حسن السرات

الملكية لا يعلى عليها
استطلاع مثير للجدل
أوراق الداخلية
التحالف بين "الإسلاميين" و"الاتحاديين"
فرص وتهديدات "العدالة والتنمية"

مع بداية العد العكسي لانتخابات 2007 التشريعية بالمغرب ازدادت درجة الحرارة في المشهد السياسي والحزبي، وأخذ كل طرف يقلب الحسابات ويفك ألغاز المعادلات ويعدد من المناورات لتمهيد الطريق أمام فوز مبين. وإذا كان حزب العدالة والتنمية في قلب جميع الحسابات والمعادلات، فإن الطرف الأكثر حرصا على دقة الحساب وسلامة النتائج هو الملكية المغربية.

الملكية لا يعلى عليها
راكمت الملكية المغربية خبرة طويلة في ضبط ميزان القوى السياسية والتحكم في ساحة التنافس الحزبي والسياسي منذ فترة ما بعد الاستقلال، مع بروز منافسين ألداء للحكم سواء كانوا وطنيين أو ذوي ولاء للخارج.

ورغم نص الدستور المغربي على التعددية الحزبية والسياسية فإنه أحاط الملكية بحصن حصين وصل حد تقديسها، وضمن لها مكانة الأقوى والأعلى حتى لا يقوى ولا يستقوى عليها فتعلو ولا يعلى عليها. ويعتبر الملك الراحل الحسن الثاني نموذجا ناجحا في هذا المجال.

واتخذت الملكية وسائل متعددة للحفاظ على قوتها ومركزيتها في الحياة السياسية المغربية ولجعل الأحزاب طرائق قددا: وسائل جمعت بين الترغيب والترهيب، والتجميع والتشتيت، وشق الصفوف، وتكثير الأجنحة المتكسرة، وزرع الألغام والمتفجرات في طريق أي قوة صاعدة.

"
اتخذت الملكية وسائل متعددة للحفاظ على قوتها ومركزيتها في الحياة السياسية للمغرب جمعت فيها بين الترغيب والترهيب، والتجميع والتشتيت، وشق الصفوف، وتكثير الأجنحة المتكسرة
"
ويكفي أن نقوم بإحصاء بسيط جدا لعملية تفريخ الأحزاب وتوالدها خاصة عند اقتراب موسم الانتخابات لإدراك لعبة الشطرنج وأحجارها المغربية.

وقد نجحت الملكية في هذا حتى مع أعتى خصومها السياسيين اليساريين -المتطرفين منهم والمعتدلين- الذين استطاعت إنهاك قواهم وتشتيت تياراتهم. ولما دالت دولة الاتحاد السوفياتي آثر الحسن الثاني إدماج حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الحكم داخل ساحة مضبوطة سلفا ليقضي على آخر ما تبقى لديهم.

وكانت له في ذلك مآرب أخرى منها قطع الطريق على الإسلاميين وترويضهم بخصومهم الأيديولوجيين التاريخيين.

استطلاع مثير للجدل
في فبراير/شباط 2006 أجرى مركز أميركي مقرب من الإدارة الأميركية الحالية -هو المعهد الجمهوري الدولي (إيري)- استطلاعا بالمغرب حول نوايا التصويت في عام 2007، وحصل بموجبه حزب العدالة والتنمية على 47% من الأصوات، ما سيجعله حسب الاستطلاع قطب المعارضة، في حين حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 17% وحزب الاستقلال على 12%.

ولم يصدر أي رد فعل حول الاستطلاع من قبل الذين علموا بنتائجه وحصلوا على نسخة منه مبكرا مثل أمناء بعض الأحزاب ومسؤولين في الدولة المغربية. غير أن ظهور النتائج في الأسبوعية المغربية الناطقة بالفرنسية "لوجورنال إيبدومادير" يوم 18 مارس/آذار 2006، أشعل جدلا سياسيا وصحافيا مثيرا أشبه ما يكون بعاصفة هستيرية من النخبة السياسية وقسم من المجتمع المدني.

أما السلطة المخزنية فدأبت على الاشتغال من وراء الحجب، بتوظيف بعض الأحزاب وتحريك بعض المنظمات، فضلا عن أجهزتها الخاصة التقليدية منها والحديثة.

بعض وسائل الإعلام المقربة من وزارة الداخلية نادت بالويل والثبور وعظائم الأمور متهمة الولايات المتحدة بالتدخل في الشؤون الداخلية لفائدة الإسلاميين.

ذلك أن الاستطلاع يضع السلطات المغربية أمام مشكل مزدوج حسب تصريح دبلوماسي أوروبي مقيم بالمغرب رفض الكشف عن اسمه، "فالذين أنجزوه قريبون من إدارة الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش مع كل ما يعنيه هذا الأمر، ولكنه لا يترك لتقنيي وزارة الداخلية المغربية سعة من هامش للتدخل إذا كان في نيتهم التحكم في نتائج صناديق الاقتراع لانتخابات 2007".

أوراق الداخلية
لما رأت السلطات المغربية في نتائج الاستطلاع والكشف عنها نوعا من قبول الإدارة الأميركية بوصول الإسلاميين إلى الحكومة سعت للإمساك بزمام الأمر، فدعت الأحزاب إليها للاستماع إلى آرائها بخصوص نمط الاقتراع المفضل: أهو الاقتراع باللائحة كما حدث في الانتخابات الأخيرة، أم الاقتراع الأحادي أو الفردي كما دأبت على ذلك وزارة الداخلية في كل الانتخابات التي ظلت تتحكم فيها.

"
تفضل الداخلية الاقتراع الفردي لأنه يمكنها من التحكم في دفة الانتخابات بطرق مباشرة وغير مباشرة، أو عن طريق ما سمي في انتخابات سابقة بالحياد السلبي، فكان رجالها يتركون الحبل على غاربه أمام سماسرة الأصوات وسوق البيع الانتخابي بالجملة والتقسيط
"
وإذا كان حزبا العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي قد اختارا الاقتراع باللائحة لأنه يقطع الطريق على شراء الأصوات والتزوير، فإن الأحزاب الأخرى تفضل العودة إلى نمط الاقتراع القديم رغم أنها كانت من أقوى المدافعين عن الاقتراع باللائحة حينما نوقش وصوت عليه في البرلمان لأول الأمر.

وفي حالة العودة إلى الاقتراع الفردي فإن أي حزب لن يكون بإمكانه تجاوز 22% من الأصوات وفق ما تنقله الصحيفة عن عبد الله ساعف الوزير السابق والمناضل اليساري، وبذلك ستكون الخريطة السياسية مبلقنة.

الداخلية نفسها تفضل الاقتراع الفردي لأنه يمكنها من التحكم في دفة الانتخابات بطرق مباشرة وغير مباشرة، أو عن طريق ما سمي في انتخابات سابقة بالحياد السلبي، فكان رجالها يتركون الحبل على غاربه أمام سماسرة الأصوات وسوق البيع الانتخابي بالجملة والتقسيط.

ومن الأوراق التي تراهن عليها وزارة الداخلية ورقة التحالفات والتحكم فيها حتى لا تكون في صالح الإسلاميين وتمكن من عزلهم. ففي الوقت الذي لا يتحمل فيه القصر استحواذ حزب ما على الأغلبية، خاصة إذا كان إسلاميا أو يساريا، فإن أقوم الطرق لقطع الطريق على حزب العدالة والتنمية هي الوقوف إلى جانب أحزاب الحركات الشعبية ورص صفوفها لتشكيل قطب منافس ضد حزب العدالة –أو أي حزب آخر- ومنعه من التحالف معه، وقد نجحت وزارة الداخلية في مسعى قطع الطريق قبل عام تقريبا حين لاحظت التقارب بينهما.

لكن كتلة الحركتين الشعبيتين ضعيفة وغير منسجمة وقابلة للانفجار في أي لحظة، ولا تعول عليها الداخلية المغربية كثيرا. وقد تلجأ الداخلية إلى تجميع كل الأحزاب اليمينية -أو الإدارية حسب التعبير المتداول- ليكونوا جميعا ضد الإسلاميين.

وفي معسكر اليسار يجد حزب الاتحاد الاشتراكي نفسه في وضعية حرجة للغاية ولم تتضح أمامه الرؤية بعد، فالحزب أدى ثمنا غاليا من سمعته وقوته أثناء تقلده مهام قيادة حكومة التناوب ومشاركته في الحكومة الحالية، ثم إن رفاق محمد الساسي المنتظمين في الحزب الاشتراكي الموحد -وهم الذين خرجوا من الاتحاد غاضبين منذ قبوله المشاركة في الحكومة- قد يخطفون أصوات اليسار من فم الاتحاد الاشتراكي.

وبهذا يصبح حزب محمد اليازغي في منزلة لا يحسد عليها، فلا هو قطف ثمار المشاركة في الحكومة ولا هو حافظ على صدارة المعارضة. وهذا بالإضافة إلى المناورات المتكررة لقطع الطريق على أي تحالف بينه وبين حزب العدالة والتنمية.

"
لا يتردد الاتحاد الاشتراكي في نصح العدالة والتنمية بترك الدين بعيدا عن الحكومة والبرلمان والانتخابات, في حين أن الأخير يؤاخذ الاتحاد على محاربته للدين والتدين وتبني علمانية تقزم الإسلام وتنفيه بعيدا
"
التحالف بين الإسلاميين والاتحاديين
عرفت العلاقات بين الاتحاد الاشتراكي والإسلاميين تاريخا حافلا بالتوترات والصراعات والخلافات التي تبدأ بالعقيدة وتنتهي بالسياسة.

وكثيرا ما تصاعد الخلاف حتى وصل إلى الحرب الكلامية ثم الحرب العضلية في جنبات الجامعات وقبة البرلمان وعلى صفحات الصحافة وشاشات التلفزيون.

وإذا كانت الحرب قد أصبحت باردة وفقدت أوارها، فإن بعض المجالات لم تضع أوزارها ولم تعرف بعد وقف إطلاق النار، خاصة مجال التربية الوطنية حيث يوجد الوزير الاشتراكي الحبيب المالكي، وحيث التدافع على أشده حول مادة التربية الإسلامية والسعي إلى التقليص منها استجابة لضغوط أجنبية متعلقة بتغيير مناهج التربية والتعليم لتجفيف منابع "الإرهاب".

ويؤاخذ "الاتحاد الاشتراكي" على "العدالة والتنمية" بأنه يستغل الدين في النزال السياسي، بل يتهم جزءا من الحركة الإسلامية، أي منظمة الشبيبة الإسلامية ورئيسها عبد الكريم مطيع الموجود خارج المغرب منذ نحو ثلاثة عقود، بالمشاركة في اغتيال الزعيم الاتحادي عمر بن جلون في سبعينيات القرن الماضي.

ولا يتردد الاتحاد الاشتراكي في نصح العدالة والتنمية بترك الدين بعيدا عن الحكومة والبرلمان والانتخابات، في حين أن الأخير يؤاخذ الاتحاد على محاربته للدين والتدين وتبني علمانية تقزم الإسلام وتنفيه بعيدا.

فكرة التقارب ثم التحالف بين الحزبين لها أنصار داخل هيئات "العدالة والتنمية" و"الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية". ولا يزال المراقبون السياسيون وأعضاء الحزبين، يتذكرون الأيام الأولى لتكليف الملك الراحل الحسن الثاني الكاتب العام للاتحاد الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي تشكيل أول حكومة للتناوب، إذ قال اليوسفي مجيبا عن سؤال إشراك حزب العدالة والتنمية في الحكومة المنتظرة "إنه حليف موضوعي".

وتجد فكرة التقارب ثم التحالف أشد صعوباتها داخل الهيئتين بسبب التاريخ القريب الحافل بالمواجهات والسجالات، وبسبب أصوات الرفض المتعالية داخل الحزبين.

وإذا ما استطاعت الهيئتان التغلب على "أصوات التطرف والرفض" حسب تعبير قياديين داخل الحزبين، فإن المشهد السياسي المغربي سيعرف زلزالا كبيرا في حالة التقارب والتحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الاتحاد الاشتراكي.

لكن الزلزال لن يقع لأن السلطات المغربية ستبذل كل ما في وسعها وستخرج كل أوراقها للحيلولة دون التفاهم بين "الإخوة الأعداء".

فرص وتهديدات "العدالة والتنمية"
ليس لحزب العدالة والتنمية رصيد من الكسب السياسي المتراكم، بل هو حزب مبتدئ في هذا المجال سواء من حيث البعد الذاتي أو من خلال المقارنة مع الأحزاب الأخرى.

فهذا الحزب وريث للحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي أسسها الدكتور عبد الكريم الخطيب، والتي ظلت أكثر من عقدين من الزمان عازفة عن العمل السياسي بسبب الفساد والتزوير.

وفي غمرة بحث الإسلاميين المؤسسين لحركة التوحيد والإصلاح المؤمنين بالمشاركة السياسية عن إطار قانوني لنشاطهم السياسي، وجدوا في حزب الخطيب الحل والمأوى.

لكنهم انهمكوا في إحياء الحركة من حالة العزوف والجمود عن طريق أعضائها وتفعيلهم وبذلوا في ذلك جهدا جهيدا. وعندما نقوم بعملية حسابية بسيطة من تطبيق حركة التوحيد والإصلاح لخيار المشاركة عبر انخراط أعضائها في حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية (قبل أن يصبح اسمه العدالة والتنمية) منذ العام 1996، يتبين أن عمر التجربة قصير جدا.

ولعل هذه هي أهم حجة يسوقها دعاة التأني والتمهل المؤيدون للتريث في تحمل المسؤولية الحكومية المرتقبة بالإضافة إلى الحجج الدستورية.

ولعل وطأة الانتخابات المقبلة والاستعداد لها أشد على حزب العدالة والتنمية منها على الأحزاب الأخرى، إذ إن هذا الحزب يشهد خلافا على الصعيد الداخلي بين الميالين للتحالف مع حزب الاتحاد الاشتراكي والرافضين لهذا التحالف مقابل التحالف مع حزب الاستقلال أو حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يمور باطنه بالخلاف أيضا.

وطالما ردد حزب العدالة والتنمية أنه لن يحسم في أمر التحالف إلا بعد ظهور النتائج الانتخابية وليس قبلها، ومن خلال مجلسه الوطني وليس من خلال أمانته العامة.

"
اللعبة السياسية بالمغرب تجري في ملعب مرسوم الحدود منخفض السقف تحت أعين باريس وواشنطن، والتعلم لا يبدأ من الأقسام العليا وإنما من الأقسام الدنيا، كما أن حرق المراحل قد يأتي بما لا تشتهيه السفن
"
وقد عبر عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية مصطفى الرميد بكل وضوح وبساطة عن الحصيلة المجنية من التجربة السياسية والبرلمانية للحزب بقوله إن "التجربة البرلمانية أكدت لنا أننا لا يمكننا تحريك الأشياء عن أماكنها، فالبرلمان مؤسسة ضعيفة، ونحن لم يصوت علينا الناس لنكون تلاميذ مهذبين لا يتغيبون عن أي دورة برلمانية.

لقد اختارنا الناس لتحسين أحوالهم وأحوال بلدهم.. وإذا كان البرلمان الحالي لا يتيح هذا الأمر فينبغي علينا أن نكاشف الناس بهذا، ونتوجه صوب الطريقة المثلى في الإصلاح ألا وهي الإصلاح الدستوري الذي يمنح للمؤسسة التشريعية صلاحيات حقيقية. ومن الواضح أن مستقبلنا الانتخابي رهين بهذا".

إذا كان أكبر نجاح حققه حزب العدالة والتنمية هو تجاوز تداعيات تفجيرات الدار البيضاء عام 2003 التي لا تزال تلقي ببعض ظلالها عليه، فإن أكبر خطأ في مسار الحزب -حسب رأي بعض المراقبين- هو تركيزه الكبير على الانتخابات التشريعية وبذل الجهد للحصول على فريق برلماني عريض، وتفويت الفرصة في الانتخابات الجماعية التي تتيح تقديم الخدمات الاجتماعية والبنيوية والثقافية والاقتصادية للفئات الشعبية والبقاء على مقربة منها ومن تطلعاتها، فضلا عن الاطلاع المباشر على الملفات الحقيقية وتكديس تجربة سياسية حقيقية قد لا تتحقق تحت قبة البرلمان ولا في مكاتب الوزارات.

فاللعبة السياسية بالمغرب تجري في ملعب مرسوم الحدود منخفض السقف تحت أعين باريس وواشنطن، والتعلم لا يبدأ من الأقسام العليا وإنما من الأقسام الدنيا، كما أن حرق المراحل قد يأتي بما لا تشتهيه السفن.
_________
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة