محمد مورو

- حرب مبيتة
- توقيت مناسب
- السم الذي لا يقتلني يزيدني قوة

العدوان الصهيوني واسع النطاق على لبنان، يستهدف بالدرجة الأولى تصفية حزب الله... وهو هدف إسرائيلي تقليدي، وهدف أميركي كذلك، ولكن هناك أيضاً مستجدات في هذا الصدد.

الطريقة التي تقوم بها إسرائيل بتنفيذ العدوان المسمى "الثمن الرادع" تؤشر إلى الهدف المرجو منه.

"
رد الفعل واسع النطاق، واستهداف المدنيين بصورة متعمدة يعني أن هناك هدفا من وراء ذلك هو تحريض الشعب اللبناني على المقاومة
"
حرب مبيتة

الضربات الأساسية موجهة إلى المدنيين، بل إنه تم تنفيذ مذبحة في سكان قرية مروحين عند محاولتهم الخروج منها، وذلك بدون أي خطأ في الرصد الصهيوني أو أي مبرر عسكري.

ونلاحظ هنا أن العملية التي نفذها حزب الله "الوعد الصادق" كانت ضد دورية عسكرية صهيونية، وراح ضحيتها قتلى وأسرى من الجنود الصهاينة لا من المدنيين الإسرائيليين رغم اعترافنا طبعاً بعدم وجود مدنيين في إسرائيل، لأنها بمثابة معسكر وكل من يقيم عليها مغتصب لحق الآخرين.

المهم أنه بكل المقاييس حتى الإسرائيلية فإن ما قام به حزب الله في عملية الوعد الصادق كان ضد هدف عسكري، ومن قبل أقرت وزيرة الخارجية الصهيونية الحالية بأن استهداف المدنيين الإسرائيليين هو المرفوض، أما استهداف العسكريين الصهيونيين فهو مبرر.

وأياً كانت دوافع هذا التصريح من وزيرة الخارجية الإسرائيلية فإنه مقياس صهيوني يبرر العمل ضد العسكريين الصهاينة، أي أن عملية الوعد الصادق كانت مبررة من وجهة النظر الدولية والشرعية والإسرائيلية ذاتها.

ومن ثم فإن رد الفعل الواسع النطاق، واستهداف المدنيين بصورة متعمدة يعني أن هناك هدفا من وراء ذلك هو تحريض الشعب اللبناني على المقاومة، ويدخل في هذا الإطار ضرب مرافق المياه والكهرباء والطرق والكباري والجسور.

إنها رسالة إلى الداخل اللبناني لتكوين حصان طروادة لبنانيا أو إعطاء هذا الحصان الموجود أصلاً المبررات من مثل أن قرار التصعيد يجب ألا يكون لحزب الله وحده، لأنه يمس لبنان كله ولبنان كله يدفع الثمن.

ومن مثل أن أسر جنديين إسرائيليين حتى ولو كان معناه الإفراج عن أسرى لبنانيين في عملية تبادل لا يستحق هذا الثمن الباهظ الذي يدفعه لبنان، بل ويصل هؤلاء إلى حد القول إن الأسرى اللبنانيين ليسوا بالضرورة أعز على لبنان من القتلى الذين سقطوا في العدوان الصهيوني وهو قول منافق ومراوغ طبعا.

ومن مثل أن ما يفعله حزب الله يدمر الموسم السياحي، ويضر لبنان اقتصادياً وأنه حتى لو كان يضر إسرائيل بالمثل، فإن الاقتصاد الإسرائيلي أقوى من الاقتصاد اللبناني المنهك والمدين بنحو 40 مليار دولار وأن هناك سلطتين في لبنان ويجب إنهاء هذا الوضع، ويجب في النهاية نزع سلاح حزب الله.

استهدف الضرب الصهيوني أيضاً مكاتب حزب الله ومرافقه والمراكز التابعة له، والضاحية الجنوبية في بيروت وأيضاً استهدف الضرب الموانئ والمطار وكل الطرق المؤدية إلى سوريا، لمنع أي مساعدات عسكرية أو اقتصادية إيرانية أو سورية عبر سوريا، أي حصار حزب الله تمهيداً لتصفيته.

وبديهي أن حجم عملية الثمن الرادع لا تتلاءم مع عملية "الوعد الصادق" لأن الانتقام للعسكريين الصهاينة من قتلى وأسرى لا يكون بضرب المدنيين والمرافق.

أما محاولة فك أسر الجنديين الإسرائيليين المأسورين فلن يكون بهذه الطريقة، يكون مثلاً بجمع معلومات عن المكان المحتجزين فيه، ومن ثم القيام بعملية نوعية لتحريرهما.

وعموماً فإن عمليات خطف الجنود الصهاينة ليست جديدة، وتمت العشرات منها على يد المقاومة الفلسطينية وحزب الله، وكان يتم التفاوض، وإطلاق سراح أسرى ومسجونين عرب وفلسطينيين في المقابل أو تنفيذ عملية محدودة ضد الخلية التي قامت بعملية الخطف مثلا.

"
المسرح تم تجهيزه لبنانيا وعربيا ودوليا للقضاء على حزب الله وتنفيذ القرار 1559 بنزع سلاحه على يد الجيش الإسرائيلي
"
توقيت مناسب

وهكذا فنحن أمام عملية لها أهداف أكبر من مجرد رد الفعل على عملية الوعد الصادق، إننا أمام محاولة واضحة للقضاء على حزب الله، وقد تم تجهيز المسرح لذلك.

فهناك القرار 1559، وهناك التباطؤ من مجلس الأمن، وهناك دعم وتنسيق مسبق من أميركا، بل هناك نوع من النقد لحزب الله تم على يد دول مثل روسيا أو دول أوروبية بل حتى دول عربية كبيرة اتهمت حزب الله بأن مغامراته تضر بشعوب المنطقة.

وهناك الداخل اللبناني المعقد، العداء التاريخي بين حزب الله والقطاع الانعزالي من الموارنة، أو قل العمالة التقليدية لهذا القطاع لإسرائيل وأميركا، باستثناء التيار الوطني الحر بقيادة ميشيل عون.

وهناك الموقف المتردي بين وليد جنبلاط وسوريا الذي يصب في النهاية في خانة العداء لحزب الله، وطلب نزع سلاحه باعتباره أكبر حلفاء سوريا.

وهناك تيار الحريري والعداء مع سوريا إضافة إلى المصالح التي يرتبط بها هذا التيار إقليمياً ودولياً، وهناك الخطأ التاريخي الذي وقع فيه شيعة العراق وعمالتهم ودعمهم للاحتلال الأميركي، ومواقف إيران المراوغة والمترددة، وأحياناً الطائفية والسُنية في الموضوعين الأفغاني والعراقي.

كل هذا يصرف القطاع الوطني -وهو الأصل- في سُنة لبنان عن حزب الله باعتباره حزباً شيعياً ومن ثم فإن المسرح تم تجهيزه لبنانياً وعربياً ودولياً للقضاء على حزب الله وتنفيذ القرار 1559 بنزع سلاح حزب الله، على يد الجيش الإسرائيلي.

هذا مجرد سيناريو أعدته إسرائيل وأميركا وحلفاؤهما في لبنان والمنطقة، ولكن الأمور لا تدور بهذه الطريقة لأن الطرف الآخر لن يقف مكتوف الأيدي، وإرادة أميركا وإسرائيل ليست قدرا مقدورا.

ومن ثم فإنني أعتقد أن حزب الله كان يدرك أن استهدافه قادم لا محالة فقرر اختيار الزمان والمكان لجر إسرائيل إلى المعركة، فاختار توقيتاً ممتازا كانت فيه إسرائيل تضرب بلا هوادة في غزة، وتحاصر الشعب الفلسطيني وتقتل وتذبح وتدمر الطرق والجسور والمرافق.

ولما عجزت الدول العربية أو حتى الحركات السياسية عن فعل شيء للشعب الفلسطيني أو حماس، قامت قوات حزب الله بالهجوم على دورية صهيونية وقتلت وأسرت جنودا صهاينة في عملية ناجحة تضاف إلى السجل الرائع لحزب الله.

ومن ثم فقد أعادت العزة والثقة إلى الإنسان العربي، وأعطت رسالة أيضاً أن حزب الله هو القوة الوحيدة العربية التي فعلت شيئاً من أجل الفلسطينيين، وهذا بالطبع يعيد إليها شيئاً من المشروعية الشعبية التي فقدتها بسبب مواقف شيعة العراق.

وكانت دوائر التخطيط في حزب الله تدرك أن إسرائيل لن تستطيع أن تصمت أمام شعبها على هذه الإهانة التي لحقت بالعسكرية الصهيونية في عملية الوعد الصادق، خاصة أنها جاءت بعد عملية أكثر روعة نفذتها حركات المقاومة في فلسطين هي عملية "الوهم المتبدد" التي تم فيها حفر نفق تحت أقدام الجيش الصهيوني، والوصول إلى موقع عسكري صهيوني في كفر سالم وتنفيذ معركة عسكرية رائعة انتهت بقتل جنود صهاينة وأسر جندي آخر جلعاد شاليت والعودة به.

"
حزب الله كان يدرك أن استهدافه قادم لا محالة فقرر اختيار الزمان والمكان لجر إسرائيل إلى المعركة، فاختار توقيتاً ممتازا كانت فيه إسرائيل تضرب بلا هوادة في غزة وتحاصر الشعب الفلسطيني وتقتل وتذبح وتدمر الطرق والجسور والمرافق
"
ومن ثم فإن سكوت إسرائيل يعني ضياع أي إحساس بالأمان لدى الشعب الصهيوني بعد أن فقد الاطمئنان إلى ذراعه العسكرية، أي أن العدوان على لبنان كان أمراً حتمياً، وهذا يفيد حزب الله لأنه يجيء في الوقت المناسب له.

فالشارع العربي والإسلامي المستفز تماماً من العدوان الصهيوني على الفلسطينيين، لن يجعل أحداً من الحكومات أو القوى في قدرة على الوقوف بقوة ضد حزب الله في لبنان أو خارجه.

ثم إن الضغط الأميركي والصهيوني على سوريا، إلى درجة تحليق طائرات إسرائيلية فوق القصر الرئاسي في دمشق يجعل قيام حزب الله بالعمل في ذلك الوقت يحظى بتحريض سوري أو رضا سوري ومن ثم دعم سوري.

وكذا الملف النووي الإيراني وتهديد أميركا باللجوء إلى مجلس الأمن في هذا الصدد، يجعل تحرك حزب الله هنا نوعاً من الرسالة إلى الأميركان بأن للإيرانيين ورقة قوية جداً تسمى حزب الله يمكنها العمل ضد إسرائيل وربما أميركا إذا لزم الأمر.

وهكذا فإن العملية تحظى بالتحريض الإيراني أو الرضا على الأقل ومن ثم الدعم المطلوب، وخاصة على مستوى الصواريخ متوسطة المدى أو الكاتيوشا أو أي دعم يحدده حزب الله.

وعملية الوعد الصادق ذاتها بما فيها من أسر جنديين إسرائيليين وإمكان مبادلتهما مع أسرى لبنانيين سيضغط بدوره شعبياً في لبنان لصالح حزب الله وخاصة عند الدروز "سمير القنطار لبناني درزي مثلا" واستهداف إسرائيل عموما يرضي السُنة تقليديا، فما بالك إذا كان ذلك دفاعا عن حكومة حماس.

حزب الله إذن كان يدرك أن لديه الكثير من الأوراق وهو بالطبع كان مستعدا لتلك الحرب، فأمكنه توجيه الصواريخ إلى المدن الصهيونية في الجليل ونهاريا وحيفا، وإظهار قدرته على الوصول إلى كل مكان في إسرائيل، وقتل وجرح إسرائيليين وبث شعور إسرائيلي كامل بعدم الأمان وهي قوة ردع لن تستطيع إسرائيل تحملها طويلا.

وهذا يعني أن تقديرات حزب الله كانت تقول إن بإمكاننا الصمود، وإن العدوان سينتهي حتماً ومن ثم نكون قد أجهضنا مخطط التصفية مبكراً وفي الوقت الملائم لنا، واستعدنا مشروعيتنا الثورية في الشارع العربي والإسلامي واللبناني بعد أن شوهتها مواقف شيعة العراق.

"
لو نجحت المفاوضات أو المساومات بين أميركا وإيران وتم نوع من تبادل المصالح –وهو أمر لا يزال مستبعداً ولكنه محتمل– فإن حزب الله وحده سيدفع الثمن
"
السم الذي لا يقتلني يزيدني قوة

وإذا ما انتهى العدوان بدون تصفية حزب الله فهذا يعني أن كثيراً من القوى ستغير موقفها من نزع سلاح حزب الله، لأن إسرائيل ذاتها مع مباركة دولية وأميركية وعربية –بدرجات مختلفة– لم تنجح في ذلك، إذاً فإن هذا الأمر صار غير متاح لسنوات طويلة على الأقل.

ولكن أخطر ما في الموضوع هو أن الدعم الإيراني والسوري لحزب الله أصبح أمراً حيوياً جداً، ومن ثم فإنه لو نجحت المفاوضات أو المساومات بين أميركا وإيران مثلاً، وتم نوع من تبادل المصالح –وهو أمر لا يزال مستبعداً ولكنه محتمل– فإن حزب الله وحده سيدفع الثمن.

ولعل قراءة تفاصيل المشروعات المطروحة دولياً والتي حملها المبعوثون الدوليون إلى بيروت والتي كانت تطرح بوضوح تبادل الأسرى، ووقف العدوان وانتشار الجيش اللبناني إلى الجنوب، ونزع سلاح حزب الله جزئياً أو كلياً لا يمكن فهمها إلا في إطار أنها جزء من صفقة متوقعة بين أميركا وإيران.

وحزب الله بداهة لن يقبل بنزع سلاحه مهما كانت الظروف لأنه أولاً قتل أميركان وإسرائيليين وقصف المدن الصهيونية بالصواريخ، أي أنه بمجرد نزع سلاحه سيكون عرضة لحملة مطالبة دولية بمحاكمة قادته وربما حمل عدد كبير من عناصره إلى سجن غوانتانامو.

إذا أفلت حزب الله من التصفية هذه المرة، فإنه سيزداد قوة، بل ربما يكون البديل لمزيد من التراجع الأميركي الصهيوني والصمود السوري الإيراني، وفي أقل الأحوال فإن السم الذي لا يقتلني يزيدني قوة.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة