بشير موسى نافع

أثبت حزب الله من جديد أن توجهه نحو فلسطين توجه ثابت لا يتغير، وبالعملية الهائلة التي نفذتها قواته يوم 12 من هذا الشهر وأدت إلى مقتل سبعة جنود إسرائيليين وأسر اثنين آخرين، ضرب الحزب عدة أهداف في وقت واحد.

ولم يكن مستغربا أن تذهب التعليقات إلى إدراج علاقة الحزب التحالفية بسوريا وإيران ضمن حسابات هذه الأهداف، فكل من الحليفين يتعرض لحملة ضغط وحصار هائلين من إدارة الرئيس بوش.

ولم يكن مستغربا كذلك أن تقرأ العملية في ضوء الجدل العبثي الدائر بين القوى اللبنانية حول مستقبل المقاومة ومستقبل علاقة لبنان بسوريا.

"
رغم أن الأغلبية العظمى من العرب والمسلمين سنة، فإن حزب الله في القلب والعين من هذه الشعوب والتفافها حوله وحول لبنان التفاف ساحق
"
ولكن الحقيقة التي لا تخفى مهما كانت أهداف العملية، أن حزب الله قام -وعلى طريقته الخاصة- بتذكير أنصاره ومعارضيه على السواء بحقيقة ما يجري في هذه المنطقة من العالم.

وما يضاعف من وقع هذه العملية أنها جاءت والفلسطينيون يتعرضون لهجمة إسرائيلية بشعة عليهم كشعب وعلى كل مظاهر حياتهم الأخرى، بدون أن يعلو صوت النظام العربي الرسمي للدفاع عنهم، أو حتى للاحتجاج على المجزرة التي يتعرضون لها.

في عملية حزب الله وبعد أكثر من عام على اختلاط الأوراق اللبنانية والعربية، إعادة كشف للملامح الحقيقية للصورة بعدما حاولت جهات متعددة -عربية ودولية- تشويه أصل الصورة.

وحزب الله حزب إسلامي لبناني شيعي، شيعي الهوية وشيعي الولاء، لم يخف البعد الشيعي في هويته، ولا الشعوب العربية والإسلامية جهلت يوماً هذا البعد.

ورغم أن الأغلبية العظمى من العرب والمسلمين هم من السنة، فإن حزب الله في القلب والعين من هذه الشعوب.

بغض النظر عن الجدل والانقسام الذي أحاط بعملية حزب الله عربياً ولبنانياً، فإن الالتفاف العربي والإسلامي حول الحزب ولبنان هو التفاف ساحق.

من الرباط إلى القاهرة، ومن شوارع غزة إلى جاكرتا، ومن صنعاء إلى دكا، خرج العرب والمسلمون بمئات الآلاف -ومن اللحظة الأولى لقصف المدن والقرى اللبنانية- للتضامن مع الحزب ولبنان والإعراب عن الغضب تجاه العدوان الذي يتعرضان له.

وليس في هذا المشهد من جديد، فقد احتضن العرب والمسلمون الحزب وقيادته منذ تصاعد المقاومة الإسلامية في لبنان في التسعينيات.

لقد اعتبر العرب والمسلمون المقاومة اللبنانية مقاومتهم، وباتساع دائرة الالتفاف الشعبي حولها أخذ الموقف العربي الرسمي خلال التسعينيات في التطور التدريجي نحو دعم لبنان والمقاومة.

وسرعان ما حقق حزب الله انتصاره التاريخي بالانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من الجنوب اللبناني في ربيع 2000.

وقد اشتعل المجال العربي الإسلامي كله بالحماس وتحولت قيادة الحزب إلى قيادة للشارع العربي والإسلامي.

اليوم، يأتي العدوان الإسرائيلي على لبنان، ويأتي الالتفاف الشعبي العربي والإسلامي حول المقاومة التي يقودها حزب الله، وسط أجواء توتر طائفي في العراق امتدت آثاره إلى كل المجال العربي الإسلامي.

القوى التي تسببت -ولا تزال- في هذا التوتر الطائفي هي القوى السياسية الإسلامية الشيعية الرئيسية في العراق، ومجموعات إسلامية هامشية سنية.

وهذا الاختلاف في موقع وأهمية الجانبين ليس اختلافاً شكلياً، فالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والتيار الصدري وحزبا الدعوة والفضيلة والعدد الكبير من العلماء العراقيين الشيعة الذين يقفون إلى جانب هذه القوى أو يؤيدونها، يقفون في مقدمة الحركة السياسية الإسلامية الشيعية في العراق ويقدمون أنفسهم باعتبارهم ممثلي العراقيين الشيعة والناطقين باسمهم.

وقد بدأت هذه القوى في إثارة التوتر الطائفي منذ ما قبل بدء غزو العراق. فبعدما كان خطاب هذه القوى المعارض موجهاً ضد نظام الحكم العراقي السابق، انقلب تدريجياً إلى خطاب طائفي.

"
التشيع عاش منذ القرن الرابع الهجري ما يمكن أن يطلق عليه بالنظرية السياسية الشيعية، تدافعاً بين قوتين رئيسيتين: واحدة تنزع إلى تعزيز العزلة الطائفية، وأخرى تدفع إلى الانتماء لجسم الأمة الكبير
"
ولعل فشل هذه القوى في إطاحة النظام وتأسيس قواعد شعبية لها داخل البلاد قبل الاحتلال هو ما دفعها إلى تبني الخطاب الطائفي، تبحث في كهوفه عن مسوغ الاستمرار.

أصبح الخطاب الطائفي المتمحور حول ادعاءات السيطرة السنية على مقدرات الدولة العراقية، وسيلة هذه القوى لتأكيد شرعيتها ومعنى وجودها.

بيد أن الأمور أصبحت أكثر سوءاً عندما تأكد المخطط الأميركي لغزو العراق، إذ تحولت شكوك هذه القوى السابقة في السياسة الأميركية إلى تحالف معلن مع واشنطن، وإلى تعاون حثيث مع المخططين الأميركيين الساعين إلى تبرير عملية الغزو وتغطيتها بمظلة عراقية ما.

وما إن سقط النظام في بغداد ووقعت البلاد تحت الاحتلال حتى أصبحت هذه القوى حليفة معلنة للإدارة الأجنبية.

لم تتعاون هذه القوى -ومعها بالطبع مجموعات سنية- مع المحتل لإحكام السيطرة على العراق وحسب، بل ذهبت إلى إطلاق حملة اغتيالات واسعة ضد قادة سنة عسكريين ومدنيين، وضد علماء سنة من كافة التوجهات، إلى جانب تعهدها بحملة تطهير شاملة لأجهزة الدولة ووزاراتها من العرب السنة، مرة باسم اجتثاث البعث ومرة باسم التعاون مع النظام السابق.

بل قامت هذه القوى بتشجيع غوغاء الشارع الشيعي العراقي بالسيطرة على مساجد العراقيين السنة وأوقافهم.

صُوّر الاحتلال باعتباره انتصاراً للعدل التاريخي، وتم وضع أسس طائفية قاطعة لكل بنية العراق الجديد، من الحكومة والبرلمان إلى الجيش والمؤسسة الأمنية.

وما إن انطلقت المقاومة العراقية للاحتلال حتى خرجت هذه القوى والشخصيات والأحزاب بمشروع التقسيم الطائفي للعراق.

أثارت سياسة التحالف مع الاحتلال التي انتهجتها القوى الشيعية السياسية، والخطاب ومشروع التطهير الطائفي الذي تبنته، نزعات طائفية مضادة على هامش خارطة المقاومة، لاسيما لدى مجموعات مسلحة معينة ترتبط على هذا النحو أو ذاك بالقاعدة.

وشيئا فشيئا تطورت حوادث الرد والانتقام إلى حملة واسعة على عناصر الجيش والأمن الجديدين الذين هم في أكثريتهم من العراقيين الشيعة، وإلى تفجيرات عشوائية بين المدنيين.

ولأن غزو العراق واحتلاله أثار منذ البداية حالة غضب ومرارة عربية وإسلامية واسعة، ودفع بالمئات وربما الآلاف من الشبان العرب إلى الالتحاق بصفوف المقاومة العراقية، فقد أصبحت مجريات الحدث العراقي في مركز اهتمام الرأي العام العربي والإسلامي.

ولم يعد من الممكن تبرير سلوك القوى السياسية الشيعية للعرب والمسلمين، لا من حيث تحالف هذه القوى مع الاحتلال وتصديها للمقاومة، ولا من حيث سياستها وسلوكها الطائفي.

خلال الأسابيع الأخيرة انفجر الصراع الطائفي في العراق كما لم ينفجر في تاريخ العراق كله، وبات العراقيون سنة وشيعة يقتلون يومياً بالعشرات لمجرد كونهم سنة أو شيعة.

وبينما وقف أهل الرأي والعلماء وقادة الرأي العام العربي -سنة وشيعة- داخل العراق وخارجه ضد قوى الهامش السنية الطائفية، يتساءل الرأي العام السني عما إذا كانت القوى والشخصيات الطائفية الشيعية في العراق تجد حماية ودعماً من الجسم الشيعي العربي والإسلامي.

وهذه هي المشكلة الكبرى في الحالة الطائفية العراقية، لأن الموقع الذي يحتله أمثال الحكيم والجعفري والصدر وحتى السيستاني في الجانب الشيعي ليس كذلك الذي يحتله الزرقاوي مثلاً أو يحتله قادة القوى الطائفية المسلحة الأخرى -وهم جميعاً من النكرات المجهولين- في الجانب السني.

كما أن ما وجد استنكاراً وشجباً دائماً من أصحاب الرأي والتأثير في المعسكر السني لا يجد ما يماثله من شجب واستنكار في دوائر أهل الرأي والتأثير الشيعة.

"
بينما يثير الوضع العراقي وقواه الطائفية غضب العرب والمسلمين كافة، خرجت الملايين من العرب والمسلمين من الرباط إلى القاهرة ودمشق حتى ديار بكر لتؤكد وقوفها إلى جانب حزب الله
"
لم ينظر المسلمون السنة عبر تاريخهم كله إلى أنفسهم باعتبارهم طائفة أو مجموعة، بل باعتبارهم حاضنة الأمة ووعاء الإسلام الكبير.

ولم يكن غريباً أن يوجد بين أهل السنة مواقف متعددة من الفتنة الكبرى وأطرافها الرئيسية، بعضها يقترب من التشيع وبعضها يبتعد عنه، وأن تتوزع التوجهات العقدية السنية على أطياف مختلفة.

وفيما عدا الفرق الباطنية التي شذت عن حدود الاختلاف الإسلامي المتعارف عليها، فقد نشأت الفرق الإسلامية الرئيسية -مثل الشيعة الاثني عشرية- في قلب الاجتماع السني وفي ظل سلطته السياسية.

ولم يصطدم الإسلام السني بالتشيع الاثني عشري إلا خلال الحقبة الصفوية التي شهدت للمرة الأولى في تاريخ التجربة الإسلامية استخدام دولة تنتمي إلى الفضاء الإسلامي أقصى وسائل العنف للتبشير بمذهب معين والقضاء على الآخر.

هذا لا يعني بالطبع عدم وجود توجهات طائفية بين السنة، ولكن هذه التوجهات ظلت دائماً محدودة وهامشية، ولم تنعكس طائفيتها على الشيعة وحسب وإنما على أغلب السنة كذلك.

بيد أن التشيع عاش منذ القرن الرابع الهجري ما يمكن أن يطلق عليه بالنظرية السياسية الشيعية تدافعاً بين قوتين رئيسيتين: واحدة تنزع إلى تعزيز العزلة الطائفية، وأخرى تدفع إلى الانتماء لجسم الأمة الكبير.

ولعدة قرون تالية تناوبت هاتان القوتان الصعود والتراجع من حقبة تاريخية إلى أخرى، ولكن تسارع حركة الاتصال والطباعة والنشر منذ النصف الثاني من القرن العشرين جعل هاتين القوتين تتجاوران في محيط جغرافي واحد وفترة زمنية واحدة.

هذا التجاور بين رؤيتين مختلفتين وسط المسلمين الشيعة من حيث النظرة إلى الذات والعلاقة بالأمة لا يقتصر على الجانب السياسي، وإنما يطال السياسي والاجتماعي والعلمي كذلك.

وما نشهده اليوم من افتراق بالغ بين المنظمات والشخصيات السياسية الشيعية في العراق التي أججت الصراع الطائفي وتسعى إلى تكريس انقسام البلاد والشعب من ناحية، وحزب الله الذي يقف بجدارة في طليعة حركة المقاومة والممانعة العربية والإسلامية من ناحية أخرى، هو دليل على هذه الحالة.

يولد الافتراق داخل الدائرة الشيعية استجابات مختلفة من جسم الأمة الكبير، فبينما يثير الوضع العراقي وقواه الطائفية غضب العرب والمسلمين كافة، خرجت الملايين من العرب والمسلمين من الرباط إلى القاهرة ودمشق حتى ديار بكر، لتؤكد وقوفها إلى جانب حزب الله.

وهذا مؤشر واضح على أن بوصلة الضمير الجمعي الإسلامي لا تخطئ الاتجاه.
___________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة