اختلال الأولويات في برامج عمل المنظمات
جمود وتقليدية الخطاب الفكري
ازدواجية المرجعية المعرفية
ضعف الثقة في كثير من المنظمات المدنية

التسييس المزدوج
ضعف التمويل المحلي وشبهات التمويل الأجنبي

العراقيل البيرقراطية والقيود الأمنية

لا يوجد سبب واضح يفسر تراجع الجدل حول المجتمع المدني العربي خلال الفترة الأخيرة، فلا المجتمع المدني حقق أهدافه، ولا انتهت مشكلاته، ولا تراجعت التحديات التي تواجه مؤسساته ومنظماته، ولا انتفت الحاجة إليه وإلى إسهاماته التي يمكن أن يشارك بها في الإصلاح والتطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وغير ذلك من الآمال التي تعلقت به أو تعلق هو بها.

لا يصلح أي من تلك الأسباب لتفسير هذا التراجع، اللهم إلا إذا كان خفوت الحديث عن المجتمع المدني في بلادنا نتيجة انتكاسة جهود الإصلاح في المنطقة على إثر تراجع الضغوط الأميركية خاصة والأوربية عامة على الأنظمة الحاكمة كي تتخذ خطوات ملموسة وجادة على طريق الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي.

ولكننا نرى أنه لو صح هذا السبب لكان أدعى لمزيد من الحوار والجدل الجاد والعميق حول المجتمع المدني والمشكلات التي تواجهه وتعوق دوره، وتكاد توقف نموه في هذا الوقت بالذات. وهنا محاولة لإثارة مثل هذا الجدل حول أهم هذه المشكلات:

المشكلة الأولى- اختلال الأولويات في برامج عمل المنظمات
ويتجلى ذلك في ناحيتين على الأقل: الأولى غلبة البرامج الخدمية المؤقتة أو ذات الطابع الإغاثي، والثانية التركيز على بعض المشروعات التي لا تحتل أولويات متقدمة في سلم الاهتمام العام، واختزال مفهوم المجتمع المدني وصيغه فقط في كل ما يخدم تلك القضايا، الأمر الذي تؤكده ممارسات الخطاب الذي تقدمه مؤسسات المجتمع المدني، حيث تولي اهتماماً بأفكار التطوع والعمل الأهلي في قضايا الختان والجندر وحقوق الشواذ مثلاً، بقدر أكبر من قضايا محو الأمية والبطالة والرعاية الصحية والتعليم، التي تحتل أولوية متقدمة بالنسبة لمعظم الفئات في مختلف بلدان المجتمع العربي.

المشكلة الثانية- جمود وتقليدية الخطاب الفكري

"
خطاب الجمعيات الأهلية في أغلب بلدان المجتمع العربي تقليدي في قسميه: الموروث, حيث يجري إعادة إنتاج لمقولات من الماضي البعيد، والوافد, حيث تجري إعادة إنتاج مماثلة في الشكل ومختلفة في المضمون لمقولات من سياق اجتماعي وثقافي مغاير
"
وهو الخطاب الذي يمارسه معظم قيادات العمل المدني، وبخاصة قيادات الجمعيات الأهلية، نظراً لحالة التكلس الذي تعانيه هذه القيادات، وعدم قدرتها على إنتاج خطاب يتسم بالفاعلية والتجاوب مع متغيرات الواقع.

وبنظرة عامة على خطاب الجمعيات الأهلية في أغلب بلدان المجتمع العربي المعاصر يتضح أنه تقليدي في قسميه: الموروث حيث يجري إعادة إنتاج لمقولات من الماضي البعيد، والوافد حيث تجري إعادة إنتاج مماثلة في الشكل ومختلفة في المضمون لمقولات من سياق اجتماعي وثقافي مغاير، وهي لا تصلح في أحيان كثيرة لتلبية حاجات المجتمع العربي الراهن.

إن لجمود خطاب المجتمع المدني وتقليديته في أغلبه أمرين يجعلانه غير قادر على التوسع وكسب قواعد اجتماعية جديدة، نظراً لأنه يشق طريقه إليها وسط صعوبات ناجمة عن جموده الداخلي، وبسبب سيطرة قيم الثقافة الفردية، وانصراف معظم أفراد المجتمع لحل أزماتهم الخاصة.

المشكلة الثالثة- ازدواجية المرجعية المعرفية
وهي تعني ازدواجية المرجعية المعرفية لخطاب المجتمع المدني العربي، حيث يستند القسم الموروث منها إلى المرجعية التراثية الدينية، بينما يستند القسم الوافد إلى المرجعية العلمانية. وتتسبب هذه الازدواجية في ظهور كثير من التناقضات داخل خطاب المجتمع المدني، فيعمد أنصار "الموروث" إلى التركيز على المضمون الديني مع إعطائه تفسيراً ضيقاً لا يتسع لغير المسلمين في كثير من الحالات وعلى أرض الواقع رغم أن الأصول الإسلامية لا تمنع ذلك بل تحض عليه وترحب به، ويحدث ذلك كلما ركز أنصار "الوافد" على المضمون المادي -"الدنيوي" للعمل المدني- وينفون أية أبعاد روحية أو دينية له.

