع الحدث من أهالي الأسرى خصيصا وتالياً الشهداء ومعاقي الانتفاضة وفي كل المحافظات الفلسطينية لخلق ضغوط متوازنة مع الضغوط الإسرائيلية المقابلة.

7- من المفيد هنا أن تمارس الحكومة والفصائل الفلسطينية حماية سياسية لمنطق ومشروعية الخطف ردا على الخطف الإسرائيلي.

"
الإجراءات الإسرائيلية الجديدة ستؤدي إلى انهيار خدمات السلطة وربما انهيارها هي -وهذا ما لم تأسف عليه حماس- وستقطع الطريق على جدوى خطة أولمرت التجميعية، وبالمقابل فإن حماس ستزداد شعبيتها وسيعذرها شعبها أنها حاولت ولكنها أفشلت بالقوة 
"
التخبط الإسرائيلي
ولا يدل رد الفعل الإسرائيلي إلا عن تخطيط مسبق عجلته عملية الأسر وإفرازات الحوار الوطني التي انتهت بتوافق كاد يؤدي إلى حكومة وحدة وطنية.

فاقتحام قطاع غزة أعلن عنه مراراً ، ومخطط اعتقال الوزراء والنواب ليس جديداً وكان هو الحلقة الأخيرة والمؤكدة في إجراءات حصار حماس وإجبارها على التنحي عن الحكم أو إعلانها الاستسلام لشروط الإذلال الدولية.

إذا فالمخطط الإسرائيلي كان يهدف بالأساس إلى تقويض حكم "حماس" بعد أن يئس من طول صمودها وصبرها وتنامي التكيف الدولي والمحلي على وجودها. كما استطاعت حماس أن تفكك قليلا من ألغاز الحصار عليها، فاستوعبت التهديد الداخلي فأنجزت وقامت بتعديل وثيقة الوفاق الوطني بما لا يضر ثوابتها، واستخدمت أوراق المقاومة في صد العدوان الدموي، وعمدت إلى إدخال الأموال عبر معبر رفح، وحتى ما أتت به آلية الرباعية من حلول مالية كان مؤشرا على تبيان الموقف الدولي إزاءها، ولذا كان المخطط الإسرائيلي سريعا وتمثل بالتالي:

- استهداف قطع الطريق على حماس، فمن جهة أراد المخطط قطع الطريق على استثمار حمساوي لوثيقة الوفاق وحكومة الوحدة وبالتالي شرعية المقاومة الفلسطينية.

- ربط حماس بمنظومة الإرهاب وخلط أوراقها السياسية بالأمنية ووضع أجهزتها السياسية بالعسكرية.

- دفع حماس لمقايضة الوزراء والنواب (الأسرى الجدد) بالجندي المخطوف لإضعاف حماس حول الجندي وإبراز قدرة الردع الإسرائيلية التي تضررت كثيرا بفعل انسحابها من جنوب لبنان وقطاع غزة.

- إعادة رسم خارطة قطاع غزة بما يؤدي إلى تقسيمها وشل قدرة الفلسطينيين على تهديد المدن الإسرائيلية القريبة من الصواريخ التي لا تملك إسرائيل إزاءها أي حل.

كل ذلك يؤكد التخبط الإسرائيلي وقصر نظره السياسي، وهذا يدلل على ضعف خبرة الحكومة الإسرائيلية الجديدة والتأكيد أن إسرائيل ليس لديها حلول سياسية باستثناء جرعات القوة المطردة إذا اعتبرت حلا فعلا.

فمن جهة ستؤدي هذه الإجراءات الإسرائيلية الجديدة إلى انهيار خدمات السلطة وربما انهيارها -وهذا ما لم تأسف عليه حماس- وستقطع الطريق على جدوى خطة أولمرت التجميعية التي منحته أصلا الثقة الانتخابية، وبالمقابل فإن حماس ستزداد شعبيتها وسيعذرها شعبها أنها حاولت ولكنها أفشلت بالقوة.

والاعتقالات ضدها لن تضيرها لأن معظم وزرائها ونوابها تعرضوا مسبقا ومرارا لمثل هذه الظروف، وهذا بالمناسبة سيعقد مسألة تفاوض حماس مع إسرائيل حول الجندي الأسير لأن غياب قيادة الصف الأول واجتياح قطاع غزة سيدفع بالجيل الثاني الشبابي الذي ستكون شروطه أكثر تشدداً، ولن يدفع ذلك بحماس نحو مقايضة هزيلة في إطلاق الجندي قبالة إطلاق الوزراء والنواب، لأن حماس ستظهر أمام الشعب الفلسطيني أنها حركة أنانية ومتكالبة على سلطة أصلا هزيلة.

"
قانون حماس الأميركي يؤكد فقدان الولايات المتحدة صبرها على حكومة حماس, وهذا سيؤكد للجميع أن لا فائدة من تغيير الحكومة في النظرة الأميركية لأن المطلوب هو إسقاط الشرعية التي أتت بحركة حماس وليس فقط الاكتفاء بإفشالها من الداخل
"
الموقف الأميركي متناغم
الموقف الأميركي المنحاز بامتياز لإسرائيل لم يبرر لها فقط ما تفعله من عدوان جديد واغتيال فاضح للديمقراطية الفلسطينية، بل إنه سبق ذلك بإصدار قانون تحت مسمى "قانون حماس". وقد كشف القرار الأميركي الجديد الحسم الواضح لمشروع أميركي كان متردداً في داخل الأروقة الأميركية بين تيار يستعجل إسقاط حكومة حماس وآخر يريد إنضاج الظروف الإقليمية والفلسطينية لفعل ذلك.

ولكن هذا الحسم يؤكد فقدان الولايات المتحدة صبرها على حكومة حماس، وهذا سيؤكد للجميع أن لا فائدة من تغيير الحكومة في النظرة الأميركية لأن المطلوب بنظرها هو إسقاط الشرعية التي أتت بحركة حماس وليس فقط الاكتفاء بإفشالها من الداخل ووضعها تحت مقصلة ضغوط مستمرة، وهذا الجهد يتقاطع مع الضغط الإسرائيلي العسكري والأمني الجديد. هذا التناغم الواضح يؤكد انتقال المعركة بين حماس وأعداء نجاحها من محاولات الإسقاط بنقاط التراكم إلى محاولة إسقاطها بالضربة القاضية.

العبرة الأخرى والمهمة من قانون حماس الأميركي هو إماطة اللثام الأميركي عن خطط "الحرية والإصلاح" التي برر باسمها احتلال العراق، ليكشف القانون الجديد أن الولايات المتحدة لا تقيم للحريات وزنا وهي لا تبغي إلا إصلاحا مفصلا على مقاسها، وهذه لطمة مهمة في وجهة العلمانيين المناصرين للنموذج الأميركي من العرب، فحتى لجنة الانتخابات الفلسطينية وحسب القانون الجديد يجب أن تكون خالية من أنصار حماس.

باختصار ما أتى به القانون الأميركي الجديد ليس جديدا على السياسة الأميركية، وهذا يؤكد للمراهنين على هذه السياسة من الفلسطينيين حتى في خفض سقف الانحياز أنهم سائرون إلى سراب، وعلى الشعب الفلسطيني أن يعتمد على خياراته وصموده والتمسك بشرعيته في كل الظروف ومهما كانت الضغوط، لأن المعركة باتت مكشوفة وما يجري ضد حماس حرب على الحقوق الفلسطينية بالوجه الآخر، لأن المقصود أبعد من حماس والمستهدف هو الشعب والقضية برمتها.

موقف عربي رسمي أكثر من ساكت
الموقف العربي الرسمي لا يكف عن التطوع لدور وسيط يكسبه بعض الود لدى الولايات المتحدة، فمن جهة عمدت كل الوساطات العربية إلى الإفراج عن الجندي بدون ثمن، بينما لم يتفوه أي منها بشيء إزاء الجرائم الإسرائيلية السابقة. بل والأنكى أن مصر عمدت إلى نشر 2500 جندي استجابة للطلب الإسرائيلي الخائف من نقل الجندي خارج قطاع غزة، وهم بالطبع غير آسفين على اعتقال الديمقراطية الفلسطينية لان نجاح حكومة حماس كان سيكلفهم الكثير داخليا.

لذا يجب السكوت لأن المصالح متقاطعة، وسقوط المراهنة الأميركية على إصلاح يؤدي إلى إسلام أميركي يسعدهم أيضا، وشراكتهم بالحصار ضد حكومة حماس كان معروفاً من قبل، بل حتى تهديد سوريا بطائرات أف-16 مجددا لم يفعلوا شيئا إزاءه، ما يدل أن الفعل العربي وصل إلى الحضيض.

فهو من قبل ضحى بالعراق واليوم هو يجدد أن يضحي بفلسطين ولن يفعل شيئا لو جرى احتلال الدول العربية واحدة تلو الأخرى، لذا لا مراهنة فلسطينية عليه.

وأخيرا فإن عملية الوهم المتبدد جرت بامتياز عسكري وسياسي ويمكن أن تتوج بتسجيل نجاح إستراتيجي للمقاومة الفلسطينية بالإفراج عن أسرى فلسطينيين إذا ما جرت إدارة الأزمة أمنيا وسياسيا بذكاء وضمن جغرافيا آمنة وشديدة السرية.

"
الرد الإسرائيلي المتوهم والفعل الأميركي الحليف والرد العربي المتقاطع مع مخطط تقويض حكم حماس لن يكسر إرادة الشعب ولا مقاومة حماس وإنما سيعزز هدم المعبد على الجميع
"
وأعتقد أن مؤشرات الإعلان عن أسر الجندي ولاحقاً المطالبة بأثمان حتى حول أي معلومات عنه تشكل نجاحا في إدارة هذه الأزمة، وبرأيي أن إسرائيل تدرك من عمليات الأسر السابقة أن المقاومة لن تتردد في قتل الجندي إذا تعرضت حياتها للخطر أو لم تلب إسرائيل أيا من مطالبها، سواء الثمن السياسي حيث يستوجب فك الحصار أو الثمن الإنساني حيث يستوجب إطلاق سراح أسرى ولاسيما أصحاب المؤبد وليس فقط النساء والأطفال.

أما الرد الإسرائيلي المتوهم والفعل الأميركي الحليف والرد العربي المتقاطع مع مخطط تقويض حكم حماس، فلن يكسر إرادة الشعب ولا مقاومة حماس وإنما سيعزز هدم المعبد على الجميع, فالتسوية بهذا المخطط تكون قد أسقطت بيد أبنائها، وحصار حماس زادها قوة لأنها أفشلت ولم تفشل.

وجلاء مشروع المقاومة يخدم هدفها التحريري الدائم ولن يضيرها التضحية بهدف إصلاح السلطة المؤقت، وهي بذلك تكون قد أكدت للجميع أنهم لا يريدون الشعب الفلسطيني بمقاومته الإيجابية حيث يريد حقوقه المغتصبة، ولا بالمقاومة السلبية حيث يريد إصلاح الفساد الذي أنتجته معادلة التسوية من قبل.
ـــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة