صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


تعتبر العقلانية أحد الأسس التي قامت عليها الحضارة الغربية سواء في ما يتعلق بتأسيس المعرفة أو بفصل السياسة عن الدين وهذا المعنى الأخير هو الذي نتج عنه ما يعرف بالعقلانية السياسية الغربية.

أما العقلانية السياسية العربية فإنها تجد -كما يبدو- أسبابها ومرجعياتها في البنى الاجتماعية, فهذه البنى أدت إلى ظهور نوعين من الذهنية هما الذهنية الفردية والذهنية العصبية ولكل منهما عقلانيته.

"
وحدة الأمة المتمثلة في وحدة المقصد والمصير هي التي تحدد معايير عقلانيتها وهي التي بواسطتها يستطيع الفرد أو العصبة أن يحكم على مدى عقلانية تصرفاته وأفعاله
"

لا شك أن هاتين العقلانيتين لهما جذورهما في تربة التراث العربي, ولكنهما في ظل ظروف تاريخية معينة كان اشتغالهما يتم في إطار عقلانية أخرى يعتبر تجاوزها وقوعا في المحرمات.

هذه العقلانية العليا هي عقلانية الأمة في معناها الديني أو القومي فكل ما يتصل بالأمة يعلو في غالب الأحوال على ما يتصل بالفرد أو بالعصبة والعشيرة باعتبار أن كل ما هو صالح للأمة لا يمكن أن يكون ضارا بالفرد أو العصبة.

فولاء الفرد اليومي يتجه إلى العصبة ولكن ولاءه للأمة يقع في مرتبة أعلى لأن معنى الأمة يمثل بالنسبة إليه, الدين والدنيا معا فهي تجسد كل القيم الروحية والمادية كما أن معظم قيم العصبة مستمدة من قيم الأمة.

فما هو محرم في مفهوم الأمة محرم أيضا في مفهوم العصبة بصرف النظر عن الخروق التي تحدث وهى استثناءات تؤكد المبدأ ولا تنفيه.

العمل من أجل مصلحة الفرد والعصبة يظل مشروعا إلى أن يتعارض مع مصلحة الأمة التي على ضوئها يتم تحديد معنى المنفعة العامة والضرر العام.

فوحدة الأمة المتمثلة في وحدة المقصد والمصير هي التي تحدد معايير عقلانيتها وهي التي بواسطتها يستطيع الفرد أو العصبة أن يحكم على مدى عقلانية تصرفاته وأفعاله.

فمبدأ وحدانية الأمة وعقلانيتها كان دائما خلف حل الكثير من الصراعات التي تنشب بين الزعامات في حالات الفتن فهناك حدود لا يمكن تبرير تجاوزها حسب مفهوم العقلانية الفردية أو العصبية, لأنها تعد لاعقلانية حسب مفهوم عقلانية الأمة.

فلم يكن ممكنا -على سبيل المثال- بالنسبة لعلي بن أبي طالب أو لمعاوية بن أبي سفيان في سبيل تحقيق أحدهما نصرا على الآخر, أن يعقد تحالفات ومعاهدات يستعدي فيها طرفا ثالثا يعتبر عدوا في مفهوم الأمة حسب عقلانيتها السياسية.

غير أنه مع لقاء العرب بالحداثة الغربية وجدت هذه العقلانية نفسها في مواجهة عقلانية أخرى فرضت مفاهيمها على الواقع وطوعته لمشيئتها.

فعندما دخلت العقلانية الغربية إلى الواقع العربي كانت في الحقيقة تحمل معها على الصعيد السياسي مشروعا لاعقلانيا بالنسبة لهذا الواقع حسب مفهوم عقلانية الأمة.

فالغزو والاحتلال والتقسيم كان المقصود منه خلق وقائع وأوضاع معقدة وربطها بمصالح فردية وعصبية وجهوية لتستطع تقديم تبريرات معقولة ومنطقية للعقلانية الفردية والعصبية.

فقد قام الغرب أولا بخلق هذه الوقائع بالقوة ثم قدم لها جملة من مفاهيم حداثته السياسية كالشعب والسيادة والدولة والوطنية وهي مفاهيم لم تنتج كاستجابة حقيقية لتطورات تاريخية اجتماعية وسياسية اقتصادية أفرزتها التفاعلات الحرة للواقع العربي, وإنما القصد من إدخالها إلى ذلك الواقع كان هو عقلنة هذه الوقائع والأوضاع التي اقتضت مصالح الغرب الحيوية ضرورة خلقها والمحافظة عليها لترسيخ آليات الهيمنة والاستتباع.

"
عندما دخلت العقلانية الغربية إلى الواقع العربي كانت في الحقيقة تحمل معها على الصعيد السياسي مشروعا لاعقلانيا بالنسبة لهذا الواقع حسب مفهوم عقلانية الأمة
"

لهذا فقد صبغت هذه المفاهيم العشائر والطوائف والجهات كما شجع الغرب الزعامات المحلية ليحوزوا على ألقاب الملوك والرؤساء داخل حيز جغرافي يتمتع بصفة الدولة والسيادة في مواجهة بعضهم البعض وليس في مواجهة الغرب.

وكان ذلك يعني وضع العقلانيتين الفردية والعصبية في مواجهة عقلانية الأمة بعد أن كانت هذه الأخيرة في مرتبة أعلى في ظل الظروف العادية.

ترتبت على ذلك ولادة قسرية لعقلانية أخرى حلت محل عقلانية الأمة وأصبحت بمثابة المرجعية الظاهرية للعقلانية الفردية والعقلانية العصبية.

هذه العقلانية الجديدة هي عقلانية الدولة التي تمثل شعبا وأمة وبالتالي أصبح الجدل حول عقلانية الأمة ضربا من الجنون بل هو اللاعقلانية بعينها, غير أن هذه الدولة الوطنية التي ترسخ وجودها من الناحية القانونية واندرجت ضمن وحدات النظام الدولي -إلى حين- نجد إدارتها وسياستها لا تستمد مرجعيتها الفعلية من سيادة هذه الدولة ومن إرادة هذا الشعب, بل تستمدها من الفرد والعصبة.

ومعنى ذلك أن الأفعال والتصرفات والخيارات لا تمليها عقلانية الدولة وإنما تمليها العقلانية الفردية أو العصبية وذلك يعد نتيجة منطقية لأن نشأة هذه الدولة كانت ناتجة عن لقاء بين إرادات القوى الأجنبية وإرادة الفرد والعصبة.

سنرى أن هذه الدولة نفسها في عصر العولمة وباسم تلك المفاهيم التي أصبغت عليها وباسم تلك العقلانية ذاتها, أصبحت مهددة بالتفتت بفعل الطوائف والعصبيات إلى دول كل منها لها عقلانيتها التي تجعل أي حديث حول عقلانية الدولة الوطنية هو اللاعقلانية بعينها.

ففي الألفية الثالثة وبعد سقوط كل المحرمات فإن الحاكم الفرد أو الدكتاتور لم يعد بإمكانه المحافظة على الدولة الوطنية وقوميتها, لأن مفاهيم الحداثة الغربية وعقلانيتها ومصالح الغرب الحيوية التي كانت في السابق وراء دولنة العشائر والطوائف والجهات والأمصار, تستطيع في عصر العولمة -وهي فاعلة ذلك حتما- أن تفرض الوقائع وتهيئ الظروف وتلتقي بإرادات فردية وعصبية أخرى تجعل من تلك الدولة المعقلنة في الماضي رحما وحاضنا لدول جديدة شرعية المولد معقولة الوجود.

رغم أن واقع العلاقات الدولية يؤكد أن القوى الدولية تتعامل مع العالم العربي على أنه يمثل كتلة ثقافية وحضارية واحدة كما يمثل إمكانيات قابلة لتشكيل واقع مغاير لما هو قائم, فإن هذه القوى تعمل بكل ما تستطيع للحيلولة دون تحقق ذلك.

ورغم ثبوت عجز الدولة الوطنية بإمكاناتها المادية والبشرية عن صنع التقدم والنهضة في ظل الظروف الدولية المعروفة الآن, فإن العقلانية الفردية والعصبية اللتين تجدان مرجعيتهما الظاهرية فقط في عقلانية الدولة الوطنية, تتجاهلان هذه الوقائع أو تضعان في مقابلها حججا لا يمكن تبريرها إلا من منطلق العقلانية الفردانية لحكام يرفضون مهما كانت العواقب أن يتخلوا عن السلطة التي حازوها عنوة ومغالبة أو من منطلق العقلانية العصبية التي تجعل قبيلة أو جهة تصر على حقها في ضرورة احتكار الثروة التي جعلتها مشيئة القوى الدولية ومصادفات الطبيعة ملكا لها.

"
نجحت العقلانية الغربية في إلغاء الطبقات والفئات الاجتماعية بعد أن ورثتها طبقات أخرى تحمل مشروعا اجتماعيا له أهدافه, بينما نجد البنيات الاجتماعية العربية التي استقبلت العقلانية الغربية لا تزال هي البنى الأساسية والفاعلة في المجتمع العربي
"
إذا كان أحد مقاييس نجاح العقلانية في الغرب هو تضاؤل دور المقدس والتراثي اللاعقلاني في المجتمع وخروج المقدس من المجال السياسي, فإنه بعد مرور ما يقارب القرنين من دخول هذا المفهوم إلى الساحة الفكرية العربية نجد المقدس والتراثي اللاعقلاني يزداد حضوره في الواقع ويقوى داخل المجتمع.

كذلك لم تتحول العقلانية إلى حركة اجتماعية تؤثر في سلوكيات أفراد المجتمع العاديين على غرار ما حدث في مجتمعات الغرب.

لذا فقد ظلت العقلانية بمفهومها الغربي متداولة بين نخب شبه معزولة عن المجتمع فتحولت هذه العقلانية إلى سلاح أيديولوجي يستخدمه التيار الذي يعتبر نفسه معاصرا وعلمانيا ضد التيار الذي يعتبره تقليديا ولاعقلانيا فبقيت العقلانية مصطلحا سجاليا أكثر منها حياة يومية.

لقد نجحت العقلانية الغربية في إلغاء الطبقات والفئات الاجتماعية وعقلانيتها وبالتالي انتهت شرعية هذه الطبقات قي التحكم في المجتمع بعد أن ورثتها طبقات أخرى تحمل مشروعا اجتماعيا له أهدافه وعقلانيته, بينما نجد البنيات الاجتماعية العربية التي استقبلت العقلانية الغربية منذ قرنين من الزمن لاتزال هي البنى الأساسية والفاعلة في المجتمع العربي.

فالعقلانية الغربية لم تحملها في الواقع العربي طبقات اجتماعية جديدة بل جرى تلبيسها علي بنى اجتماعية تقليدية كانت في السابق تجد الضابط في عقلنة تصرفاتها في عقلانية عليا هي عقلانية الأمة.

ولكن العقلانية الغربية ولمصلحة الغرب حررت هذه البنى الاجتماعية من هذه العقلانية العليا أو من هذا المعيار للعقلانية السياسية فأطلقتها من عقالها فكانت النتيجة أنه لم تعد لهذه البنى الاجتماعية عقلانية عليا سوى الفردية والعصبية.

فكان انفلات الفردية والعصبية من كل ضابط بمثابة غول مخيف أطلقته عقلانية الحداثة الغربية من قيوده ليدمر بقايا ما تبقى من قاعدة العقلانية السياسية التي أنتجتها ظروف الواقع العربي الحقيقية بكل ماله وما عليه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك