هيثم مناع

هيثم مناع

- مواليد 16 مايو/أيار 1951 في جنوب سوريا (أم المياذن) من عشيرة العودات، ودرس الطب في جامعة دمشق وجامعة ماري وبيير كوري في باريس.

منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001 طغت لغة المحاور على الخطاب السياسي في المنطقة العربية، هذه اللغة التي لها أبعاد نفسية وسياسية في العالم الغربي (الحلفاء في وجه المحور الألماني الإيطالي الياباني) يجري هنا منحها مسحة دينية تناسب المحافظين الجدد (محور الشر ومحور الخير).

دخل خطاب المحاور قويا إلى الأحزاب والدول والمؤسسات الثقافية، بل وإلى بعض منظمات حقوق الإنسان.

وأذكر أنه في الأسابيع الأولى التي تلت أحداث سبتمبر/أيلول، لم يكن بإمكان مفكرين غربيين كبار أو حقوقيين مشهود لهم بالنزاهة رفع الصوت ضد حرب لا يُعرف سقفها في أفغانستان.

ولا أنسى جملة مسؤول قيادي في منظمة إنسانية دولية قال لي بالحرف "أحسدكم على كونكم لجنة عربية، وبالتالي غير مضطرين لإعطاء وجهة نظر بما يحدث في أفغانستان".

رغم كل النتائج التدميرية التي رافقته، كان لاحتلال العراق سمة إيجابية تتجلى في استعادة المجتمعات المدنية على الصعيد العالمي المبادرة.. لقد ملأت المظاهرات المليونية عواصم أوروبا. كما نجحت المنظمات غير الحكومية في استعادة جزء هام من الفضاء الذي خسرته في هرج ومرج الحرب على الإرهاب.

غير أن التجمعات الأميركية المنتجة للسلاح ومجموعات الضغط النفطية وتجمعات مالية كبرى لم تبصر ما يحدث إلا من ثقب مصالحها المباشرة.

"
على كل ديمقراطي عربي أن يختار بين أحد أمرين: إما أن يكون مع الديمقراطية واحترام خيار الشعب الفلسطيني، لكن مع المجازفة بتصنيفه نصيرا للإرهاب، وإما أن يقول إن حماس منظمة إرهابية تجب مقاطعتها سياسيا واقتصاديا لتموت هذه التجربة في المهد
"
ففي الولايات المتحدة دعمت إنجاح بوش الابن لولاية رئاسية ثانية تسمح لعولمة حالة الطوارئ بالذهاب إلى مداها الأقصى، عبر استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في ظل احتلال العراق، وتعميم ظاهرة السجون السرية، وضبط الرقابة المالية والشخصية على كل من لا يقف مع الإدارة الأميركية، وإبقاء غول غوانتانامو على رؤوس العباد.

هذا علاوة عن الانتقال -رغم كل التعثر السياسي في أفغانستان والعراق- إلى جرد حساب بكل الدول المصنفة في محور الشر، الأمر الذي يعني بعد صدام حسين، إيران والسودان وسوريا.

وحيث كان لبنان وما زال الحلبة الأفضل لقياس درجة الحرارة السياسية في المنطقة، فقد تحركت الإدارة الأميركية بشكل ذكي مع حكومة فرنسية تبحث عن وسيلة مراضاة للسيد بوش بعد التقرحات التي سببتها له أثناء أزمة العراق.

واستطاع الثنائي الأميركي الفرنسي في وقت أصيبت فيه السياسة السورية الرسمية بمرض التصلب اللويحي في الرأس والجسد، أن يدخل إلى السياسة الداخلية اللبنانية كلاعب مباشر.

كان ذلك ضمن تحالف واسع امتلك تجاوبا سياسيا هاما، عززته الأوضاع البائسة التي أنتجها الوجود العسكري-الأمني السوري.

غير أن السياسة الغربية كانت تقوم باستمرار على مبدأ "ما هو مجاني مثير للريبة".

لذا ربط المحور الفرنسي الأميركي خروج القوات السورية بنزع سلاح كل من هو خارج نطاق الدولة.

وهذا الأمر المنطقي في المطلق، أصبحت ترجمته الميكانيكية الفورية في الظروف العيانية في لبنان اليوم، تعني بأحسن الأحوال جعل الحرب الأهلية أحد احتمالات المستقبل القريب.

لن نتوقف كثيرا عند اغتيال الحريري الذي تم استغلاله -بغض النظر عن الفاعل- بطريقة خلاقة من قبل الإدارة الأميركية. ففرنسا التي لم يجد منها مسؤول واحد رفيع المستوى ضرورة للاجتماع بالجنرال ميشال عون خلال فترة منفاه (إرضاء للمرحوم الحريري حينا وجزءا من المراهنة على علاقة خاصة بالسلطة السورية أحيانا أخرى)، تحولت إلى بلد يتيم الحلفاء بكل معنى الكلمة مع اغتياله، وقد ضعف موقفها أكثر بمراهنة آل الحريري على إدارة بوش.

وكما قال أحد صحفيي ليبراسيون المختصين بالمنطقة "ليس لدى البراغماتيين مروان حمادة ووليد جنبلاط أي دافع لعدم المرور مباشرة إلى إدارة أميركية لا تريد وسطاء".

إذن عدنا إلى مواجهة مباشرة مع منطق الإدارة الأميركية الذي خطب وده قصر الإليزي المحدود الحركة، ما يعني العودة إلى منطق الحرب على الإرهاب أولا، وضرب محور الشر ثانيا، وحماية دولة إسرائيل ثالثا.

وبذلك جرى الترويج من جديد لفكرة "المحور الإيراني-السوري الذي يستعمل حزب الله ويوظف حماس ويحرك خالد مشعل ويرسل المتطوعين إلى العراق لضرب التجربة الديمقراطية الوليدة!"

هكذا يتحول أكثر من سمسار إقليمي إلى مروج لخطاب أميركي يقضي على أية ديناميكية في التفكير السياسي ويضع كل من يريد دخول الشأن العام في المنطقة أمام تصنيف سهل: مع الإدارة الأميركية وحلفائها أم مع محور إيران-سوريا (الشيعي والطائفي والدكتاتوري والإرهابي المناهض للديمقراطية والذي يعتمد خطابا حربيا ليغطي على عوراته التسلطية وأزماته الاقتصادية ومشكلات الناس الحقيقية).

هذا الخطاب المبسط حتى السذاجة والخطير بنتائجه المباشرة وغير المباشرة، يجري دعمه بشكل كبير من الوسائل الإعلامية المدفوعة الثمن أميركيا وعربيا. كذلك يغطي عليه عدد من المسؤولين العرب الذين لم يعد لهم من سياسة أو سيادة.

وقد برزت نتائجه الكارثية بشكل واضح منذ نجاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات الأكثر نزاهة في العالم العربي منذ نصف قرن.

حينها أصبح على كل ديمقراطي عربي أن يختار بين أمرين لا ثالث لهما، إما أن يقول إنه مع العملية الديمقراطية، أي ضد أي انقلاب على الطريقة الجزائرية ومع احترام خيار الشعب الفلسطيني، لكن مع المجازفة بتصنيفه نصيرا للإرهاب.

وإما أن يقول إن حركة حماس منظمة إرهابية -تماما كما صنفها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة- وبالتالي تجب مقاطعتها سياسيا واقتصاديا لتموت هذه التجربة في المهد.

"
هناك من ينصحنا بالانضمام إلى محور "الخير" الأميركي بدعوى الفاعلية، وبأن نقول إن سوريا وإيران مصدر الشر كله بمقابل سخي، كما يطالبنا بأن نغمض العين عن عملية خنق الشعب الفلسطيني بدعوى إفشال تجربة حماس
"
الحقيقة وقبل وصول حماس إلى السلطة، تسرب إلينا خبر اجتماع سري للمفوضية الأوروبية يوم 17/12/2005 تم الاتفاق فيه على وقف المساعدات الأوروبية للسلطة الفلسطينية في حال نجاح حماس في الانتخابات التشريعية.

لم أكن أود تصديق ذلك في البداية، إلا أن ما حدث فيما بعد أكد صحة الخبر، بحيث وضعنا أمام الثنائية البوشية من جديد، لكن بثوب أوروبي هذه المرة.

ويتم ذلك بما معناه أن تعطى إسرائيل الغطاء السياسي للقضاء على ما تبقى من بنية تحتية في المجتمع الفلسطيني المحاصر بأقسى أشكال الاحتلال الاستيطاني في عصرنا.

ومعناه أيضا أن بلدان المفوضية الأوروبية التي تنتقد سياسة واشنطن في غوانتانامو والسجون السرية تصمت على سياسة الدولة العبرية وتقبل بارتكاب جرائم حرب في فلسطين.

هل من الضروري التذكير بالمادة 54 من البروتوكول الأول الملحق باتفاقيات جنيف التي تنص على:

1- يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب.

2- يحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين.

ومثالها المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري.

غير أن الأخطر وبكل المعاني، هو أن هذا التقسيم يضع الإدارة الأميركية والمفوضية الأوروبية والحكومة الإسرائيلية في معسكر واحد، ويحوّل كل من ينضم إليه من لبنان وسوريا والأردن ومصر والخليج، إلى أدوات في خدمة السياسة التوسعية الإسرائيلية ضد طواحين الهواء المسماة مقاومة وصمودا! كما يدفع كل الأطراف المحاصرة فلسطينيا ولبنانيا وسوريا إلى الاختيار بين "الأشرار" و"الأخيار"!

إذا كانت الدكتاتوريات العربية قد زرعت جذور الوهن وضربت مفهوم الدولة، واختزلت السلطات في أزلامها والمواطنة إلى قصيدة مستحيلة، فالدكتاتورية الأميركية تريد أن نحمل السلاح أو الكلمة للمطالبة بالإفراج عن الجندي شاليط، وأن نصدر بيانا نؤيد فيه اختطاف 64 شخصية فلسطينية حكومية ونيابية، وأن نلوم حاكم دمشق على عدم اعتقال السيد مشعل أسوة بقرار عمير وإيهود أولمرت؟

لكن كيف يمكن للديمقراطي اللبناني أن يقبل بالتصنيف الإلزامي بين حزب الله أو مروان حمادة؟ أليس من حقه أن يفتح ملف أمراء الحرب ولو كانوا ضد السلطة في دمشق؟

ألا يجوز له أن يجاهر بأن نزول الناس إلى الشارع لم يكن للحفاظ على العقلية الطائفية والإقطاعية في الحكم، دون أن يتهم بالعمالة لطهران؟

هل يمكن الحديث عن الحرية في سوريا مفصولة عن التحرر؟ هل يريدون من الديمقراطيين بيع الجولان وقبول الأمر الواقع للاعتراف الدولي بهم طرفا صالحا للحوار؟

وإذا كانت الحكومة السورية تتحاور مع وزراء عراقيين كانوا حتى الأمس القريب لاجئين في حماية الجنرال الأسد، فهل على نشطاء حقوق الإنسان إغماض العين عن جرائمهم بحق الشعب العراقي؟

أليس لنا الحق ونحن نحارب السياسة الأميركية العدوانية والمنحازة للمحتل الإسرائيلي أن ننتقد بحزم انتهاكات حقوق الإنسان في إيران وأن نطالب بوقف الإعدامات السياسية في هذا البلد؟ وأن نوقع ونناضل لإعلان دمشق من أجل التغيير الديمقراطي في سوريا؟ وأن نحمي إعلان دمشق-بيروت من التوظيف الرخيص عند البعض، كما نحمي موقعيه من العدوانية الأمنية عند سلطات دمشق؟

صحيح أن هناك من ينصحنا بالانضمام إلى محور "الخير" الأميركي بدعوى الفاعلية، وبأن نقول إن سوريا وإيران هما مصدر الشر كله بمقابل سخي، كما يطالبنا بأن نغمض العين عن عملية خنق الشعب الفلسطيني بدعوى إفشال تجربة حماس..

لكننا نؤثر أن نتهم بالسذاجة السياسية عندما نكرر لكل من لديه آذان ليسمع، بأن الخسارة الفعلية اليوم هي في التخلي عن القيم والمبادئ الأساسية التي يمكن أن تعيد بناء الحق في الحلم.

"
هناك ضرورة للخروج من منطق الإدارة الأميركية الثنائي المدمر والعودة إلى التحليل السياسي والموقف السياسي الأصيل
"
في كل يوم تولد كالطحالب صيغ استهلاكية للعمل السياسي والحقوقي، وتزور الأسماء والأحداث في حفلة الحرب الإعلامية.. لكن هذا لم يمنع من نشوء "كارتل" إعلامي متنوع الأصول مشترك الهدف بشكل مباشر أو غير مباشر.

مهمة هذا الكارتل هي التركيز على من اختار معسكره في صراع المحاور، وتهميش كل من آثر تأصيل ثقافة سياسية خلاقة ترفض القوالب الجاهزة المعدة في واشنطن.. ثقافة ترفض التهريج والترويج.. ومسلك يأبى ربط الحرية بالمحتل، ويرفض ربط الخلاص من الدكتاتورية بالكيان العنصري الإسرائيلي.

هناك ديمقراطيون مصرّون على أن الحريات الأساسية ليست مشروعا استعماريا، بل هي في صلب معركة الشعوب للتمتع بثرواتها المادية والمعرفية.

يكفي استعراض دقة أخبار وكالة أنباء "يو.بي.آي" مثلا، لإدراك هذا الإصرار على تقديم صورة محددة عن المعارضة السورية والأوضاع في سوريا واستنتاج الأهمية المعطاة لدولة إسرائيل في الخبر.

وإن كنا بحاجة إلى دلائل أخرى فعلينا متابعة الإعلام الخاضع لمنطق المحاور في تغطية العدوان على غزة، إذ لم يكن في التظاهرة الباريسية يوم 2/7/2006 احتجاجا على العدوان الإسرائيلي، من فضائية عربية واحدة في الساحة.

لا نستغرب من الغرب العطوف التواطؤ، فيوم كانت السيارات تحترق في الضواحي الباريسية كان وفد من أكبر منظمة فرنسية لحقوق الإنسان يحتج على مواقف الرئيس الإيراني المعادية للسامية! ويوم ضربت الجسور ومولدات الكهرباء في غزة لم يخجل البعض من الحديث عن أهداف عسكرية.

أما أن يكون من الإعلام العربي من يعمل لمحور البنتاغون بأموال عربية ومن نفط وخبز المواطن العربي.. فهذا كثير.

هذا النوع من الحرب هو أولا حرب على التعددية السياسية والثقافية، حرب على مبادئ وأوليات حقوق الإنسان، حرب على الحق في رفض المحاور، حرب على الحق في نقد من هو فيها وخارجها، حرب على قيام ديمقراطية جديرة بالتسمية في العالم العربي.

من هنا، نجد ضرورة الخروج من منطق الإدارة الأميركية الثنائي المدمر والعودة إلى التحليل السياسي والموقف السياسي الأصيل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك