راسم المرواني

البعض من العرب (العاربة والغاربة) ممن كانوا يؤمنون ويراهنون على التطبيع مع إسرائيل، كانوا يحملون رؤية قابلة للنقاش والرد والتجريح، وكان لزاما علينا أن نسمع لهم ونتقاطع معهم أحيانا ونطابقهم الرؤية أحيانا أخرى، لأنهم كانوا يراهنون على مستقبل الأحداث ويقرؤون قراءات "نوستر أداموسية"، ويحللون سير الوقائع ونتائجها رجما بالغيب.

ولهذا كنا نسمع لهم ما دامت العملية تتعلق بالمستقبل، رغم أننا كنا منذ البداية نعرف أن الضبع الإسرائيلي لا يمكن أن يتحول بين يوم وليلة إلى حمل وديع، ولا يستطيع هذا الكائن المتغطرس أن يتحول إلى كائن شفاف إنساني، لأننا كنا نراهن على مستقبل التحركات الإسرائيلية ونقرؤها من خلال رؤيتنا وقراءتنا للحلم اليهودي الذي كتبه "عزرا" على نهر الخابور.

اللافت للنظر الآن أن دعاة التطبيع قد أخذوا منحى آخر في آلية التطبيع، وبدؤوا يتجهون إلى منطلقات ومنحنيات أكثر خطورة، وهي منحنيات الدفاع عن إسرائيل، والاستقتال المجاني –أو المدفوع الثمن– للدفاع عن أمن إسرائيل وسلامتها.

"
غريب أن يضطلع علماء إسلام الألفية الثالثة بمهمة تعطيل مشروع التصدي للحلم الصهيوني في المنطقة تحت ذرائع متعددة، أغربها الانطلاق من نقطة الطائفية المقيتة
"
وهذا يستدعي بالنتيجة أن يقوموا بالرد والتنكيل على كل مشروع يمكن أن يمس الوجود الصهيوني، أو يعرقل تأسيس واستكمال دولة إسرائيل الكبرى، هذه الدولة التي يقول عنها بوش الابن إنه لا بد أن تستكمل قبل ظهور السيد المسيح، ولا بد من تهيئتها لتكون قاعدة له.

والغريب أن يضطلع علماء إسلام الألفية الثالثة بمهمة تعطيل مشروع التصدي للحلم الصهيوني في المنطقة تحت ذرائع متعددة. وأغرب هذه الذرائع الانطلاق من نقطة الطائفية المقيتة، أو من منطلق القومية الشوفينية التي تخالف رؤى الإسلام لوحدة وجود الإنسان وتكافئه. هذا المشروع الذي عملت إسرائيل على ترسيخه في المجتمع الإسلامي بكل طاقاتها.

وهذا يلفتنا إلى أن نفهم أن هناك الكثير من المتجلببين بجلباب الدين يمكن أن يعملوا ضمن الأجندة الصهيونية بوعي أو بغير وعي، ويمكن أن نتخذ من فتوى الشيخ جبرين أنموذجا للخطاب الإسلامي المضاد للإسلام والمتطابق تماما مع المشروع الصهيوني.

ويمكن أن نعرض ذلك عبر هذا الموقع http://www.ibn-jebreen.com/controller?action=FatwaView&fid=4174 الذي يمكن أن نفهم توجهه الجديد–القديم، وتوظيف هذا التوجه للتنكيل بجهود حزب الله وفقا للمصلحة الإسرائيلية، ومحاولة النيل من المجتمع اللبناني وخلق فتنة طائفية يمكن أن تكون سببا لخلخلة الجبهة الداخلية اللبنانية التي يراهن عليها حزب الله في حربه المقدسة ضد إسرائيل.

ولو التفت الشيخ (الجبرين) إلى ضميره، وسأل نفسه السؤال التالي: لو أن مجموعة من يهود العالم كانوا قد وقفوا موقفاً مناهضاً للصهيونية، فماذا سيكون موقف هذا الشيخ منهم؟ أليس من الطبيعي أن يشد على أيديهم ويشكر لهم موقفهم، ولكن حين تقوم مجموعة من العرب المسلمين لمناهضة الصهيونية فهو يحرم مجرد الدعاء لهم بالتوفيق.. هل يمكننا أن نفهم أن سماحة الشيخ يعتبر اليهود أفضل من الشيعة أم له رأي آخر؟

الموقف العربي نعرفه ونتوقعه، ومؤتمر القمة المزمع عقده لن يأتي بنتائج أكثر انفراجاً بالنسبة لحزب الله، هذا إذا أغمضنا عن توقعنا الجاد بأن هذا المؤتمر سيأتي بقرارات يمكن أن يضع العصي في عجلة حزب الله ويمنعها من الدوران.

ومن اللافت أن يتعجل رؤساء بعض الدول العربية للاجتماع بشكل عاجل واتخاذ المواقف. والغريب أن تكون هذه الدول هي نفسها التي صرح رؤساؤها علنا بتخوفهم من وجود الهلال الشيعي بالمنطقة، في تصريحات جاءت لتنكل بجهود حزب الله وتتخذ من بعض الذرائع وسيلة لقهقرة صلابة المواجهة التي يتمتع بها الحزب.

حزب الله يقود الآن حرباً مقدسة نيابة عن الأمة بكاملها، ونيابة عن الإنسانية بمعناها الأشمل، ومن الطبيعي أن من لا يقف معه فيها يقف مع إسرائيل، وهذه المسألة لا تحتاج إلى ذكاء مفرط لمعرفتها.

هل أساء حزب الله التوقيت؟
آلية جديدة عربية (إسلامية) موغلة في العراقة والقدم، ومتشحة بالحداثة والتجديد، بدأت تنبثق لتثير الشبهات وتزرع العبوات الناسفة في طريق حزب الله، وهي مسألة التوقيت والتذرع بانفراد الحزب باتخاذ قرار الحرب على إسرائيل، وحسن أو إساءة استخدامه لآليات التصعيد.

وليس علينا سوى أن نسأل أولئك المتعلقين بخيوط اتهام حزب الله بإساءة التوقيت، ونسألهم ببساطة أن يخبرونا عن التوقيت الأحسن للحرب، أتراهم ينتظرون من إسرائيل أن تغير مواقفها؟ أتراهم يراهنون على أن إسرائيل -إكراما لعيون هؤلاء المتخرصين- ستفرغ ترسانة أسلحتها؟ أتراهم يؤمنون بأن إسرائيل ستأخذ زمام المبادرة لتطلق سراح المعتقلين في سجونها؟

على ماذا يراهن هؤلاء؟ ولماذا يحاولون التحجج بمسألة هي من حق الأمين العام لحزب الله وقياداته حصرا؟

فهم أهل مكة وهم بالتالي أدرى بشعابها، وهم أعرف من أين تؤكل الكتف، هذا بالإضافة إلى أنهم –أعني حزب الله– انطلقوا من مواد دستورية متفق عليها من جميع القوى السياسية اللبنانية -العربية منها والإسلامية والصهيونية- تمنحهم حق الدفاع عن مزارع شبعا من جهة، وتعطيهم حق المناورة أو التصرف الكامل فيما يخص مسألة الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية.

هذا إذا تجاوزنا مسألة الخرق الإسرائيلي للحكومة اللبنانية وزرعها للعملاء داخل هذه المنظومة، ما يستدعي السرية الفائقة في التعامل مع العدو من الجانب الذي يمثله حزب الله من حيثيات التوقيت وإستراتيجية العمل.

إن مسألة التوقيت ومسألة مشاورة الحكومة اللبنانية تشبه حجج جيش أمير المؤمنين في الامتناع عن القتال في الصيف بسبب الحر، أو التنصل عن المبادرة بسبب البرد.

"
الأمة العربية لا تشكو من أزمة شعوب ولكنها تشكو من أزمة حكام، لأن الشعوب يمكن أن تصنع المستحيل لأنها مجردة من عبء المصالح ومفرغة من هموم السلطة والخوف على العروش
"
أما مسألة المشاورة فهي مما يدعو للدهشة لدرجة فتح الشهية للضحك، وهو ما يذكرني بتصريح لأحد الساسة المناضلين الفلسطينيين حين يقول إن "فلسطين عائدة إلى أهلها مهما طال الزمن".

والحقيقة أنني استوقفتني كلمة "مهما"، فأنا شخصياً لا أعرف ماذا يعني هذا المناضل بهذه الكلمة، ولا أعرف كم مقدارها عنده، وهل ستمتد إلى الأزل؟

وهل يفكر مناضلنا أن يمنح إسرائيل فرصة تمتد مع "مهما" إلى ألف سنة؟ وهل هذا سوى عين السلبية في التفكير.. والضحك على ذقون الآخرين؟

ولو تجاوزنا قراءة أو استقراء التاريخ، فلعلنا نحن أبناء المنهج الصدري الأجدر بالإحساس بمرارة ما يعانيه حزب الله والمقاومة اللبنانية، بحكم كوننا خضنا هذه التجربة مع القوى السياسية العراقية التي اتهمتنا بسوء التوقيت في تصدينا للمحتل، لأن البعض كان يراهن على ورقة الديمقراطية الأميركية، وبعض آخر اتهمنا بتعطيل العملية السياسية، وآخرون اتهمونا بالخروج عن سلطة المرجعية.

وما أشبه الذين اتهمونا بالذين يتهمون حزب الله الآن، وما أشبه أعذارهم وتذرعاتهم بأعذار وتذرعات الواهنين من الذين يفضلون الوقوف على التل، متصورين أن شرر الحريق لن يصل إليهم، ومتوقعين بغباء أن المحتل جاء ليرسم أجمل خارطة في العالم ويزينها بالحرية والديمقراطية.

وهاهم الآن يجنون جني جبنهم ويرتشفون كأس الذل، سواء من شارك منهم في العملية السياسية أو الذين طبلوا وزمروا للعراق الجديد، ها هم يقبعون في المنطقة الخضراء كالجرذان ويخشون الخروج منها.

وها هو الشعب يعاني الأمرين من القتل المجاني والموت والجوع والألم، وها هو المحتل يستهتر بأعراضهم لا أعراضنا، ويأكل مالنا ويمتص مستقبلنا، ويحاول إخضاعنا لعملية غسيل الدماغ ليوقفنا عند حدود السبات وعدم الاكتراث بما يدور من حولنا.

نعم.. لا بد من القتل والموت والتضحيات عند التصدي للعدو، وهل يمكن لحرب أن تمر دون خراب؟ وهل يمكن لعدو أن لا يوقع الخسائر بعدوه؟ وإلا لما سميناه عدوا ولم نكن بحاجة إلى محاربته.

ولكن ثمة ما يستوقفني في قول الشاعر:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى      حتى يراق على جوانبه الدمُ

وقد جاء الشاعر بالمفيد، فهناك شرف وهناك أذى، ولا بد من أن تسيل الدماء دفاعا عن هذا الشرف.

أما الذين لا يهتمون بشرفهم فليس عليهم أن يتعبوا أنفسهم بإراقة الدماء على جوانب هذا الشرف، لأننا عرفنا مقدار ونوع وماهية الشرف لديهم منذ اليوم الأول الذي رفرفت فيه أعلام إسرائيل في عواصمهم الآسنة التي ما زالوا –ودون خجل– يسمونها "أم الدنيا".

ولا أعرف كيف يمكن لأم الدنيا أن تضاجع أعلام الصهاينة واليهود، ومن سيكون أبناء هذه الأم؟ وما هي سحنة هذه الأجنة؟ وماذا نسميهم عندما يولدون غدا؟

السيد حسن نصر الله لا يلعب النرد أبدا، وهو يعي حجم مسؤوليته ويعرف أنه لا يقاتل إسرائيل وحدها، ولكنه يقاتل من هم أشد من إسرائيل خبثا ولؤما وجبنا، وهم القادة العرب الذين يبنون جيوشهم ويسلحونها ليجعلوا منها قطعانا من الكلاب تحمي عروشهم.

وهم ينتصبون على عروشهم كالأسود حين يتعلق الأمر بقمع أو قتل أبناء أوطانهم من الفقراء والمستضعفين، ويتقافزون كالسعادين حين يتعلق الأمر بأولياء نعمهم من عصابات اليهود، ولا غرو فهم صنائع أوفياء، ويمكن أن نشبه وفاءهم بوفاء الكلب مع الفارق.

كنت في يوم ما أردد بحرارة أن الأمة العربية لا تشكو من أزمة شعوب ولكنها تشكو من أزمة حكام، وما زلت أردد ذلك لأنني أعي بأن الشعوب يمكن أن تصنع المستحيل، لأنها مجردة من عبء المصالح ومفرغة من هموم السلطة والخوف على العروش.

"
حري بنا أن لا نراهن على عموم موقف الشعوب العربية لأننا نراهن على حمل كاذب، ولأن جل ما يمكن أن تفعله هو أن تتظاهر وتتفرق مع أول رصاصة من بندقية شرطي من أبناء الشعب
"
وأعرف أن أخطر الثورات وأشدها وقعا هي ثورات الفقراء، لأنهم لا يخشون ما يخسرونه وليس لديهم ما يخسرونه، ولكن الخطورة تكمن الآن في اتساع رقعة الظلم على هذه الشعوب ومغالبتها على أمرها، وإيقاعها تحت ضغوط نفسية واجتماعية واقتصادية لإفراغها من محتواها الثوري، وسد الطرق أمام وعيها الديني والقومي، ومحاولة بث فيروس الشعور بالخيبة والإحباط بينها.

وهذا يستدعي أن نشعر بأن خطوة إلى الأمام لا يمكن أن تتحقق، ولا يمكن أن تصب في بوتقة التحرك نحو النصر.

وحري بنا أن لا نراهن على عموم موقف الشعوب العربية لأننا نراهن على حمل كاذب، ولو أننا تجردنا عن النفاق الاجتماعي واستدركنا حالة الشعوب، ونظرنا إلى أن السلطات تقاتل شعوبها بالشعب نفسه من الجيش والشرطة والأمن والمخابرات، وهؤلاء كلهم من أبناء الشعب وليسوا مستوردين من خارج المجموعة الشمسية، لفهمنا معنى ما قاله سماحة السيد حسن نصر الله في عدم اعتماده على المساعدات من أحد، لأن جل ما يمكن أن تفعله الشعوب العربية هو أن تتظاهر وتتفرق مع أول رصاصة من بندقية شرطي من أبناء الشعب.

والمفترض أن تتوجه التظاهرات لتخترق ممثليات الصهاينة في عواصمها لا أن تتستر وتتخندق بعضها ببعض وتتمترس بالخطوط الأولى من التظاهرة لتكسب فرصة الهروب مع أول صيحة للسلطة.

الشعوب العربية كالحكومات العربية مغلوبة على أمرها ولا يمكن الاعتماد عليها أبدا، وليس أمام السيد حسن نصر الله سوى الاعتماد على القوة التي لا تخون ولا تخاف، ولا تماري ولا تهادن الباطل، وهي قوة الإيمان، والإيمان بالله، وإبراء الذمة أمام الله والتاريخ، ومعرفة أن الموت والحياة بيد خالقها، والتشبث بأن هناك مصائر للناس ومواقف للحساب يوم القيامة، وأن النصر من عند الله.

أما الحكام العرب فأشك في أنهم يصدقون أن هناك يوما اسمه يوم القيامة.
_____________________
المستشار الثقافي لمكتب الصدر

المصدر : الجزيرة