أبو يعرب المرزوقي

مرت محاولات تحديد الظاهرة العمرانية التي أصبحت تسمى منذ كتابات هيغل في الفلسفة العملية بالمجتمع المدني في معناه الحديث، بمرحلتين مضاعفتين جوهريتين لا بد من الإشارة السريعة إليهما.

المرحلة الأولى توازي بفرعيها الفلسفة القديمة والفلسفة الوسيطة، وأما المرحلة الثانية فيوازي فرعاها الفلسفة الحديثة وما بعد الحديثة. والفرع الثاني نقدي للفرع الأول في كلتا المرحلتين، وهما يشتركان في كونهما معدين لشروط تجاوز دغمائية الفرعين الإيجابيين.

فالمحاولة الوسيطة التي هي عربية إسلامية بالأساس نقدت قصور التعريف الأصلي الأول من دون استعمال صريح لاسم المجتمع المدني، التعريف الذي وضعه أفلاطون وأرسطو.

ويرجع هذا النقد إلى الفارابي وابن خلدون في محاولتهما لتخليص نظرية عمل المجتمع من نموذجي تفسير الفلسفة العملية القديمة للظاهرات المدنية تفسيرها المستند إلى بنية النفس وبنية المنزل بنيتيهما الطبيعيتين.

"
النقد العربي الإسلامي حرر مفهوم ما يناظر المجتمع المدني من المنزلة التي تعينت له بسبب الطبعانية غير الصريحة المنجرة عن النموذج النفسي (نظام السلط في الدولة يقاس على قوى النفس) والنموذج المنزلي (نظام الاقتصاد في الدولة يقاس على نظام المنزل)
"
والمحاولة ما بعد الحديثة التي هي غربية بالأساس نقدت قصور التعريف الأصلي الثاني في الفلسفة العملية الحديثة مع استعمال صريح لاسم المجتمع المدني، التعريف الذي وضعه هيغل وماركس.

وهذا النقد تحقق في محاولة نقد غرامشي ومدرسة فرانكفورت محاولتهما التي سعت إلى تخليص نظرية عمل المجتمع المدني من نموذجي التفسير الحديث المستند إلى جدل روح الشعب الهيغلي أو جدل نمط الإنتاج الماركسي.

فتكون مراحل التكون السابقة للحظة الراهنة أربعا، اثنتان تأسيسيتان: قديمة (أفلاطون وأرسطو) وحديثة (هيغل وماركس)، واثنتان نقديتان: وسيطة (الفارابي وابن خلدون) وما بعد حديثة (غرامشي وهابرماس).

ويمكن أن نعتبر تجاوز أزمة المجتمع المدني العربي الحالية ذات الصلة الوثيقة بالأزمة الكونية، الأفق التاريخي الذي سيحدد أصل المراحل الأربع الموحد بينها والمتعالي عليها تعالي المثال على تعيناته.

ولما كانت الظرفية العربية الإسلامية الراهنة تتصف ذاتيا بمحددات بينة المعالم يمكن حصرها تصوريا في صمود حضارتنا العربية الإسلامية أمام استبداد ذروة ما بعد روحانية الحضارة الغربية ممثلة بإسرائيل، وذروة ما يعد ماديتها ممثلة بالولايات المتحدة، بات تعريف هذا الأصل الواحد لمقومات المجتمع المدني نابعا من مقومات هذا الصمود ذاته، كما فهمه الفارابي وابن خلدون ترجمة فلسفية لجوهر أفق العلاقة بين التاريخين الطبيعي (مجال العلاقة بالمشيئة الكونية بعبارة الفلسفة الدينية من المنظور الإسلامي) والحضاري (مجال العلاقة بالمشيئة الأمرية بعبارة الفلسفة الدينية من المنظور الإسلامي) للنوع البشري.

فالنقد العربي الإسلامي (الفارابي وابن خلدون) قد حرر مفهوم ما يناظر المجتمع المدني قبل إطلاق التسمية عليه من المنزلة التي تعينت له بسبب الطبعانية غير الصريحة المنجرة عن النموذج النفسي (نظام السلط في الدولة يقاس على قوى النفس) والنموذج المنزلي (نظام الاقتصاد في الدولة يقاس على نظام المنزل)، النموذجين اللذين استعملهما أفلاطون وأرسطو في تحليلهما الظاهرة المدنية عامة.

ذلك أنه بمقتضى هذا النموذج الطبعاني استثنى أفلاطون وأرسطو كل فاعلية للمجتمع المدني من حيث هو ظاهرة تاريخية بمجرد أن جعلا نظام المدينة السياسي ونظامها الاقتصادي خاضعين لنموذجين طبيعيين يتكرران، ثابتين إلى غير غاية، كما هو شأن تكرار عملية التوالد العضوي في عالم الكون والفساد، فبنية النفس تجعل المدينة من المنظور السياسي مؤلفة من ثلاث طبقات هي: طبقة ممثلي القوة العقلية وطبقة ممثلي القوة الغضبية وطبقة ممثلي القوة الشوقية، وبنية المنزل تجعلها من المنظور الاقتصادي مؤلفة من السادة وأفراد الأسرة والعبيد.

ومن ثم فلا معنى لحركية مدنية ينسب إليها التطور التاريخي الحضاري الذي يستتبع قوانين التاريخ الطبيعي، بل العكس هو الصحيح عندهما. وذلك بسبب الفصل التام بين المجالين السياسي والاقتصادي أولا، ولاعتبار المنازل ذات تحديد طبيعي لا يقبل التغيير بمقتضى حركية مدنية تاريخية.

وحتى يبقى ذلك كذلك كان من الضروري أن تحقق الفلسفة التأسيس المبدئي لصحة انطباق هذين النموذجين ليتحقق الثبات في التاريخ الحضاري الذي صار بفضلهما خاضعا للتاريخ الطبيعي: بنية النفس والمنزل الطبيعيان هما بنية السياسي والاقتصادي الثقافيان في المدينة.

لكن النقد بدأ "ما بعد طبيعيا" عند الفارابي بإضافة البعد الكوني لمفهوم المدينة، فلم تعد المدينة القومية أو الملية كافية لفهم التاريخ الإنساني، بل لا بد من إضافة درجة أسمى في نظرية السياسة المدنية لتصبح شاملة للإنسانية كلها.

وانتهى هذا النقد "ما بعد تاريخيا" عند ابن خلدون الذي أدخل الحركية التاريخية في السياسي والاقتصادي بقلب العلاقة النموذجية بين التاريخين الطبيعي والحضاري. فقد حلل جدل أشكال العمران وأنماط العيش والإنتاج بصورة جعلت بنية المدينة السياسية نموذجا لبنية النفس، وبنية الاقتصاد المدني نموذج بنية المنزل، وبات جدل أشكال العمران وأنماط الإنتاج هو المحدد لبنية النفس والمنزل بنيتهما التي أصبحت ذات صيرورة تاريخية. وبذلك أصبح ما كان معيارا معيرا: النفس تعير بشكل الحكم في العمران والمنزل يعير بشكل الرزق في العمران.

"
بفضل تحليل الفارابي وابن خلدون لمفهوم المجتمع المدني اكتشف العقل الإنساني بعدين للفعل المدني كانا بغيابهما حائلين دون الفكر الفلسفي وفهم الحركية التاريخية بمنظور مستقل عن التاريخ الطبيعي في الفلسفة النظرية القديمة
"
ورغم أن الفارابي وابن خلدون لم يكونا واعيين تمام الوعي بأبعاد ثورتهما ولا بمصدرها القرآني، فإن تحليل ما أضافاه يعطينا المعاني التالية التي ستساعدنا على تحديد الأصل الواحد الذي نطلبه لفهم المراحل الأربع والذي يمكن اعتباره المرحلة الأخيرة التي يكتمل فيها مفهوم المجتمع المدني.

فبفضل إضافتهما اكتشف العقل الإنساني بعدين للفعل المدني كانا بغيابهما الناتج عن حصر التحليل في الدولة الجزئية وعن إرجاع نماذج محركات التاريخ الثقافي لبنى مستمدة من التاريخ الطبيعي حائلين دون الفكر الفلسفي وفهم الحركية التاريخية بمنظور مستقل عن التاريخ الطبيعي في الفلسفة النظرية القديمة.

فالسياسي أو المدني الحقيقي لا يمكن أن يفهم إلا إذا أخذ على حقيقته من حيث هو ظاهرة كونية وليست قومية ولا حتى ثقافية، أي إن وحداتها ليست القرى أو الأسر كما يتصور أفلاطون أو أرسطو بل المدن أو الدول التي هي ظاهرات تاريخية وليست ظاهرات طبيعية.

لذلك فهو لا يمكن أن يفسر بنماذج مستمدة من الطبيعة (بنية النفس وبنية المنزل) بل هو بالذات الإبداع المتواصل لنماذجه ولنماذج النفس والمنزل اللذين يتشكلان بحسب نوع العمران (الفرق بين الأخلاق في العمران البدوي وفي العمران الحضري مثلا) ونمط الإنتاج والعيش بمصطلح ابن خلدون (وهذا النمط هو الذي يميز بين أنواع العمران).

وإذا كانت المدينة كذلك في تصورها فإنها في تحقق تصورها ظاهرة تاريخية وليست ظاهرة طبيعية. وتاريخيتها ثمرة جدل عام يؤلف بين جدليتين حدين قابلتين للفصل نظريا: أولاهما جدلية القوى الاجتماعية في العمران البشري من أجل السلطة، والثانية جدليتهما من أجل الرزق، وكلتاهما مصحوبة بالتعبير عن الوعي بها غايات وأدوات.

فيكون العمران بذلك حركية دائبة ذات مستويين فعليا ورمزيا، حركية موضوعها السلطة والمال لذاتهما ماديا ولما يرمزان إليه معنويا كما يتبين من دور كل منهما في كل منهما، فدور السلطة في تحصيل المال وحمايته يسميه ابن خلدون جاها، ودور المال في السلطة تحصيلا وحماية يمكن أن نسميه بالقياس إلى مفهوم الجاه في الاتجاه المقابل بقوة أحد عوامل الحل والعقد لأن المال من شروط القدرة.

لكن كون السياسي والاقتصادي يؤديان دورا رمزيا بالإضافة إلى دورهما الفعلي يجعلهما في الحقيقة أداتي أمر أسمى منهما، هو الأمر الذي يضفي عليهما معنى يرتفعان بفضله فوق الحيواني من قوى الإنسان اشرئباباً إلى الإنساني منها.

ويقتضي طلب ذلك أن نغوص إلى أعماق في العمران أبعد غورا لنفهم جدلية العلاقة بين النقلة من التاريخ الطبيعي إلى التاريخ الحضاري أو الجوهر الواحد المشترك بين فلسفة التاريخ وفلسفة الدين وضرورة الجذر المشترك لنفهم الظاهرة العمرانية, كما حاول استنباطها ابن خلدون مما يعتبره تطابقا بين فلسفته في التاريخ وفلسفة القرآن التاريخية: فوراء جدل السياسة وجدل الاقتصاد نجد جدل التعبير عن التحقق الذاتي للكائن البشري في الأديان والفلسفات والتعبير عن جدل التلذذ بذلك التحقق في الآداب والفنون.

ويمكن أن نعتبر التعبير عن التحقق الوجودي جدل القيم الوجودية والتعبير عن الوعي به جدل القيم الذوقية. وكلاهما أصل الدور الرمزي الذي يؤديه السياسي والاقتصادي اللذين لا يقتصران على دورهما المادي وإلا لظل الإنسان حبيس التاريخ الطبيعي فلم ينتقل إلى التاريخ الحضاري.

"
الرسالة المحمدية في منظورها الصريح كما حدده نصاها المرجعيان، حررت فعلي الدعوة الدينية والتحقيق السياسي للمشروع من السلطتين المتعاليتين على العمران، أي من السلطة الروحية المتعالية على الأمة دينيا والسلطة الزمانية المتعالية عليها سياسيا
"
فيكون مدار الحركية العمرانية وحدة هذه الجدليات الأربع المتفاعله. وتلك هي جدلية الأبعاد القيمية الأربعة التي ألغاها تحييد اليونان لبعد المدينة الكوني (وهو ما أضافه الفارابي) ولتحليلهم التاريخ الثقافي بتصورات التاريخ الطبيعي (وهو ما حررنا منه ابن خلدون).

فتكون جدلية العمران جدلية جامعة بين:
1- جدل القيمة العملية موضوع السياسي.
2- وجدل القيمة الرزقية موضوع الاقتصادي.
3- وجدل القيمة الوجودية التي يرمز إليها دور السياسي الرمزي.
4- وجدل القيمة الذوقية التي يرمز إليها دور الاقتصادي الرمزي.
5- وفوق كل هذه الجدليات نجد الجدل فريد النوع الذي هو تابع لها جميعا وجوديا ومتبوع منها معرفيا، أي جدل القيمة المعرفية أو النظرية التي يحاول صاحبها أن ينأى بنفسه عن التبعية للجدليات السابقة آملا أن يكون مرآتها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

أما أصل الإضافتين الفارابية والخلدونية فمن اليسير إرجاع مصدره إلى عقيدة الكونية الإسلامية التي اعتبرت الرسالة تأسيسا للأخوة البشرية فتوجهت إلى الإنسان من حيث هو إنسان بآية هي عين حد مفهوم الإنسان: البيان والبرهان بمعناها الذي حدده القرآن.

كما جعلت الرسالة الدين مشروعا تاريخيا أداته الفعل السياسي بكل شروطه ليحقق القيم في التاريخ الفعلي بأدوات الفعل التاريخي المادية والرمزية وليس مجرد دعوة عزلاء لأن الأرض صارت عمارتها وإرثها من علامات صلاح وارثيها.

وأهم شروط العهد بذلك إلى المجتمع المدني نفسه التحرير الصريح الملازم لهذه النظرة التي أسيء فهمها لسوء الحظ، فبقي الأمر على حاله في المجتمعات الإسلامية مواصلة لما ورثته من المؤسسات البيزنطية والفارسية سياسيا واليهودية والمسيحية دينيا.

لكن الرسالة المحمدية في منظورها الصريح كما حدده نصاها المرجعيان حررت فعلي الدعوة الدينية والتحقيق السياسي للمشروع من السلطتين المتعاليتين على العمران، أي أنها خلصتهما من السلطة الروحية المتعالية على الأمة دينيا والسلطة الزمانية المتعالية عليها سياسيا: الدعوة الدينية تحديدا للغايات باتت أمر الجماعة لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين، والفعل السياسي تحديدا للأدوات بات أمر الجماعة كذلك لأن تحقيق المعروف ومنع المنكر ليس دعوة فحسب بل هو فعل تاريخي بأدواته السياسية بما في ذلك القوة.

فعادت بذلك للعمران على الأقل من حيث التصور وحدته الحية بمعايير التاريخ الثقافي المصور لتاريخ الإنسان الطبيعي تصويرا مشروطا بعدم إفساد الفطرة التي فطر الناس عليها. ذلك أن الجدل بين المثال والواقع وبين ما بعد التاريخ أو القيم الدينية والتاريخ أو تحقيقها السياسي أصبح جوهر القيام العمراني، وذلك هو مدلول الشريعة التي قل أن تخالف الوجود بمصطلح ابن خلدون.

منذئذ يمكن القول إن مفهوم المجتمع المدني بالمعنى الحديث قد أصبح مفهوما واعيا بنفسه حتى وإن لم يطلق عليه الاسم الصريح، فالجماعة هي التي تفعل السياسي والاقتصادي والذوقي والوجودي فعلا يكون فرض عين، وهو فعل يقابل فعل من بيدهم السلطان في هذه المجالات داخليا وخارجيا من حيث هو فرض كفاية قد يستبد فيفسد شروط عينية الفرض في داخل أمة بعينها أو في المعمورة ككل.

وقد اضطر هيغل في رابع أبواب فلسفته التاريخية إلى الاعتراف بسبق الإسلام إلى ذلك وسعى لتبرير تأخر المسيحية التي لم تفهم ذلك إلا بفضل حركة الإصلاح بموقف فكري يغلب عليه تزييف المعاني ليحط من شأن الثورة الإسلامية ويعلي من شأن الإصلاح البروتستانتي "تلك هي الروحانية والمصالحة الروحانية التي بزغت (في الحقبة الرابعة من تاريخ العالم).

"
حركية المجتمع المدني ذات الأبعاد المتعددة قد وقع إلغاؤها من جديد ولم يبق من فواعل التاريخ الخادم لمصالح العقل بالمعنى الكانتي أو لغائية التاريخ بالمعنى الماركسي، إلا حركية صراع سياسي لا يترجم إلا عن صراع المصالح الاقتصادية
"
وهذه المصالحة الروحانية هي مبدأ الشكل الرابع (من أشكال تاريخ العالم الهيغلي). فقد بلغ الروح إلى الوعي بأنه هو الحق. وما بقى الوعي كذلك فكذلك سيكون الفكر. ومن الضروري أن يكون هذا الشكل الرابع هو بدوره شكلا مضاعفا: فهو الروح من حيث هو وعي بعالم باطني عالم الروح الذي أصبح واعيا بكونه من حيث هو جوهر أنه الوعي "بالوجود" الأسمى وعيا عقليا.

لكن إرادة الروح تكون بالمقابل روحا مجردا وثابتا في التجريد الروحي. وما ظل الوعي على هذا النحو من الثبات في التجريد سيبقى الواقع مثله. فيكون الواقع مترابطا مع عالم دنيوي لم ينضو في الروحي ولم يصبح نظاما عقليا يحايث في الوعي.

ذلك هو جوهر العالم المحمدي (=عالم الإسلام) الذي هو أسمى ترق لمبدأ "روح" الشرق. فلا شك أنه دين تلا المسيحية ظهورا في التاريخ وأنه أعلى إدراكا للواحد (في الشرق). لكن المسيحية كي تصبح صورة متعينة في الدنيا كان لا بد لعملها أن يستمر قرونا.

ولم يتحقق ذلك إلا مع شارل الأكبر (الخامس). وكون الإسلام بالمقابل قد أصبح مملكة دنيوية (قبل المسيحية) فالعلة هي أن المبدأ المجرد يتحقق بصورة أسرع (من المبدأ المعين الذي هو مبدأ الغرب المسيحي بالمقابل مع المبدأ المجرد الإسلامي). إنه نظام متعين في العالم الأرضي متقدم في الوجود التاريخي على نظام العالم المسيحي".

لكن تعريف هيغل المجتمع المدني بصراع المصالح المترتب على المنازل أو الطبقات كاد يلغي هذه الأبعاد التي تبين العلاقة الوطيدة بين الديني والسياسي رغم أن معنى المجتمع المدني يكتمل عنده بما أضفى من دلالة إيجابية على الصراع، أعني بالتكامل بينه وبين سلطة التحكيم المتعالية على المصالح سلطة الدولة التي تمثل تعين العقل في التاريخ.

فيكون السياسي ممثلا للعقلي وما عداه من طبيعية غير عقلية أو دنية. وبذلك فقد أعادنا هيغل إلى النظرة الفلسفية القديمة: الدولة متعالية على المجتمع المدني في المدينة تعالي العقل في النفس على قواها الأخرى.

ولما كان ماركس يشكك في وجود مثل هذه السلطة المحايدة ويعتبر الدولة مضفية على نفسها هذا المظهر بوظيفة أيديولوجية تزيف الوعي فإنه لم يبق إلا البعد الأول من التعريف الهيغلي حصرا للصراع في المصالح الاقتصادية، معتبرا صراع القيم غير الاقتصادية من الخداع الأيديولوجي الطبقي من أجل إظهار الدولة بمظهر السلطة المحايدة التي يمكن أن تكون حكما في حين أنها ليست إلا تعبيرا عن مصالح الطبقة التي بيدها النفوذ الفعلي وهو اقتصادي بالأساس، حتى وإن لم ينف أن التعبير الديني فيه شيء من الاحتجاج ضد الظلم احتجاجا ينقلب إلى أفيون بمقتضى المقابلة بين الأرض والسماء وتأجيل الجزاء.

وبذلك فإن حركية المجتمع المدني ذات الأبعاد المتعددة قد وقع إلغاؤها من جديد ولم يبق من فواعل التاريخ الخادم لمصالح العقل (بالمعنى الكانتي) أو لغائية التاريخ بمعناه في الجدلية المادية (بالمعنى الماركسي)، إلا حركية صراع سياسي لا يترجم إلا عن صراع المصالح الاقتصادية التي تعيد الإنسان إلى قانون التاريخ الطبيعي (منطق الضرورة والصراع من أجل الحياة والبقاء للأقوى) وتخرجه من التاريخ الحضاري (منطق الحرية والتنافس في الخيرات والبقاء للأفضل).

لذلك فالتصدي الوحيد من منظور الجدلية التاريخية هو الثورة ودكتاتورية العمال، وبذلك غرق الفكر الماركسي في أزمته القاتله. فبمجرد أن أعاد الفكر المعاصر اكتشاف الأهمية التي يكتسيها جدل القيم بكل أصنافها الخمسة (الذوقي والرزقي والنظري والعملي والوجودي) في العمران البشري وعدم اقتصاره على أي منها مهما كانت أهميته، خرج الفكر الماركسي التقليدي من الركح الفلسفي وبدأ تجاوز التصور الهيغلي والماركسي للمجتمع المدني تجاوزا نقديا في مدارس الفكر الماركسي نفسه، بدءا بما يوليه غرامشي من أهمية للجدل الأيديولوجي والديني وختما بالنظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت فأصبح للدين والفن والقانون وكل الجدل القيمي الذي بلغ الذروة في مفهوم حقوق الإنسان بأبعادها الخمسة، منزلة الصدارة في فاعلية المجتمع المدني.

"
صورة العمران هي المقوم السياسي الذي يتألف من السلطة السياسية والسلطة التربوية, وأما المادة فهي المقوم المدني الذي يتألف من الفاعلية الاقتصادية والفاعلية الثقافية
"
ونحن نحاول البناء على هذا التطور فنطلب الأصل الواحد وراءها لنصوغ تصورا يمكن من تحديد مقومات المجتمع المدني من حيث هو أهم فواعل العمران البشري والاجتماع الإنساني تصورا يساعد على فهم ما أطلقنا عليه اسم عطالة فاعليته أو عوائقها كما تعينت في أزمة اللحظة العربية الإسلامية الحالية. ذلك أننا نصنف هذه العوائق لتشخيص الأزمة بالإضافة إلى المقومات وضروب التعبير عنها.

وهدفنا من المحاولة تحديد طبيعة فعل المجتمع المدني أو الدور الذي يؤديه في حركية العمران البشري والاجتماع الإنساني بمستوييه الخاص بأمة بعينها والعام للبشرية.

لذلك فإن تحليلنا يفترض الاعتماد على ما أضافته الصياغة النظرية العربية الإسلامية لنظرية عمل المجتمع المدني، أعني الصياغة الفارابية الخلدونية التي لا تقتصر على تجاوز صياغة أفلاطون وأرسطو فحسب، بل هي كما سنرى تتضمن بذرات تمكن عند قراءتها في ضوء الأزمة العربية الإسلامية الحالية من تجاوز صياغة المرحلة النقدية ما بعد الحديثة.

فالأول أضاف إلى نظرية الاجتماع والعمران معنى الكونية البشرية بفضل نظرية الجماعة العظمى من منطلق الرسالة الإسلامية التي تتوجه إلى البشرية كلها وإن بغير وعي وتصريح.

والثاني درس آليات عمل الأمر الذي يناظر المجتمع المدني الوطني والدولي عندما حلل العمران بمفهومين استعارهما من "الهيولومورفية الأرسطية" بعد تخليصها من الدلالة الميتافيزيقية الجوهروية وإعطائهما دلالة الأداة التشريعية للظاهرة العمرانية: صورة العمران ومادته. وكلتاهما ذات فاعلية مضاعفة، فاعلية فعلية وفاعلية رمزية.

فأما صورة العمران فهي المقوم السياسي الذي يتألف من السلطة السياسية (ويغلب عليها الفعل الفعلي ومثاله القوة العامة مضمون الباب الرابع من المقدمة)، والسلطة التربوية (ويغلب عليها الفعل الرمزي ومثاله المعارف جزء أساسي من مضمون الباب السادس)، وأما المادة فهي المقوم المدني الذي يتألف من الفاعلية الاقتصادية (ويغلب عليه الفعل الفعلي ومثاله قوة المال مضمون الباب الخامس من المقدمة)، والفاعلية الثقافية (ويغلب عليها الفعل الرمزي ومثاله الآداب جزء أساسي من الباب السادس من المقدمة).

أما وحدة المقومين بفروعهما فهي الجماعة من حيث هي أسمى القيم أو الأمة بالمعنى المقدس، أي الملة المنفتحة على كل الإنسانية انفتاحا تحدده عقائد الأمة الدينية والفلسفية.

ويرمز إليها مفهوم الخليفة بمعنيي الكلمة معناها الخلقي الوجودي (الإنسان من حيث هو مستخلف) ومعناها السياسي الديني (رئيس الأمة نيابة عن الخليفة بالمعنى الأول أو الإنسان المستخلف).

أما إذا ترجمنا هذا التعريف بمفردات نظرية القيم التي تمثل دم العمران وسر حياته فإن تعريف ابن خلدون يقبل الصياغة التالية. فمادة العمران (الاقتصاد والثقافة) وصورته (الدولة والتربية) تشملان كل أفعال الإنسان ورهانات وجوده فردا وجماعة:

1- الفعل العملي أو السياسي.
2- الفعل النظري أو المعرفي.
3- الفعل الرزقي أو الاقتصادي.
4- الفعل الذوقي أو الجمالي.
5- الفعل الوجودي أو المنظور الذي يحقق التناغم بين هذه العناصر وكأنها نظام منغلق مطابق لعلمنا به (المنظور الفلسفي) أو كأنها نظام متعال على علمنا (المنظور الديني).

ولمحددات فعل النظر وجها بروز: فله وجه الأفق الكاشف وهو الوجه الذي يحاول أن يكون غاية ذاته في خدمة القيم الأخرى، وله وجه ما وراء الأفق الكاشف أي الأفق الحاجب ودوره دور الأداة في خدمة القيم الأخرى.

"
لما كان التنافس بين الفعل الفعلي والفعل الرمزي أمرا معلوما  بات من الضروري أن يستحوذ السياسي على الاقتصادي أو الاقتصادي على السياسي, فيستتبعان التربوي والثقافي ويكون الاستبداد السياسي بالمدني استبدادا يقضي على الحقوق المادية والمعنوية
"
والوجه الأول هو الفعل الظاهر والعلني من المعرفة العلمية، والثاني هو الفعل الباطن والخفي من التزوير الأيديولوجي. لكن الظاهر والعلني معركة رموز تتكلم باسم القيم المعنوية السامية والباطن والخفي، معركة مصالح مادية تتنكر فتظهر بمظهر معركة الرموز لكنها تتكلم في الحقيقة باسم القيم المادية التي تحولها إلى غاية بدلا من اعتبارها أداة كما هي في الحقيقة. فكيف نفهم مسرح الدمى الذي يجري في ما نسميه بالمجتمع المدني؟

ولما كان التنافس بين الفعل الفعلي والفعل الرمزي أمرا معلوما، وكان الفعلي من الفعل لا يكتمل إلا بالجمع بين الفعلي من صورة العمران والفعلي من مادته، بات من الضروري أن يستحوذ السياسي على الاقتصادي أو الاقتصادي على السياسي فيستتبعان التربوي والثقافي أي الرمزي منهما، ويكون الاستبداد السياسي بالمدني استبدادا يقضي على الحقوق المادية والمعنوية، لذلك غلبت على فاعلية المجتمع المدني الصيغة الرمزية لأن جوهره التعبير بالفعل الرمزي وذروته حرية التعبير التي هي جوهر التعبير عن الحرية.

فيكون عمل المجتمع المدني سلبيا هو الصمود الخلقي لمنع الاستحواذ والاستتباع، ومن ثم فالمعركة المدنية معركة حقوق مادية (لمنع الاستحواذ) ومعركة حقوق معنوية (لمنع الاستتباع).

ويكون عمل المجتمع المدني إيجابيا مبنيا على الصمود لتحقيق الحقوق المادية والمعنوية بحماية المصالح الاقتصادية والمصالح المعنوية، وذلك هو المعنى الحقيقي لحقوق الإنسان سواء أدركناها بالعلم العقلي أو بالعلم النقلي المتطابقين في المنظور الخلدوني.

لأن الشرع قل أن يخالف الوجود كما يقول بشرط أن يكون فهم الأول في علم الثاني، وذلك هو مشروع علم العمران البشري والاجتماع الإنساني لنقد التاريخ المحرف للعلاقة بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ، إما من منطلق تقديم ضرورة التاريخ الطبيعي النافية للحرية الخلقية أو من منطلق حرية التاريخ الحضاري النافية للضرورة الطبيعية.
__________
مفكر تونسي

المصدر : الجزيرة