محمد بن المختار الشنقيطي

محمد بن المختار الشنقيطي

أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمَد بن خليفة في قطر


كلنا اليوم إسرائيليون!
صلوا من أجل أورشليم!
تواطؤ الحكام وجهل العلماء

كان الفيلسوف مالك بن نبي يقول "إن الإنسان الغربي لا يحمل فضائله خارج عالَمه"، وتلك صيغة مهذبة للقول إن البشر في العرف الغربي منازل وأصناف شتى.

منهم من حياته ثمينة مصونة ودماؤه ذهبية نقية، ومنهم من حياته رخيصة مستباحة ودماؤه غامقة عكرة، فتسعة آلاف من هذا الصنف الرخيص أقل قيمة من اثنين من ذاك النوع الثمين.

ذلك على الأقل هو نوع العملية الحسابية التي توحي بها الحرب الإسرائيلية على لبنان اليوم، إذ لم نعرف في كتب التاريخ حربا ضروسا تدمر بلدا بأكمله، وتسيل بحرا من الدماء، سببها اختطاف جنديين.

فإذا كان الطرف الذي يشن الحرب يستعبد في سجونه أكثر من تسعة آلاف سجين من رجال ونساء وأطفال الطرف المهاجم، فلا بد أن في الأمر سرا لا تدركه الفطرة البشرية السوية المؤمنة بالعدل.

لكن هذا هو الواقع في لبنان وفلسطين اليوم، فالتسعة آلاف سجين فلسطيني ولبناني في السجون الإسرائيلية -وقد جاوز بعضهم ثلاثة عقود في السجن- لم تجد من الضمير الغربي الميت أي عطف.

وحينما اجترأ حزب الله على اختطاف جنديين سعيا لإطلاق سراح بعض أولئك المعذبين في السجون الإسرائيلية، تحرك الضمير الغربي الميت وفاض بالأحزان..

فإذا منسق السياسة الخارجية الأوروبي سولانا يزور أسرتي الجنديين الأسيرين، وإذا العالم الغربي كله يهدد ويندد بالإرهاب والعدوان الذي اقترفته أيدي حزب الله..!

لكن هذه الازدواجية البغيضة في النظر إلى حياة البشر لا توجد في أي بلد أو أي ثقافة مثل ما توجد لدى النخبة السياسية الأميركية. وإليكم البيان..

"
كلما تعلق أمر بنزوات إسرائيل ضاع من أذهان القادة الأميركيين صوت العقلانية والحكمة فضلا عن الإنسانية والإنصاف، وساد صوت التعصب الديني الأعمى والانصياع السياسي المطلق، حتى لو كان الانصياع كارثة على مصالح الشعب الأميركي
"
كلنا اليوم إسرائيليون!
مع تصاعد الهجوم الإسرائيلي الدموي على لبنان وحصاد الأرواح البريئة المستمر، صرح رئيس الحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة كين مهلمان قائلا "كلنا اليوم إسرائيليون"!

ولم يكن في تصريح السيد مهلمان أي مفاجأة على المستوى الشخصي، فهو سياسي يهودي أميركي يعتز بدعمه لإسرائيل في الحق والباطل.

لكن الذي قد يثير الحيرة والأسى في آن هو أن السيد مهلمان ليس نشازا ولا قريبا من النشاز، بل هو يعبر عن الإجماع السائد في النخبة السياسية الأميركية.

وكون السيد مهلمان رئيسا للحزب الحاكم في الولايات المتحدة، وكونه عمل مديرا لحملة الرئيس بوش عامي 2000 و2004، ثم كون تصريحه هذا جاء خلال تجمع مسيحي أميركي هو "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل".. يؤكد أن الرجل لا يتحدث من فراغ ولا على الهامش.

ثم جاءت السياسات التي عبر عنها الرئيس بوش ووزيرة خارجيته رايس لتكشف الغطاء عن مستوى التواطؤ، فقد أصرت القيادة الأميركية على إعطاء إسرائيل وقتا كافيا لإكمال مذبحتها، والوقوف في وجه أي جهد لإنقاذ بعض الأرواح البريئة وإيقاف الدمار في لبنان.

بل كشفت صحيفة نيويوك تايمز عن تواطؤ فعلي لا لفظي فقط، ومشاركة عسكرية لا دبلوماسية فقط في المذبحة الدائرة، وذلك حينما بينت الصحيفة أن شحنات القذائف الأميركية بدأت ترد تباعا على إسرائيل مع بداية هجومها على لبنان، إمدادا للمذبحة بآلة الموت والخراب.

فقد ورد في نيويورك تايمز "تسارع إدارة بوش إلى تسليم شحنات من القنابل الدقيقة التوجيه لإسرائيل التي طلبت تلك الشحنات الأسبوع الماضي مع بداية حملتها الجوية.. وقد صدر القرار بإرسال القنابل إلى إسرائيل على جناح السرعة دون أي نقاش يذكر أو اعتراض من داخل إدارة بوش".

ولم لا يسارع الرئيس بوش إلى تزويد إسرائيل بالقنابل وهو الذي ينظر إلى الحرب في لبنان على أنها صراع "بين الخير والشر، وبين الحضارة والإرهاب، وبين الحرية والفاشية الإسلامية" كما تنقل عنه مجلة نيوزويك.

ولا يتوقع الملم بصناعة القرار السياسي الأميركي غير ذلك، إذ كلما تعلق أمر بنزوات إسرائيل ضاع من أذهان القادة الأميركيين صوت العقلانية والحكمة، فضلا عن الإنسانية والإنصاف، وساد صوت التعصب الديني الأعمى والانصياع السياسي المطلق، حتى لو كان ذلك الانصياع كارثة على مصالح الشعب الأميركي.. فكل شيء يهون من أجل إسرائيل.

صلوا من أجل أورشليم!
وإذا كان السياسيون الانتهازيون كثيرا ما يتبنون سياسات غير أخلاقية دون أن يثير ذلك أي استغراب، فإن الأدهى والأمر أن رجال الدين المسيحيين في الولايات المتحدة وفروا الغطاء الأخلاقي والديني لتلك السياسات، فانطلقت حناجرهم على المحطات التلفزيونية الإنجيلية تدافع عن الجريمة الدموية في جنوب لبنان، وتضفي على وجهها القبيح مسوح القدسية، وذهب أحدهم إلى أن "إسرائيل تقوم بعمل الرب"!

وما من ريب أن دعم الأصوليين المسيحيين البروتستانت لإسرائيل -بل عبادتهم لها- هو أخطر الظواهر التي تهدد السلم العالمي اليوم.

وقد تأسست هذا العام منظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل" لتكون أداة تنسيق بين عُبَّاد إسرائيل من الأصوليين الأميركيين الذين يقدر عددهم بما بين 40 و70 مليونا.

وجعلت المنظمة شعارا لها فقرة من العهد القديم (التوراة) تقول "إكراما لصهيون لا أصمتُ، ومن أجل أورشليم (القدس) لا أستكين، حتى يتجلى كضياءٍ برها وخلاصها كمشعل متوهج" (سفر إشعياء 61/1).

"
تحرير الأسير الأميركي من قبضة إسرائيل دينيا وسياسيا هو الشرط الأول لتحرير كل الأسرى في الشرق الأوسط، ووقف الاستهتار بالحياة والكرامة البشرية هناك
"
ويقود المنظمة أحد رجال الدين من تكساس هو الواعظ الشهير جون هاغي، وهو صديق حميم لبنيامين نتنياهو ومدافع شرس عن "الرئيس المؤمن" جورج بوش.

وقد كتب شمويل روزنر منذ شهور في صحيفة هآرتس الإسرائيلية مقالا عن هذا الواعظ التكساسي أوضح فيه كيف أصبحت عبادة إسرائيل جزءا لا يتجزأ من المسيحية الأميركية.

فذكر أن في الكنيسة التي يقودها هاغي في مدينة سان أنتونيو بولاية تكساس حائطا خاصا تم استجلاب حجارته من إسرائيل، وقد كُتبت عليه فقرة من التوراة تقول "صلوا من أجل أورشليم (القدس) ليفلح محبوكِ ويطمئنوا" (المزامير، 122/6).

وفي غمرة الحماس الديني لإسرائيل والوجد بها وعبادتها، ضاعت كل القيم التي جاء بها المسيح عليه السلام، من الرحمة والعدل والبر والإحسان، وأصبح إزهاق الأرواح البريئة جزءا من "عمل الرب" وجانبا من "الخطة الإلهية" لإنقاذ العالم وعودة المسيح، وأصبح الطعن في الإسلام موضة، واستباحة دماء العرب حلالا.

وقد كتب أحد القادة المسيحيين اللبنانيين هو الدكتور مارتن عقاد رئيس "المجمع المعمداني العربي" يوم 17 يوليو/تموز الجاري مقالا في مجلة "المسيحية اليوم" الأميركية بيّن فيه ما دعاه بحق "عمى الإنجيليين" الأميركيين الذين "يفقدون أي حس أخلاقي" حينما يتعلق الأمر بإسرائيل.

ولو أن الجنديين اللذين أسرهما حزب الله كانا أميركيين أو أوروبيين لما توقع أحد من حكومة أميركية أو أوروبية أن تدمر لبنان من أجلهما، فقد اختطف كثير من الغربيين من قبل وعاشوا سنوات في الأسر.

وهذا الذي يكشف القناع عن عمق عبادة إسرائيل وقدسيتها في الثقافة الأميركية اليوم، فاثنان من جنودها يستحقان تدمير بلد، وسجينان من مواطنيها أكبر قيمة من تسعة آلاف سجين فلسطيني ولبناني.

لقد احتلت إسرائيل الضمير الديني في الولايات المتحدة قبل أن تحتل مفاصل النظام السياسي والإعلامي الأميركي.

وما دام قادة الدين المتعصبون لإسرائيل المبغضون للعرب والإسلام هم الموجه الأخلاقي للشعب الأميركي، وما دام الاستعلاء الديني والعرقي هو الأديولوجية السائدة في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.. فأي أمل في السلم والمصالحة سيظل ضربا من الأوهام.

فتحرير الأسير الأميركي من قبضة إسرائيل دينيا وسياسيا هو الشرط الأول لتحرير كل الأسرى في الشرق الأوسط ووقف الاستهتار بالحياة والكرامة البشرية هناك.

تواطؤ الحكام وجهل العلماء
ومن أجل اتضاح الصورة أكثر نقارن بين مواقف الساسة والقسس الأميركيين الذين يحشدون خيلهم ورجْلهم في خدمة المذبحة الإسرائيلية، ومواقف بعض الحكام العرب والفقهاء المغفلين الذين تم اتخاذهم مطية لضرب لبنان عامة -ومسلميه خاصة- في الخاصرة.

ففي غمرة الدماء والأحزان تتناقل المواقع الإلكترونية فتوى للشيخ السعودي عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حول حزب الله يقول فيها "لا يجوز نصرة هذا الحزب الرافضي ولا يجوز الانضواء تحت إمرتهم ولا يجوز الدعاء لهم بالنصر والتمكين، ونصيحتنا لأهل السنة أن يتبرؤوا منهم وأن يخذلوا من ينضمون إليهم، وأن يبينوا عداوتهم للإسلام والمسلمين وضررهم قديما وحديثا على أهل السنة".

وهذا جهل بواقع حزب الله وثقافته، وتجاهل لآهات المعذبين وآلام الثكالى والأيتام الذين لا نصير لهم.

وقد وجد الإعلام الأميركي في هذه المواقف الدينية المتخاذلة وفي مواقف قادة بعض الدول العربية المتواطئين، مادة ثرية للدعاية ضد المقاومة اللبنانية التي "يقف ضدها الإسلام السني"!! حسبما تقول تلك الدعاية.

وقد لا يعجب المرء حين يرى ذلك التواطؤ عند قادة مصر والأردن والسعودية، فطالما تواطؤوا من قبل وجعلوا أمتهم لقمة سائغة لكل عدو طارق.

كما أنهم مرتبطون منذ أمد بعيد بالولايات المتحدة برباط يتحكم فيه مركَّب النقص وعقدة الخضوع، وهم يرون فيها صانع الحرب والسلام والوسيط الذي لا يتصورون ملجأ منه إلا إليه، فيما يشبه التعلق الوثني بالقيادات الأميركية.

"
كشفت المحنة اللبنانية أمورا على قدر من الأهمية، أهمها أن تحرير أميركا من عبادة إسرائيل وتحرير الحكام العرب من عبادة أميركا وتحرير الفقهاء من سطوة الحكام.. أمور سابقة على كل عدل وسلام في الشرق الأوسط
"
وقد كشف أحد كتاب مجلة نيوزويك -وكان مرافقا لبوش على طائرته- أثناء اندلاع الأزمة، أن نقد أولئك القادة العرب لحزب الله ليس من بنات أفكارهم، بل هو ترجمة عربية لأمر بالإنجليزية جاء بالهاتف من بوش ووزيرة خارجيته رايس ومستشاره للأمن القومي هادلي.

ولكن العجب أن يتواطأ منتسبون للعلم الشرعي ويقبلوا أن يكونوا شركاء في ذبح لبنان بفتاواهم الخرقاء. فهل يدرك متعصبة المشايخ الذين طالما مزقوا صف الأمة، وجعلوا فتاواهم وقودا لحروب سال فيها الدم مدرارا في الحرب العراقية الإيرانية من قبل وفي الحرب الأهلية العراقية اليوم.. أن السنة قاتلوا جنبا إلى جنب مع الشيعة الفاطميين في ثلاث معارك طاحنة بعسقلان ضد الصليبيين، رغم أن الفاطميين من الغلاة الذين يكفرهم عامة الشيعة اليوم.

وهل يدرك أولئك المشايخ المغفلون أن حاكم القدس يوم احتلال الصليبيين لها كان ممثلا للدولة الفاطمية بمصر، وقد حصن المدينة وقاتل واستشهد تحت رايته مئات الألوف من المسلمين من كل المذاهب والمشارب، منهم علماء أعلام من أهل السنة؟!

بل هل يدركون أن صلاح الدين الأيوبي فخر الإسلام والسنة على مر العصور عمل وزيرا للدولة الفاطمية بمصر وقاتل الصليبيين تحت رايتها، فأنقذ الإسكندرية ودمياط وغيرهما من الصليبيين يوم كان وزيرا وقائدا عسكريا لتلك الدولة؟!

لقد أدرك صلاح الدين حالة الطوارئ التي تعيشها أمة مستباحة فلم يُضع وقتا في علم الكلام والجدل، وتغاضى عن كل خلاف في تلك الظروف.. فهل يتعلم علماؤنا منه شيئا من الحكمة والرحمة بأمتهم في حالة الطوارئ؟!

أليس ما يجمع بينهم وبين حزب الله أكبر مما يجمع بين حزب الله وبين "المجمع المعمداني العربي" الذي كتب رئيسه -وهو قس مسيحي- يندد بالمذبحة الإسرائيلية؟!

لينتظرْ هؤلاء على الأقل حتى ترتفع قيمة تسعة آلاف سجين عربي ومسلم إلى قيمة سجينين إسرائيليين، ثم ليتجادلوا بعد ذلك ما شاؤوا في كل حروب التاريخ والفلسفة والفقه والكلام.. أليس أسوأ الجهل جهل العلماء؟!

لقد كشفت المحنة اللبنانية أمورا على قدر من الأهمية، أهمها أن تحرير أميركا من عبادة إسرائيل، وتحرير الحكام العرب من عبادة أميركا، وتحرير الفقهاء من سطوة الحكام.. أمور سابقة على كل عدل وسلام في الشرق الأوسط.. وما سوى ذلك سراب بقيعة..

المصدر : الجزيرة

التعليقات