الطيب بوعزة

كاتب مغربي


- تفسيرات متباينة
- تزييف الحقائق
- تصدير المشكلة اليهودية

تطرح "الصهيونية" كمصطلح الكثير من الإشكالات الدلالية، فهي أولا لفظ اصطلاحي نحته الصحفي اليهودي ناثان برنباوم سنة 1890 في مقالة له نشرها في مجلة "التحرر الذاتي"، ثم استعاده مرة أخرى في كتاب له بعنوان "الإحياء القومي للشعب اليهودي في وطنه كوسيلة لحل المشكلة اليهودية" سنة 1893.

وكان نحته للمصطلح استجابة نظرية لواقع فعلي يتمثل في ظهور مجموعة من التنظيمات اختارت كلمة "صهيون" اسما لها مثل جمعية "أحباء صهيون"، فضلا عن الإكثار من استخدام الكلمة في شعارات وخطابات وكتب رجالات الفكر الصهيوني أواخر القرن التاسع عشر.

"
التغييب المقصود للشعب الفلسطيني فيه إنكار للحق التاريخي والوجودي للشعب الفلسطيني في أرضه، وتزييف للواقع حيث يصور فلسطين على أنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض!
"

تفسيرات متباينة
إن نحت المصطلح، وتشكل الحركة الصهيونية وابتداء نشاطها العملي، واحتلالها لفلسطين، كل ذلك سيفتح الباب أمام جهود معرفية لتحديد دلالته، جهود ستنتهي إلى اقتراح تفسيرات وتعريفات متنوعة ومتباينة.

فإذا كان واضع المصطلح الصحفي برنباوم يعرف الصهيونية بوصفها "نهضة سياسية لليهود تستهدف عودتهم الجماعية إلى أرض فلسطين، مؤكدا من الناحية التنظيمية "أن الصهيونية هي إقامة منظمة تضم الحزب القومي السياسي، بالإضافة إلى الحزب ذي التوجه العملي "أحباء صهيون" الموجود حاليا، فإن مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل يعرفها بكونها "حركة الشعب اليهودي في طريقه إلى فلسطين".

والمشترك بين هذين التعريفين هو تغييب مقصود للنتيجة الفعلية لعملية تهجير اليهود من "الشتات" إلى فلسطين، لأن تحريك اليهود نحو فلسطين ينتج عنه بالضرورة تهجير الشعب الفلسطيني إلى خارجها.

وهذا التغييب إنكار للحق التاريخي والوجودي للشعب الفلسطيني في أرضه، وتزييف للواقع حيث يصور فلسطين على أنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض!

وهو المضمون ذاته الذي سيكرسه وعد بلفور عند حديثه عن إعطاء فلسطين لليهود بوصفها وطنا قوميا لهم، حيث تم نعت الشعب الفلسطيني داخل نص الوعد بالجماعات غير اليهودية ولم تتم تسميته بالشعب الفلسطيني!

لنتأمل هذه الفقرة من الوعد: "إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف. وليكن مفهوما بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق أو الأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى".

وإذا كان من المفهوم أن يغيب مؤسس الحركة الصهيونية الشعب الفلسطيني، وإذا كان من المفهوم أيضا الحرص على هذا التغييب في نص وعد بلفور، لأنه النص المؤسس لتفويت فلسطين من قبل بريطانيا للصهيونية، فإن المستغرب هو حضور هذا التصور الصهيوني في مختلف التعريفات المتداولة دون أدنى حس نقدي يكشف أغاليطه وزيفه.

"
المشروع الصهيوني قائم على الوعي بأن المسألة اليهودية إشكال داخلي أفرزه المجتمع الأوروبي، وأن حل هذا الإشكال لا يكون بحركة من اليهود بل بحركة ودعم من القوى الإمبريالية الأوروبية أساسا
"

تزييف الحقائق
في أشهر الموسوعات الفرنسية (encyclopédia universalis) ورغم وجود بعض الحس النقدي الذي يحضر باحتشام في بعض مقاطع مقالة "صهيونية sionisme"، نلاحظ أن تعريف الموسوعة للمصطلح ارتكز على النظر إلى الصهيونية بوصفها حركة لحل المشكلة اليهودية (مشكلة الشتات، وما أصاب اليهود فيها من اضطهاد).

وفي طبعة عام 1943 من موسوعة "دائرة المعارف البريطانية" تم تعريف الصهيونية بأنها "رد فعل لليهود على اللاسامية الأممية".

والموسوعة البريطانية بهذا التحديد تستحضر جوهر المشروع الدعائي الصهيوني الذي عمل ولا يزال على ابتزاز دول العالم بحجة الاضطهاد الذي مورس على اليهود في أوروبا، والتغطية على فعلها الاستعماري وإبادة وإجلاء الشعب الفلسطيني من أرضه.

وكأن اليهود هم وحدهم الذين تضرروا من الحرب العالمية الثانية أو كأن هذا الاضطهاد الذي مورس عليهم من قبل الألمان يسوغ لهم تكرار الجريمة ذاتها ضد الآخرين!

أما في طبعة 2000 من الموسوعة البريطانية فنقرأ تعريفا خطيرا للصهيونية، بلغ في تزييفه للحقائق التاريخية، وخضوعه للرؤية الصهيونية، حد تسمية فلسطين بـ"أرض إسرائيل".

بل تستخدم الموسوعة اللفظ العبري لتعميق هذا المعنى، مقدمة كل ذلك وكأنه من المسلمات التي لا خلاف عليها! حيث جاء في الموسوعة: "الصهيونية حركة يهودية قومية تستهدف إنشاء ودعم دولة لليهود في فلسطين "إرتز يسرائيل" (أرض إسرائيل بالعبرية).

وهكذا نلاحظ أن الموسوعة في جملة واحدة تكرر أرض إسرائيل ثلاث مرات بترادف وتكرار!

وبناء على ما سبق يتضح أن التعريفات التي قدمتها الموسوعتان الفرنسية والبريطانية، تغيب على نحو مقصود الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، الأمر الذي يؤكد خضوع أكبر الموسوعات الغربية للرؤية الصهيونية والقيام بدعاية لها.

وبمراجعة التعريفات السابقة نلاحظ أنها تلتقي كلها عند القول إن الحركة الصهيونية انبعاث يهودي، وإنها حركة عودة إلى وطن هو عبارة عن أرض بلا شعب.

وهذا القول تعبير عن التصور الصهيوني وإشهار له تحت ماكياج سميك من مزاعم الأكاديمية والموضوعية.

ولتحليل وكشف أوجه زيف هذا التصور الساكن في العقل الغربي نأخذ التعريف الهرتزلي للصهيونية الذي يختزل حقيقة الموقف الصهيوني الذي هو في نهاية الأمر التعريف الذي كررته تلك الموسوعات ومططته في عبارات تتنوع في صيغ التعبير وتتفق في المضمون.

واستحضار تعريف هرتزل وتحليله ونقده مناسبة لاستحضار لمختلف محددات التصور الصهيوني ونقده.

يقول هرتزل في تعريفه للصهيونية: إنها "حركة الشعب اليهودي في طريقه إلى فلسطين" وهو التعريف الذي أخذت تكرره مختلف الأدبيات الخاصة بالمسألة الصهيونية، حتى غدا شكلا من أشكال الحقائق البدهية التي لا ينبغي أن تخدش بمراجعة أو نقد، بينما هو تعريف يناقض المشروع الهرتزلي نفسه!

يقوم هذا المشروع على وعي بأن المسألة اليهودية هي إشكال داخلي أفرزه المجتمع الأوروبي، وأن حل هذا الإشكال لا يكون بحركة من اليهود بل بحركة ودعم من القوى الإمبريالية الأوروبية أساسا.

"
التعريف الصهيوني للصهيونية تعريف مغلوط ومخادع، وهو بفعل شيوعه داخل الموسوعات الأكاديمية يسهم في تغييب الوعي العالمي وتشتتيت رؤيته إلى حقيقة الظاهرة
"
تصدير المشكلة اليهودية
والحقيقة أن الحركة الصهيونية ليست حركة الشعب اليهودي بل هي تحريك لليهود! إنها تحريك لهم من قبل النظام الرأسمالي الأوروبي لتصدير المشكلة اليهودية إلى خارج المجال الترابي الأوروبي، مع استغلال الكم الديمغرافي اليهودي لأغراض استعمارية.

ولم تكن الصهيونية لتتحول إلى حركة ثم إلى دولة دون الدعم الأوروبي، لأن العودة الجماعية لليهود إلى فلسطين مخالفة للديانة اليهودية.

ولم يكن بإمكان الفكر الصهيوني أن يتشكل، ولم يكن بإمكان الفكر الحاخامي الصهيوني أن يوجد مع إيهودا القلعي، وزيفي كاليشر وغيرهما إلا بفعل التحولات الحاصلة في الاجتماع الأوروبي وأهمها التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي نقل أوروبا الغربية من النمط الإقطاعي إلى النمط الرأسمالي.

ومع فشل التحول الاقتصادي في أوروبا الشرقية تكاثرت الهجرات اليهودية من شرق أوروبا إلى غربها، الأمر الذي سيؤسس لفكرة التخلص من اليهود بتوظيفهم كقوة استعمارية.

فالتحول إلى الرأسمالية هو انتقال من اقتصاد الأرض إلى اقتصاد الصناعة والسوق، وهو اقتصاد يتطلب أمرين أساسيين: الأول المواد الخام، والثاني سوق لتسويق المنتوج. وهذا ما سيدفع الرأسمالية الأوروبية إلى أن تتحول إلى قوة استعمارية.

وفي سياق هذا التحول ستظهر الحركة الصهيونية التي تلاقي في البداية معارضة من داخل الجماعات الدينية اليهودية، وكذا من اليهود الغربيين المندمجين في المجتمع الأوروبي الغربي، لكن ضعف الخلافة العثمانية، ثم انهيارها سيدفعان بريطانيا إلى تنزيل مشروعها التجزيئي للعالم الإسلامي، وزرع دولة صهيونية يهودية في مفصله الجغرافي المحوري، أي منطقة فلسطين!

ثم إن تعريف هرتزل، مثله مثل التعريفات الصهيونية المتداولة، يغيب الشعب الفلسطيني، فتحريك الشعب اليهودي في اتجاه الاستيطان في فلسطين له في المقابل نتيجة إجرامية، تتمثل في تحريك شعب آخر هو الشعب الفلسطيني إلى خارج أرضه، وهو التحريك الذي تسعى الأيديولوجية الصهيونية إلى إخفائه والتغطية عليه.

وقد تجسدت أساليب هذا التحريك الإجرامي أحيانا على شكل إبادة جماعية كما هو الحال في دير ياسين وكفر قاسم.. بل وملاحقة الشعب الفلسطيني حتى في الأراضي المجاورة لإرهابه ليمعن في الابتعاد عن فلسطين، كما حصل في صبرا وشاتيلا في لبنان.

وبناء على ما سبق نلاحظ أن التعريف الصهيوني للصهيونية تعريف مغلوط ومخادع، وهو بفعل شيوعه داخل الموسوعات الأكاديمية يسهم في تغييب الوعي العالمي وتشتيت رؤيته إلى حقيقة الظاهرة.

وهذا ما يستوجب منا في مقالنا المقبل إعادة بناء المفهوم وتصحيح دلالته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك