نبيل شبيب

صنعة الاستخذاء
غسيل دماغ جماعي
نماذج شعبية

أين ردود الفعل الشعبية على ما يجري في أرض فلسطين؟ أين المظاهرات والاحتجاجات والمساعدات؟ ماذا يُنتظر بعد لنشهد مثل ما شهدناه في مطلع انتفاضة الأقصى؟

في اليوم الأول للعدوان الجديد على غزة ظهرت ردود فعل شعبية "خجولة" على حد تعبير فضائية الجزيرة، اقتصرت على بلد أو بلدين، وشارك فيها بضع مئات من الفلسطينيين المهجرين في الدرجة الأولى. وبعد يومين، أي في يوم الجمعة الذي استبقه الإسرائيليون -على ما يبدو- بالإعلان عن وقف عملية الاجتياح دون أن ينقطع القصف والغارات الجوية، ظهر المزيد من ردود الفعل الشعبية، ولكن بقيت أيضا دون مستوى الحدث.

"
هل العجز عجز الحكومات أم الشعوب أم عجز من يتكلم ويكتب عنه؟ أليس من العجز السؤال المتكرر عنه دون البحث الجاد عن سبيل الخروج منه؟
"
صنعة الاستخذاء

وسائل الإعلام تركز منذ فترة على السؤال عن الشعوب وما تصنع أو لا تصنع، ويبدو أن الكتاب سبق أن أرهقهم الحديث عن عجز الحكومات، و"أعجزهم" التعبير عن الحالة العربية الراهنة، بعدما استهلكت كثرة الاستخدامِ كلمات من قبيل الذل والجبن والاستخذاء والخنوع وغيرها.

ويعلم مستخدموها أنه ما لجرح بميت إيلام، إنما يلفت النظر أن هذه المقولة استخدمها العرب نعياً لِمن لا تؤثر فيهم الكلمة وبحثاً عن سواهم، ولم تكن من باب "وصف واقعي" لحالهم ولتسويغه كما يفعل بعض المتحذلقين هذه الأيام!

هل العجز عجز الحكومات أم الشعوب أم عجز من يتكلم ويكتب عنه؟ أليس من العجز السؤال المتكرر عنه دون البحث الجاد عن سبيل الخروج منه؟

أليس المحور الأهم للعجز كامنا عند السائلين مِمن نسميهم "النخب"، وهي تسميةٌ يُفترض أن ترتبط بقدرة النخبة في الأوقات الصعبة على تشخيص الداء ووصف الدواء والحث على تعاطيه والإرشاد للوسائل الناجعة على الطريق حتى الشفاء!

الشعوب متهمة -عند الحكومات والنخب- بالعجز، ومتهمة أيضا بأنها دون سن الرشد، كما يزعم من يسوغ حرمانها من اختيار سلطات الحكم في بلادها بنفسها. فعلى افتراض صحة هذا الاتهام، مَن المسؤول سوى "النخب" عن التوعية والإرشاد، عندما تستخدم أنظمة الحكم سلطانها للمحافظة على وجودها فقط، حتى وإن أصبحت إقليميا ودوليا في حكم العاجزة عن صناعة قرار مستقل يعبر عن "سلطان" ما، يشمل سيادتها وسيادة دولها ناهيك عن إرادة شعوبها؟

إن من "النخب" عبر العقود الماضية فريقا ساهم إسهاما رئيسيا في نشر الاستخذاء شعبيا. فسبقت أقلام عديدة في إعلام أصفر وأخضر، مسيرةَ السادات إلى كامب ديفد الأولى بسنوات، وشرعت في حذف الأقواس حول كلمة "إسرائيل"، وحذف كلمة عدو من قواميس الإعلام والفكر عسى أن يغيب من الذاكرة التاريخية أيضا، وإن بقي واقعا منظورا قائما على الأرض.