المشكلة الرابعة- ضعف الثقة في كثير من المنظمات المدنية
لدرجة أن بعضها لا يكاد يشعر المواطنون بوجودها، وتنعدم الثقة أصلاً في تلك المؤسسات التي تحوم حولها شبهات الفساد وعدم الأمانة، والتراخي عن خدمة المجتمع المحلي الذي تتواجد فيه، وتكون مطية لتحقيق أغراض شخصية لأناس يرغبون في الوجاهة الاجتماعية وذيوع الصيت. ويمكن إيجاز أهم العوامل التي تسهم في ضعف الثقة في منظمات المجتمع المدني في الآتي:

1- التنافس غير منظم بين الجمعيات والمنظمات العاملة في مجال واحد، ما يؤدي إلى تكرار الجهود وتركيزها في مناطق معينة وحرمان مناطق أخرى تماماً، وبخاصة في القرى والأرياف والبوادي العربية.

2- خرق قواعد الشفافية، وعدم الالتزام بالإعلان عن مصادر التمويل، وبخاصة في حالة التمويل الأجنبي، الأمر الذي يزيد من الشكوك حول القائمين على تلك المؤسسات.

3- فقدان الديمقراطية الداخلية، وسيطرة نخب محدودة العدد على القرار في أغلبية مؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك الأحزاب السياسية، والجمعيات الأهلية، والاتحادات النوعية، والنقابات المهنية.

المشكلة الخامسة- التسييس المزدوج

"
رغم التحولات التي أدت إلى الابتعاد النسبي عن فلسفة الحكم الشمولي أو التسلطي في عدد من البلدان العربية، فإن إشكالية تسييس ثقافة العمل المدني العربي لم تنته، وأخذت أبعاداً جديدة في ظل موجة العولمة
"
سواء التسييس الحكومي أو الأهلي لأغلبية مؤسسات المجتمع المدني العربي, حيث سُخرت كافة أنماط الخطاب الثقافي لخدمة سياسات السلطة الحاكمة في معظم فترات التاريخ المعاصر للمجتمع المصري، وبخاصة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ومن ثم جرى إدماج ما يتعلق بثقافة "المجتمع المدني" ضمن ثقافة الهيمنة التي فرضتها الدولة، كما خضعت البنى المؤسسية "للعمل المدني" للتفكيك وإعادة الهيكلة والتنميط وفقاً للمسطرة الحكومية.

ورغم التحولات التي أدت إلى الابتعاد النسبي عن فلسفة الحكم الشمولي أو التسلطي في عدد من البلدان العربية -خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين- فإن إشكالية تسييس ثقافة العمل المدني العربي لم تنته، وأخذت أبعاداً جديدة في ظل موجة العولمة وما ولدته من خشية –مشروعة في بعض الحالات-لدى الدولة على أمنها وسلطتها من مقولات ومفاهيم وشعارات يجري ترويجها باسم التطوع، أو المنظمات غير الحكومية أو المجتمع المدني. وبعدما كان التسييس يجري في السابق من جهة الدولة على حساب المجتمع، أضحى في السنوات الأخيرة مزدوجاً تمارسه الدولة وعديد من الهيئات التطوعية والاجتماعية المدنية في آن واحد.

المشكلة السادسة- ضعف التمويل المحلي وشبهات التمويل الأجنبي
حيث تعاني أغلبية منظمات المجتمع المدني من محدودية التمويل الذي تحصل عليه من مصادر محلية، سواء كانت حكومية أو أهلية، وذلك لأسباب متعددة أهمها ضعف الثقة في تلك المؤسسات كما ذكرنا، وعزوف القطاع الخاص عن المشاركة في تمويل العمل المدني، والقيود القانونية والبيرقراطية التي تضعها الحكومة على عملية جمع التبرعات (إلغاء نظام الوقف الأهلي، وتعقيد إجراءات الوقف الخيري، وعدم وجود حوافز أو مزايا تشجع الممولين على التبرع، بل وتعريضهم للمساءلة في حالة قيامهم بتقديم دعم مالي لمؤسسة أو جمعية أهلية).

أما التمويل الأجنبي فهو محاط بكثير من الشبهات والشكوك ليس فقط من جهة السلطة، وإنما أيضا من جهة بعض قطاعات المجتمع المدني التي ترفض قبوله. وعادة ما تثار الشبهات حول نوايا الدول أو المنظمات الأجنبية المانحة، ورغبتها في فرض أجندات عمل وأولويات تخدم مصالحها بالدرجة الأولى ولا تخدم بالضرورة المصالح الوطنية، أو قد تتعارض معها أحياناً.

ويشير البعض إلى أن تصنيفات وتعريفات المجتمع المدني في دوائر الدول والمنظمات المانحة تشمل فقط المنظمات غير الحكومية أو المجموعات الاجتماعية التي تساهم في عملية تحسين الحكم نحو مرحلة الحكم السليم أو الرشيد (good governance) وعملية الإصلاح والتحول الديمقراطي، ويؤدي هذا إلى:

1- استبعاد كثير من المنظمات والجمعيات التي تنشط في حقول لا علاقة لها بشكل مباشر بأهداف المانحين من قائمة المجتمع المدني.

2- هناك من يرى أن أصحاب الشهادات والقادرين على التحدث بلغات أجنبية أو الذين لهم علاقة بالمانحين أصبحوا قادرين على تأسيس جمعيات ومنظمات غير حكومية وفق أجندة الدول المانحة وسرعان ما تحظى بالدعم والمساندة. وهذه ظاهرة نزعم أنها شائعة في أوساط المنظمات غير الحكومية العربية. وباتت المنظمات غير الحكومية لا ينظر إليها على أنها ساحة تغيير ديمقراطية ومشاركة عامة بل مؤسسات استثمار.

3- يرى البعض أن المجتمع المدني أضحى مثله مثل الدولة تسيطر عليه النخب. من يستطيع أن يشكل منظمة غير حكومية في إحدى العواصم العربية؟ بالطبع هم الفئة المجتمعية التي تمتلك مدخلاً للسلطة سواء كانت العلمية أو الاجتماعية أو السياسية، فلم نشهد إلا حالات قليلة قام فيها شاب لم يتلق تعليمه ولا يتحدث الإنجليزية مثلاً بتأسيس منظمة غير حكومية. ومثل هذه الجمعيات خدماتها محدودة ونعتقد أنها هي من يجب أن تنتبه إليها الدول المانحة.

4- هذا التركيز قاد إلى إحداث هوة بين المجتمع المدني وبين المجتمع ذاته الذي يفترض أن المنظمات غير الحكومية جاءت لخدمته. وإذا كان تعريف المجتمع المدني يقتصر على تلك المنظمات التي تساهم في أجندة التغيير بشكل مباشر -وكما يقترح مايكل والزر- فإن مسافة كبيرة تنشأ بين المجتمع المدني ومنظماته الساعية لإدخال تغيير في نهج الحكم وبين "مجمل شبكة العلاقات الإنسانية التي يتم تأسيسها لخدمة العائلة والإيمان والمصالح الأيديولوجية".

المشكلة السابعة- العراقيل البيرقراطية والقيود الأمنية

"
المجتمع المدني العربي في وضعه الراهن يعمل ضمن مناخ ثقافي لا يساعد على تفعيل أداء مؤسساته ومنظماته من جهة، كما أن هذا المناخ السائد بمشكلاته المعقدة والمتزامنة يعتبر من جهة أخرى معوقاً لإسهام المجتمع المدني في عملية التحول الديمقراطي
"
وهي العراقيل المفروضة على نشاط المجتمع المدني -وإن بدرجات متفاوتة بين مختلف مؤسساته ومنظماته- وبين البلدان العربية ذاتها.

فبالإضافة إلى تخويل سلطة الإدارة الحكومية صلاحيات قانونية واسعة في الرقابة المسبقة واللاحقة على تأسيس منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك إمكانية الحل وتجميد النشاط، وإقصاء مجلس الإدارة، والحرمان من الدعم الحكومي أو من التمويل الأجنبي، تعاني مؤسسات المجتمع المدني العربي من الحيل البيرقراطية التي لا تنتهي، ومن الفساد، وتعمد إطالة الإجراءات، والتعنت في إنهائها في مواعيدها المحددة.

ويضاف إلى ذلك ما تتيحه القوانين والتشريعات من صلاحيات وسلطات تقديرية واسعة لتلك الإدارات الحكومية، ومن أهم هذه القوانين: قوانين الطوارئ المعمول بها في أكثر من بلد عربي، وقوانين الأحزاب السياسية، وقوانين الجمعيات. وهكذا نجد أنه بدلا من أن يصبح التشريع أداة للتأكيد على استقلالية المجتمع المدني في الوطن العربي عن السلطة، وبدلاً من أن يقنن العلاقة بينهما على نحو يعزز التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي، نجده أصبح أداة لفرض سيطرة السلطة على المجتمع المدني خاصة، والمجتمع عامة.

ويكمل ذلك ضرورة الحصول على موافقة السلطات الأمنية في كثير من الحالات قبل السماح بأي نشاط مدني، والقيام بقمع حركات الاحتجاج، والاعتقال التعسفي، وغير ذلك من الممارسات التي تجعل مناخ العمل المدني خانقاً للحريات السياسية التي هي شرط من شروط التحول الديمقراطي ونتيجة له في آن واحد.

والحاصل هو أن المجتمع المدني العربي في وضعه الراهن يعمل ضمن مناخ ثقافي لا يساعد على تفعيل أداء مؤسساته ومنظماته لدورها على المستويات المحلية أو القطرية من جهة، كما أن هذا المناخ السائد بمشكلاته المعقدة والمتزامنة يعتبر من جهة أخرى معوقاً لإسهام المجتمع المدني في عملية التحول الديمقراطي، أو في مواجهة التحديات الخارجية التي يتعرض لها، وبخاصة التحديات المتعلقة باختراق المنظمات الأهلية عن طريق التمويل وبرامج التأهيل والتدريب.
____________
أكاديمي مصري

المصدر : الجزيرة