فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


تخفي مبادرة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للمصالحة الوطنية أكثر بكثير مما تكشف حقيقة التجاذبات السياسية الراهنة والمحتدمة داخل الائتلاف العريض الذي يقود السلطة.

ففي حين أعلن التحالف الكردي على لسان الطالباني أنه باشر حوارا مع "المسلحين"، رد المالكي مستنكرا: ومنْ هؤلاء؟ أنا لا أعرف من هم المسلحون؟.

في مجلس النواب (البرلمان) وأثناء طرح المبادرة، ضغطت كتلة المجلس الأعلى الذي يقوده عبد العزيز الحكيم في اتجاهين: رفض إلغاء قانون "اجتثاث البعث" وقطع الطريق أمام "أي حوار مع المسلحين". عمليا ضغطوا من أجل تفريغ المبادرة كليا من أي محتوى أو معنى.

"
ليس ثمة دليل حقيقي على أن مبادرة المالكي تهدف إلى إطلاق مشروع حوار وطني عراقي، وعلى العكس من ذلك ثمة دلائل كثيرة على أنها مصممة لأجل إطلاق حوار آخر وبوسائل جديدة مع الكتلتين الضاغطتين على رئيس الوزراء
"
صاحب المبادرة، ومنذ اختياره لمنصب رئيس الوزراء، كان محكوما بقواعد لعبة تجاذب مرير مع هاتين الكتلتين الكبيرتين اللتين صوتتا لصالحه: التحالف الكردي والمجلس الأعلى.

اللعبة نفسها وقواعدها الصارمة نفسها، أطاحت من قبل برئيسه في الحزب (حزب الدعوة) إبراهيم الجعفري، وهي ذاتها القواعد التي جاءت به مرشحا بديلا في تسوية سياسية شكلية، بدا على امتداد خمسة أشهر بعد إعلان نتائج الانتخابات، أنها تسوية مستحيلة وربما مؤقتة؛ وهي إلى هذا كله، القواعد نفسها التي سوف تطيح به.

ألم يقل عبد العزيز الحكيم في مجالسه الخاصة فور انتخاب المالكي "سوف نطيح به. لن ندعه يستمر أكثر من ستة أشهر".

المجلس الأعلى الذي وافق مكرها على المالكي مرشحا لمنصب رئيس الوزراء، سوف يتجه، كما تشير جملة معطيات، نحو تحالف جديد قديم مع الأكراد، وهذه المرة على قاعدة التخلص من رئيس الوزراء ومبادرته، إذ لهما مصلحة أهم من المصالحة.

في المقابل، ليس ثمة أي دليل حقيقي على أن المبادرة تهدف إلى إطلاق مشروع حوار وطني عراقي. وعلى العكس من ذلك ثمة دلائل كثيرة على أنها مصممة لأجل إطلاق حوار آخر وبوسائل جديدة مع الكتلتين الضاغطتين على رئيس الوزراء.

إنه مونولوج داخلي بين كتل متصارعة، بأكثر مما هو مشروع لحوار وطني، إذ بينما كان رئيس الوزراء نوري المالكي يتهيأ لإعلان مبادرته للمصالحة التي باتت تعرف منذ الآن بـ"مبادرة النقاط الـ28" طار رئيس المجلس الأعلى عبد العزيز الحكيم إلى طهران فجأة.

من هناك أعلن من جديد أنه يريد "حوارا أميركيا إيرانيا مباشرا حول العراق"، والرسالة واضحة: لا نريد مصالحة "مع الإرهابيين" بل حوارا مع واشنطن تديره طهران بالنيابة عن العراقيين. هذا هو خيار المجلس الأعلى.

ثمة حدث أكثر إثارة صاحب كلا من مبادرة المالكي، ثم زيارة الحكيم إلى طهران وما بينهما حوار الطالباني مع مسلحين مفترضين؛ إذ وصل فجأة شخص ثالث ليقول للجميع ومن دون مقدمات وأمام عدسات المصورين المتجمهرين في مقر السفارة الأميركية (القصر الجمهوري السابق) إنه "جاء ليتأمل في عيني المالكي". إنه سبب وجيه لزيارة على هذا القدر من السرية والكتمان.

ووسط دهشة الجميع وخصوصا المالكي، كرر الزائر على أسماع الحاضرين، وهو ويا للمفاجأة الرئيس الأميركي جورج بوش، أنه وبصفته رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، قد جاء بنفسه لإبلاغ رئيس الوزراء أن واشنطن "تضع مستقبل العراق أمانة في عنقه" وأنه لهذا السبب "جاء ليتأمل في عينيه".

ولكن؛ وبينما كان بوش مشغولا بتأملاته الفلسفية في عيني المالكي، كان الطالباني في مكتبه يداعب حبات مسبحته ويتأكد من جديد أنها فعلا مائة حبة وحبة واحدة.

لم يبلغه أحد بوصول ضيفه، كما أن الضيف تخطى أصول الضيافة وقواعدها البروتوكولية وسارع إلى لقاء رئيس الوزراء.

الأكراد شعروا بالإهانة، وماذا ينقص الطالباني؟ ألا يستحق أن يتأمل بوش في عينيه كما جاء ليفعل مع المالكي؟ ويقول له على الأقل من باب المجاملة إنه جاء ليضع العراق أمانة بين يديه؟

المجلس الأعلى الذي صدمته الزيارة المفاجئة، أيقن مرة أخرى أن الأميركيين دخلوا بقوة على خط التجاذبات وأنهم يدعمون المالكي علنا.

ولذلك سارع الحكيم إلى الرد بزيارة رسمية مفاجئة إلى طهران أحاطها الإيرانيون بكل ما يلزم من اهتمام، لكي تبدو في أنظار المراقبين وكأنها "زيارة دولة"، وليعيدوا التأكيد مجددا هم أيضا أن طهران تريد بالفعل حوارا أميركيا إيرانيا حول العراق، لولا أن "الأميركيين يتصرفون بطريقة غير عاقلة".

الإيرانيون من جانبهم يدركون بعض التعقيدات التي لا يعرفها المحللون السياسيون، ثمة سوء فهم تاريخي طوال علاقات الإيرانيين بحزب الدعوة الإسلامية منذ تأسيسه في نهاية الخمسينيات.

آنذاك ساهم الشاه والحوزة في النجف، يدا بيد، في تأسيس حزب الدعوة ردا على صعود المد الأحمر (الشيوعي) في عهد عبد الكريم قاسم.

بعد الثورة الإيرانية عام 1979 أعادت طهران تقييمها لحلفائها في العراق لتجد أن من الأفضل لها إضعاف حزب الدعوة، أو استبداله بحزب أكثر إخلاصا: المجلس الأعلى وفيلقه (المعروف في تلك الأيام بلواء بدر).

ولم يتردد بعض المسؤولين الإيرانيين في الأيام الأولى من الثورة، في القول إن حزب الدعوة "صناعة بريطانية" هم منها براء.

سوء الفهم هذا لم يتبدد، وإنْ حافظ الطرفان طوال الوقت على درجة معقولة من الود، ومع ذلك فإن تأملات بوش الفلسفية في عيني المالكي أثارت الهلع في طهران.

"
العارفون ببواطن الأمور في بغداد يحددون مهمتين رئيسيتين لحكومة المالكي: ضرب المليشيات، والصدام مع النفوذ الإيراني
"
بالنسبة لها، أصبح الأميركيون، بعد البريطانيين، أكثر قربا من حزب الدعوة، ودعمهم العلني لرئيس الوزراء يعني تهميش المجلس كليا.

الهلع نفسه تفشى في كردستان، ومنذ الآن سوف يصبح قضم صلاحيات الطالباني كرئيس للجمهورية سياسة خارجية أميركية لا مجرد نهم شخصي للسلطة.

ذلك ما يفسر السبب في تضارب التصريحات بين المالكي والطالباني حول الحوار مع المسلحين.

ليست المسألة ما إذا كان الطالباني قام حقا بلقاء مع مقربين من المقاومة، كما أن المسألة ليست بالضبط مسألة خلاف حول تعريف المسلحين أو من هم المسلحون، كما تساءل المالكي، بل من الذي استحق قبل غيره، وربما على حساب غيره أن يتأمل الرئيس الأميركي في "عينيه" ليجد أن "مستقبل العراق هو بالفعل أمانة في عنقه".

ليس هذا الشخص المحظوظ عبد العزيز الحكيم وليس جلال الطالباني بكل تأكيد؛ بل الشخص نفسه الذي كان نائبا لرئيس الحزب الذي قضم صلاحيات الطالباني من قبل، والشخص نفسه الذي وافق عليه المجلس الأعلى مكرها.

ثمة أمر آخر أكثر إثارة، إذ أنه أثناء زيارته إلى مدينة البصرة بعد أحداث القتل واندلاع أعمال فوضى وسرقات وجرائم ضربت المدينة الآمنة طولا وعرضا، اتهم المالكي إيران وبطريقة علنية لا تخلو من الانزعاج، بأن لها ضلعا في الأحداث.

بعد أيام اندلعت مظاهرات صاخبة في كربلاء معقل الشيعة وتم حرق القنصلية الإيرانية، ومثل هذا الحادث تكرر في البصرة والحلة.

هذا يعني أن موجة "العداء لإيران" في عهد وزارة المالكي يمكن أن تكون موجة صاخبة قد تمتد إلى أماكن أخرى، وذلك ما يزيد الحكيم إصرارا على تكرار خطته الانقلابية أمام زواره "سوف نطيح بالمالكي. لن نتركه يستمر أكثر من ستة أشهر".

العارفون ببواطن الأمور في بغداد يحددون مهمتين رئيسيتين لحكومة المالكي: ضرب المليشيات والصدام مع النفوذ الإيراني.

الأولى أعقد من أن تتمكن من تنفيذها دولة هشة، أقامها الأميركيون بشق الأنفس على أنقاض دولة البعث القوية؛ فهي دولة تبدو حتى في أنظار مؤيديها وأنصارها، أضعف من المجتمع الذي مزقته الفوضى.

والمجتمع؛ وبالرغم من تمزق نسيجه الاجتماعي لا يزال يبدو حتى في أنظار مساندي الاحتلال، أقوى من الدولة بفضل الكميات الهائلة من السلاح الذي وضع في أيدي العراقيين، وبفضل وجود قوى مسلحة ومنظمة تتلقى دعما ماليا منتظما من مصادر متنوعة، إقليمية ودولية. فهل بوسع دولة كهذه أن تفي بوعد القضاء على المليشيات؟

وماذا عن الصدام مع طهران؟ على الأرجح سوف يجد المالكي نفسه، بعد أن ابتسم له الحظ وجاء بوش ليتأمل في عينيه، أن التصعيد ضد طهران قد لا يتطلب الكثير من الجهد. سوف يغض النظر عن النقمة المتعاظمة وحسب.

فهل نحن حقا أمام مبادرة للمصالحة الوطنية، أم أمام مبادرات لكل منها دوافعها وبواعثها وأسبابها الخفية؟

هناك على الأقل مبادرتان معلنتان تعكسان بدقة وعلى أكمل وجه درجة التصدع داخل الائتلاف الشيعي من جهة، حيث يعود إلى الواجهة صراع تاريخي قديم بين حزب الدعوة والمجلس الأعلى؛ كما تعكسان درجة تصدع العلاقات بين حزب الدعوة والتحالف الكردي من جهة أخرى، حيث يعود إلى الواجهة الصراع نفسه حول صلاحيات رئيس الجمهورية وصلاحيات رئيس الوزراء، وهو صراع طبع بطابعه كامل حقبة إبراهيم الجعفري رئيس حزب الدعوة.

ها قد عدنا من جديد إلى النقاش البيزنطي: الدجاجة أم البيضة؟

لكل ذلك يجب أن ننظر إلى زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش، على أنها مصممة للدفع بهذه التجاذبات نحو ذروة جديدة من التفجر، وذلك من خلال إثارة صراع خفي لا حول النفوذ وحدوده بين الكتل الثلاث وحسب؛ وإنما حول درجة التزام هذه الأطراف بالرؤية الأميركية للعراق الجديد.

وكما يبدو؛ فإن الأميركيين يتجهون صوب القيام بسلسلة تعديلات جوهرية على تحالفاتهم القديمة، كالتخلي تدريجا عن الأكراد والدفع بهم إلى القبول بالأمر الواقع.

"
الأميركيون يتجهون صوب القيام بسلسلة تعديلات جوهرية على تحالفاتهم القديمة، كالتخلي تدريجيا عن الأكراد والدفع بهم إلى القبول بالأمر الواقع
والتخلي تدريجيا أيضا عن الائتلاف الشيعي، بل تمزيقه من أجل اجتذاب طرف واحد فيه
"
هذا الواقع الجديد يقول إنهم ليسوا أكثر من ورقة في ملف أهم بند فيه أن كردستان لن ترى النور، وبدلا من ذلك على القادة الأكراد أن يتطلعوا إلى دويلتين صغيرتين في أربيل والسليمانية بحلول 2013.

وإلى جانب ذلك وبالتلازم معه، التخلي تدريجيا أيضا عن الائتلاف الشيعي، بل تمزيقه من أجل اجتذاب طرف واحد فيه، رأى الرئيس بوش في عيني أبرز زعمائه نوري المالكي ما يبدو أنه علامة دالة على القوة.

ولأننا نعلم أن الرئيس الأميركي وحده، من دون سائر رؤساء العالم هو "رجل رؤيا"؛ طبقا للغة التي يستخدمها المحافظون الجدد في إدارته (رؤيته لدولة فلسطينية ورؤيته للعراق الفدرالي الجديد) فإن الأمر برمته لن ينطوي على أي قدر من الغرابة، حين تغدو هذه الرؤى مادة لصراع متواصل حتى داخل الجماعات التي نصبها الأميركيون.

فهل العراق مقبل على حوار "وطني داخلي" أم على حوار دولي إقليمي يراد منه أن يقرر مصيره التاريخي؟ ولماذا اختار الحكيم هذا التوقيت المثير للزيارة لإعادة طرح مسألة الحوار مع واشنطن؟

هناك ما هو أكثر إثارة من مبادرة المصالحة الوطنية، فقبل بضعة أيام فقط من إعلان المالكي، صوت مجلس النواب بالإجماع وعلى عجل ومن دون أي مقدمات (أو حتى قراءة مسودة مشروع) على تسمية إياد علاوي مندوبا ساميا لمجلس النواب؟

ماذا تعني هذه العبارة؟ وهل سيكون المندوب السامي الذي اختارته أعلى سلطة في البلاد طرفا في صراع جديد ومتفجر حول السلطة؟ وماذا سيختار: تحالف الطالباني/الحكيم أم ينضم لتحالف مضاد بقيادة المالكي؟

وهل يريد الأميركيون مصالحة وطنية داخلية، أم الاستمرار في الحرب على الإرهاب؟

وماذا تريد طهران؟ هل ترغب في نجاح "الحوار الداخلي" بين العراقيين، أم أنها ترغب في حوار أميركي إيراني حول مستقبلهم ومستقبل بلادهم؟

وماذا يريد صاحب المبادرة أصلا؟ هل يريد حقا انطلاق مثل هذه المبادرة، أم أن الوظيفة الحقيقية لها هي إدارة أزمة داخلية مستعصية على الحل؟

وماذا يريد الأكراد: الفدرالية لكردستان وتحرير القدس الكردية أي كركوك من أيدي العرب، أم قيادة العراق الجديد بأسره؟

وحدهم "المسلحون" بحسب التسمية الأميركية يعرفون ماذا يريدون.

وعلى العراقيين أن ينتظروا مهلة الأشهر الستة التي حددها الحكيم للإطاحة بالمالكي كما وعد.

المصدر : الجزيرة