ولا يزال أثر استمرار ذلك السلوك واضحا إلى اليوم في إعلام يغيب حس التمييز بين الحق والباطل في مفاهيم وكلمات لا ينقطع العمل على تزييف مضامينها، مثل "شرعية دولية" لم تكن يوما شرعية، و"سياسة واقعية" لم تستوعب قط معطيات الواقع للتعامل معه بقصد التأثير فيه، أو حتى بعض التعابير الإعلامية اليومية، مثل "جندي إسرائيلي مختطف" بدلا من "أسير"، وتعميم كلمة "إرهابية" على عمليات مقاومة مشروعة، فضلا عن تلقي كل ما يُلقى في ساحتنا وتوظيفه في حملة تيئيس كبرى، تركز على استحالة النهوض بعد السقوط، تحت عناوين مترجَمة متتابعة، بدأت قبل "عاصفة الصحراء" ووصلت هذه الأيام إلى "أمطار الصيف"!

"
عمليات غسيل الدماغ جماعيا مهمة ثابتة ترافق حملات القهر المتتابعة، وتلك مهمة لا يمكن أن تنفذها زعامات منتخبة بل مصطنعة، ولا أنظمة ديمقراطية بل استبدادية، لا تأتي عبر صناديق اقتراع، بل عبر إجرام الدبابات والطائرات وأقبية المخابرات
"
غسيل دماغ جماعي

هذا غيض من فيض من سلسلة حملات كبرى -غير عسكرية- محورها "غسيل دماغ جماعي"، يُظهر للعيان أن الشعب الفلسطيني تحاصره آلة الحرب الصهيو-أميركية في فلسطين، وأن الغالبية العظمى من شعوبنا العربية والإسلامية تواجه آليات حصار أخرى مبتكرة تجاوزت شدتها سائر ما مضى في عالمنا المعاصر وما يَصنع فيه الاستبداد الدولي والاستبداد المحلي معا.

لم يعد السؤال المطروح عربيا -لأنه غير مطروح دوليا- كيف يمكن التعامل مع إرادة شعب فلسطين الذي لا يملك في الأصل إنسانٌ ولا مجلس ولا قرار ولا استفتاء صلاحية حرمانه من حق تقرير مصيره بنفسه. بل أصبح السؤال المطروح: كيف يمكن كسر الإرادة الشعبية في فلسطين، وكسر الإرادة السياسية لحكومة منتخبة في جزء من فلسطين؟ وهذا -وليس أسر جندي أو اختطافه- هو أول سطر وُضع من سطور مخطط جريمة العدوان الجديدة تحت عنوان "أمطار الصيف".

فمنذ ظهرت المواقف الرسمية -الدولية والعربية- من انتخاب حماس، أصبحت مسألة الشروع في عدوان واسع النطاق مسألة توقيت وذريعة ما فحسب، وبات من جوانب الإعداد له كثرة حديث المحللين عنه مسبقا، بصيغة تحتيم العدوان وتحتيم عدم ظهور رد عربي أو دولي عليه، إلى درجة تفرض التساؤل: هل يمكن إذن انتظار ردود أفعال جماهيرية على ما أصبح منتظَرا مسبقا؟

ليس هدف ما يجري تحرير جندي إسرائيلي، إلا من حيث توظيف حجم ما يُصنع لتحريره ليكون صورة استعراضية جديدة لمدى الاستهانة -دوليا ومحليا- بالإنسان الفلسطيني والعربي والمسلم، بالمقارنة مع سواه.

أما الهدف الأهم فهو تنفيذ عملية علنية للقضاء على أمل باق شعبيا، هو الوصول -يوما ما- إلى التغيير عبر تحكيم الإرادة الشعبية في انتخابات حرة نزيهة، فهنا يأتي استخدام القوة بصورة استعراضية مباشرة لإسقاط خيار شعب فلسطين وكسر إرادته، بعدما أصبح انتخاب حماس شعبيا، رمزا لهذا الأمل، وأصبح بالتالي القشة التي قصمت ظهر البعير في إسقاط معادلة الجمع بين حروب استباقية دموية وهيمنة شاملة تطويعية، وبين دعوات ديمقراطية مخادعة يُراد لها -ولعمري إن ذاك لو صدقت تلك الدعوات من أعجب مظاهر الغباء السياسي- ألا تسفر إلا عن تنصيب زعامات صهيو-أميركية روحا وسلوكا، عبر صناديق الاقتراع بأصوات انتخاب عربية وإسلامية، فيما سموه "الشرق الأوسط الكبير"!

إن عمليات غسيل الدماغ جماعيا مهمة ثابتة ترافق حملات القهر المتتابعة، وتلك مهمة لا يمكن أن تنفذها زعامات منتخبة بل مصطنعة، ولا أنظمة ديمقراطية بل استبدادية، لا تأتي عبر صناديق اقتراع بل عبر إجرام الدبابات والطائرات وأقبية المخابرات، ولا يُعتمد في هذه المهمة على إعلام موضوعي جريء قدر الإمكان، متمرد في بعض الأحوال -وإن وصلت إليه أنياب غوانتانامو ومخالب المحاكم الإسبانية- بل عن طريق الإعلام المترجَم أخبارا وأفلاما وبرامج فكاهية كما تصنع فضائياتٌ معروفة، سبقت في الأصل سواها بالظهور في الساحة الإعلامية العربية قبل زهاء 20 عاما، ثم على ما يصنعه ما لا يستحق أصلا وصف الإعلام، رقصا وخلاعة ومجونا، يُراد أن يغطي بصخبه على أصوات النواح والأنين في المآتم العراقية والفلسطينية والأفغانية وغيرها.

عمليات غسيل الدماغ جماعيا جزء أساسي في نطاق ما يجري تنفيذه، بهدف تقييد إرادة الشعوب عن التصرف -وليس عن ردود الأفعال فقط- إزاء ما يجري جهارا نهارا، دون مؤامرات سرية (ولا فكر مؤامرة، نادرا ما تخلو من ذكره اتهامات أدعياء الواقعية).

وتخدير الشعوب محور تلك العمليات الجارية على مختلف المستويات وبأعظم النفقات وأشدها سخاء، لترفد العمليات العسكرية العدوانية والعمليات القمعية "الأمنية"، وهي تتوالى، فصلا بعد فصل، جيلا بعد جيل، في بلد بعد بلد.. ثم نتساءل: أين ردود الفعل الشعبية على ما يجري؟

نماذج شعبية
لا يعني ما سبق تبرئة "الشعوب" من المسؤولية عن الاقتصار على "ردود فعل خجولة"، وإنما يحمل المسؤوليةَ معها كل من شارك ويشارك في حملات قتل الوجدان واغتيال القدرة على التحرك، وصرف الطاقات ما بين معاناة الفقر وإغواء البطر، ومع استعراض صنوف البطش بكل مَن يحاول الخروج بالشعوب من نفق الانحطاط على كل صعيد، واستعراض ألوان التكريم لكل من يشارك بقلمه أو لسانه أو أي أداة أخرى يوظفها على طريق ترسيخ العجز.

وليس العجز قدرا مكتوبا، ولا تفتقر الأمة إلى أسباب النهوض من ثروات واختصاصات وطاقات، ولكنها تفتقر إلى السياسات والإدارات والزعامات، فهو عجزٌ تصنعه صنعاً ممارساتٌ لا أثر فيها لسياسة قويمة ولا إدارة حكيمة ولا زعامة حقيقية معتبرة.

كما يحمل المسؤولية كل من يمارس تسويغ العجز وتسويغ بقاء من صنعوه في مناصبهم ومواقعهم، مهما بلغ على أيديهم عمقُ الحضيض في منحدر من التناقضات الكبرى، إذ يجمع التجبرَ القمعي الاستخباراتي الداخلي مع الاستخذاء الدفاعي العسكري الخارجي، ويجمع التخلفَ العلمي والتقني والصناعي والزراعي والغذائي، مع أعاجيب الدنيا الحديثة في عوالم الاستهلاك العمراني والبذخ المترف، استهتارا بالثروات، وبالشعوب التي تملكها في الأصل وانتُزعت منها استبدادا واستغلالا فهي لا تملك التصرف بها لتسلك طريق النهوض.

إن العجز الذي انطلقت "أمطار الصيف" لاستعراضه من جديد هو عجز الحكومات أولا لا الشعوب.. وهو عجز مَن يسير في ركبها ويعتبر نفسه من "نخبها" فيفقد حق الانتساب إلى "نخب الشعوب".

أما ما تصنعه الشعوب فلم تعد نماذجه تاريخية فقط، بما في ذلك ما كان من ثورات على هجمة استعمار أجنبي سابقة، بل هي نماذج حية معاصرة نعايشها في فلسطين والعراق وسواهما، فهنا بلغ العطاء قمما جديدة هي التي تثير الغضب العدواني الصهيو-أميركي الأكبر.



"
ليس ما يجري في فلسطين والعراق وأخواتهما مجرد نماذج بل هو أيضا من آلام مخاض عسير على قدر ما صنعته الحقبة الماضية من نكبات وكوارث، ولهذا فلا تستدعي الأحداث اليأس من الشعوب قدر ما تستدعي أن يستعيد المسؤولون الثقة بأنفسهم وبالشعوب
"
أول ما يلفت النظر هو أن العطاء هنا -لا العجز- ظهر للعيان حيث تواجه الشعوب "العدو" مواجهة مباشرة، دون أن تتولى الوصايةَ عليها أنظمةٌ ونخب تقول إنها هي الأوعى والأرشد من الشعوب المقيدة، وإنها هي الأعقل والأصلح من فصائل مقاومة تعتمد على الأحجار والأجساد والصناعة البدائية للسلاح، لا الجيوش العسكرية والمخابراتية والأمنية القمعية.

هذا على محدوديته نسبيا تجاه القوة الباطشة، هو ما ينبغي أن تنعقد عليه المقارنة بين واقع الشعوب وواقع أنظمة ونخب تتشبث بمسارها، وقد أصبح مختزلا في مجرد وجودها وبعض مهام "أمنية" داخلية تمارسها، وتحقق بها شروطا أساسية لوقوع الكوارث، من قبل النكبة الأولى في فلسطين إلى "أمطار الصيف" وما قد يليها من تساقط أوراق الخريف وعواصف الشتاء، وهذا جوهر ما يعنيه مسلسل الأحداث ما بين كابل الأفغاني وبغداد الرشيد وغزة الشافعي، وجوهر ما فتح الأبواب أمام عسكرة الهيمنة الصهيو-أميركية على الأرض العربية والإسلامية.

وليس ما يجري في فلسطين والعراق وأخواتهما مجرد نماذج بل هو أيضا من آلام مخاض عسير على قدر ما صنعته الحقبة الماضية من نكبات وكوارث، ولهذا فلا تستدعي الأحداث اليأس من الشعوب قدر ما تستدعي أن يستعيد المسؤولون في مختلف الميادين السياسية والفكرية والإعلامية وغيرها الثقة بأنفسهم وبالشعوب وبالقدرة على التحرك، شريطة أن يُسقِط كل فريق منهم ما ينشغل به من معارك محلية انتحارية، سيان هل كانت لكسر إرادة القضاة، أو كسر إرادة أحزاب معارضة، أو لحبك مسرحية توريث الحكم، أو مسرحية الحفاظ عليه عبر ادعاء الزهد فيه.

فجميع ذلك لا يتجاوز حدود جولات أخيرة على بقايا سلطة، ولن تكون الحصيلة إلا في مصلحة الشعوب وتحرير إرادتها وطاقاتها، فلا ينجو من ذلك إلا مَن يحرص الآن على ألا يكون التحرر عن طريق انفجار لا تنضبط عواقبه، بدلا من أن يكون عن طريق التسليم لإرادة الشعوب، وذاك تسليم كريم لا يقارَن بألوان التسليم تجاه عدو إجرامي متبجح.
_________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة