توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


لسنا في مجال الدفاع عن نواب الحركة الإسلامية الذين تم اعتقالهم دون غيرهم ممن ذهب للتعزية بالزرقاوي, فإذا كان هؤلاء على حق في كونهم يشكلون فعلاً غالبية ساحقة على الساحة الأردنية, فهم أقدر على الدفاع عن أنفسهم, بل وجعل الحكومة تعتذر.

ولسنا معنيين لا بتوزيع تهم التكفير ولا نياشين الشهادة, فقد كنا أول من كيلت لهم الأولى بتواطؤ من يزعمون الآن أنهم أضداد, وكدنا أن ننضم لقوافل الثانية حين جرت أكثر من محاولة لتصفيتنا على أمل وأد الديمقراطية الدستورية معنا!!

ولسنا معنيين بأن نعود للدفاع عن هيبة مجلس النواب كما عودنا زملاءنا الإسلاميين حد التواكل وجعل الأمر فرض كفاية علينا وحدنا, حين جمعنا مجلس واحد.. فلم تعد المجالس ممثلة للشعب بالحد الأدنى لننتخب للفكرة والمبدأ إن لم يكن للشخوص.. وحتماً, ليس حين لا يدافع المجلس نفسه لا عن هيبته ولا عن مصالح الشعب بحيث أصبح الشعب يدينه بمثل ما يدين به الحكومات, ومنه الانتفاع بالمنصب.

"
هنالك ثوابت سياسية علمية معتمدة عالمياً لا يجوز استسهال العبث بها, وهنالك مصالح وطنية وإنسانية عليا لا يمكن قبول القفز من فوقها على حبال المصالح ذات اليمين وذات الشمال
"
ولكن كل هذا الذي سبق ليس أولوية نفرغ لها هذا المنبر الهام والعزيز الذي هُجّرنا إليه حين "ضاقت الأوطان بأحلام الرجال .. والنساء".

موضوعنا أهم, وهو ما سبق وجرى تكفيرنا لأننا تصدينا لإعادة الهيبة والاعتبار له, وهو الدستور.. وموضوعنا المتمم هو حرية ومصداقية الصحافة, السلطة الرابعة التي تصبح وحدها وسيلة الإصلاح حين تفسد أو تستنكف السلطات الأخرى.

فبعيداً عن صفقات وتحالفات السياسة, المقدسة وغير المقدسة, هنالك ثوابت سياسية علمية معتمدة عالمياً لا يجوز استسهال العبث بها, وهنالك مصالح وطنية وإنسانية عليا لا يمكن قبول القفز من فوقها على حبال المصالح ذات اليمين وذات الشمال.. فالثوابت تبقى والقفز في الهواء هو الذي يؤدي بصاحبه للسقوط.

وحالياً كثر المتقافزون على حبال الكلام "المباع" الذي وحده عندنا يتماهى مع "المباح ". ولا يهمنا من احترف بيع الكلام ونقيضه, ولكننا نود أن نقف عند غلطة الشاطر وكبوة الجواد.. فليس في الساحة خيول سبق كثيرة, والزمن يسبقنا والرهانات عالية وكلها على "الوطن" لا أقل.

لهذا سأعرض لعينة من المقالات العديدة الشبه بالسكاكين التي شحذت حين سقط خروف العيد على يد من قاموا أساساً بتسمينه. والعينة لزميل صحفي, كان لآخر مرة رأيته فيها زميل نضال من أجل الإصلاح, يعاني بالتالي من شظف العيش.. إلى أن تم تعيينه في موقعين إعلاميين سخيين, تلاهما حديثاً ثالث أكثر سخاء.

وتفاءلت به كوني أعتقد أن الحكومة تحتاج فعلا لمستشارين أكفاء في كل شأن تقريباً, والشأن الصحفي ليس أولها, بل هو آخرها.. ولكنه حتماً ليس أقلها شأناً!!

زميلي العزيز هذا كتب مقالة تناولت نواب ومسؤولي جبهة العمل الإسلامي, وبعض انتقاداته لم تخل من صواب. ولكن التهمة الأكبر والأخطر التي يدين الكاتب جبهة العمل الإسلامي باسمها بما يقرب " التخوين " - الرديف العلماني "للتكفير"- ويهدد بأن "الحكومة ذاتها لا تملك صلاحية الصفح عنهم" إن هم عادوا لذكرها.. التهمة هي مجرد تساؤل المرشد العام للإخوان المسلمين عمن تمثله هذه الحكومة, باعتبار أن الجبهة تعتبر نفسها حزب الأغلبية.

والجبهة ليست في زعمها هذا أكثر ادعاء من غيرها ممن وصل لمجلس النواب مع بضعة أزلام بدعم حكومي كلف الخزينة مبالغ طائلة, وعزز حلقته بالتواطؤ على دفع الملايين للنواب في رحلات ووفود مكلفة بعضها تسبب لنا بحرج سياسي كبير بدل أن يخدم غاية, ومن قبلها سيارات فارهة معفاة من الجمارك جلها تم الاتجار بها قبل وصولها..إلخ.. فهل ملف كل من يزعم "الأغلبية الشعبية" للانقضاض على الحكم, ناهيك عن ملف الفساد, قد فتح دون استثناء وانتقائية؟؟!!

"
نشرت مقالات عديدة أشبه بالسكاكين التي شحذت حين سقط خروف العيد, والعينة لزميل صحفي, كان زميل نضال من أجل الإصلاح, يعاني بالتالي من شظف العيش.. إلى أن تم تعيينه في موقعين إعلاميين سخيين, تلاهما حديثاً ثالث أكثر سخاء
"
ويصر الكاتب على أن الحكومة تمثل غالبية الشعب الساحقة, لأنها, حسب نص الدستور, يجب أن تحصل على الثقة من مجلس النواب.. ولكن الكاتب لا يخوض في درجة تمثيل غالبية هؤلاء النواب لإرادة الشعب, مع أنه سبق وكتب مؤيدا قول الملك بأن الشعب غير راض عن أداء النواب.

ولا يخوض أيضاً في حيثيات الحصول على تلك الثقة كما كان يفعل من قبل وهو في المعارضة الوطنية. وقد سبق و "نقلنا" في مقالات سابقة نشرت على هذا المنبر وفي جريدة الراية القطرية, وعن صحافتنا غير المعارضة, ما نشر صراحة عن "ضغوط" مورست على النواب لإعطاء الثقة, وعن منافع من تعيينات وغيرها تمت مقايضتها بالتصويت على الثقة, وعن مبالغ مالية دفعت بحيث أعلن أحد رؤساء الوزراء للصحافة ذاتها أنه قرر أن "لا يدفع" وكيف استلزم الأمر توبيخ الملك للمجلس, غير المسبوق في تاريخنا ولا في تاريخ "الديمقراطيات" نزولاً للمجالس الشورية المعينة بكاملها, وتلويحه بحله, كي تحصل الحكومة على الثقة!! وكل هذا عن "الثقة" كما تجري على الأرض وليس كما نص عليها الدستور.

وهو مما كتب عنه زميلي هذا زمن معارضته القريب جدا, بل وطلب مني الإذن بإعادة نشر معظم مقالاتي تلك في صحيفة كان يرأس تحريرها, وقبلت لأعينه على استمرار صحيفته الصغيرة في مواجهة حيتان الصحافة الرسمية التي يتربع زميلي هذا الآن على صفحاتها الأولى!!

ومما ينذر بحالة فصام خطرة بين الجسم الصحفي بمن فيه أسماء محترمة كاسم زميلي هذا, وبين الشارع الذي إن فقد ثقته بقادة الرأي سقط في يد قادة الجهل والظلامية وتكفير الرأي الآخر.. هو قوله أن التساؤل عمن تمثله هذه الحكومة, هو انقلاب على الشرعية والثوابت الوطنية لأنه يعني تغييراً في الدستور الذي هو "عقد الحكم"!!

صحيح أن الدستور هو عقد حكم, ولهذا طالبنا بالعودة عن كل خروقاته. فواحدة من حكومات العهد الحديث خرقته بما يزيد على مائتين وعشرة قوانين مؤقتة, جلها صادر حقوقاٌ وحريات دستوربة للشعب أو غطى استغلال السلطة عبر قوانين ضريبية ومالية واستثمارية, وصولاً لتشريعات تحمي الفساد وتعاقب من يكشفه أو يبلغ عنه, مما فصلناه في مقالات سابقة.

"
واحدة من حكومات العهد الحديث خرقت الدستور بما يزيد على مائتين وعشرة قوانين مؤقتة, جلها صادر حقوقاٌ وحريات دستوربة للشعب أو غطى استغلال السلطة عبر قوانين ضريبية ومالية واستثمارية, وصولاً لتشريعات تحمي الفساد
"
وبلغ هذا التطاول على الدستور وحقوق الشعب, حدا أن حديث الصحافة وحتى الشارع العادي غير المختص, أصبح نداءات استغاثة للعودة لنصوص الدستور.

والمحامون المدافعون عن دستورية الحكم أصبحوا من المحاضرين الذين تجتمع لهم الحشود الشعبية, بعد أن استبعد أي أمل في جدوى مرافعاتهم في المحاكم المختصة. وفي قضية تاريخية تثبت غياب شرعية المجلس الحالي المنتخب بقانون مؤقت غير دستوري, الموكلون فيها هم تقريباً غالبية الجسم السياسي الأردني المعتبر, يقدم المحامون البارزون د. محمد الحموري ود. راتب الجنيدي والأستاذ نعيم المدني مرافعاتهم الجامعة المانعة المستمدة من واقعنا والمدعومة بحجج كبار فقهاء مصر وفرنسا وبريطانيا (المأخوذ عنها نظامنا الدستوري) في كتاب بعنوان "دفاعاً عن الديمقراطية وأحكام الدستور" في لجوء لمنطق رجل الشارع السليم, ليقارن حججهم بما حكمت به محكمة العدل العليا المنشورأيضاً في الكتاب.

والكتاب نشر محلياً منذ أكثر من عام ولم ترد عليه أية جهة قانونية أو قضائية لتفند ولو بعضاً مما ورد فيه!! ولن نخوض في الحيثيات القانونية المعقدة, ولكننا سنقتبس عناوين فصول وفقرات تلخص ما تؤدي إليه تلك الحيثيات والحجج, منها "الإصرار على إساءة استعمال السلطة, ونتساءل عن مدى نظافة اليدين".. "للتاريخ مفتاح واحد عند فهم الضرورة, وكفى استخفافاَ بالعقل".. "كيف بدأت محكمتنا العليا وأسباب غل اليد أو بسطها".. "بنص قانوني يلغي حكماً في الدستور: استقواء الحكومة على خصوم لها لم تجد وسيلة أمامها سوى العبث بالنظام القانوني ومبدأ المشروعية لحرمانهم من الترشيح".. "الحكومة حنثت بالقسم وخانت ثقة الملك".. "الحكومة التي أصدرت قانون الانتخاب وأجرت الانتخابات حكومة فاقدة للشرعية".. هذا عن خرق الدستور من قبل حكومة واحدة, فهل تملك حكومات تالية أن "تصفح عن هذا"؟؟ وليتها تصفح وحسب, فهي ما زالت تقدم لمجلس النواب تلك القوانين المؤقتة ولكن نافذة المفعول, وبالتقسيط المريع الذي يضمن أن نحكم بقوانين غير دستورية إلى ما شاءت الحكومات!!

أما تعديل النصوص الدستورية بالمقابل, فهو مباح في كافة دساتير العالم. ولكن التعديل يجب ألا يخالف أحكام الدستور الأساسية بل يهدف لتعميقها, وبالذات لا يجوز إدخال أي تعديل ينتقص من حقوق وحريات الشعب.

وهذا ما يجمع عليه فقهاء الدستور والسياسة, وإن اختارت بعض الدساتير النص عليه صراحة كما فعل الدستور القطري. وليت دستورنا فعل, إذ أن كافة التعديلات التي أدخلت عليه جاءت مناقضة لحقوق وحريات المواطنين, ووصلت حد تجميد العمل بالحياة البرلمانية لمعظم سنوات عمر المملكة, مع أن دستورنا ينص على الحكم البرلماني, وحصانة الملك من أية مسؤولية مرفقة بمحاسبة الحكومة على كامل أداء السلطة التنفيذية.. أي أن طلب تعديل الدستور لترسيخ حكم الشعب, وصولاً لانتخاب رئيس الوزراء, ما دامت الحكومات تحتمي وراء العرش في مجازفة بالعرش غير محمودة العواقب, أمر مشروع.

وليس من قبيل الصدفة ولا الاستثناء أن زميلي الذي يخوّن جبهة العمل الإسلامي بتهمة محاولة تعديل الدستور, قد وقع معنا على مبادرة الإصلاح التي تبنتها غالبية القوى الشعبية في بدايات عام 1999, ورفعت نسخة منها للملك الجديد, والذي تقبلها حينها بشكل أكثر من جيد, وأعدنا إحياءها وضاعفنا التواقيع عليها العام الماضي بعلم وتعاون زميلي هذا.

"
يؤدي التناقض في المرجعية العلمانية إلى حشد العواطف, وبالجملة ومسبقاً, ضد من سقط في التناقض.. فالمعايير هنا هي إما علم أو جهل, أو -وهذا هو الأخطر- صدق أو كذب !!
"
وهي مبادرة طالبت, فيما طالبت به, بالعودة عن كل التعديلات التي أدخلتها السلطة التنفيذية على الدستور منذ عام 1958, وتطالب بالمقابل بإدخال تعديلات أخرى جديدة منها النص على الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء, ومحاكمة الوزراء أمام المحاكم النظامية بدلا من المجلس العالي, وتعريف "دقيق وصارم" للضرورات التي تتيح للحكومة إصدار قوانين مؤقتة.. إلخ.

والطريف أن جبهة العمل الإسلامي كانت من الأحزاب القليلة التي رفضت التوقيع حينها. ولكن رفض جبهة العمل وحده جاء حادا وهجوميا حد تورطهم في تلاسن غير لائق معنا, وهاجموا المبادرة في صحيفتهم (السبيل) وتحت مانشيت كبير احتل صفحتها الأولى يقول  "مذكرة ( توجان) تقسم المعارضة" - في محاولة لتنفير رجال السياسة من التوقيع على مبادرة صاغتها امرأة - ولم يشاركها في هذا الهجوم اللاذع والشخصي سوى صحيفة الرأي الرسمية (يسميها الشعب مخابراتية) والتي من على منبرها يهاجم زميلي المعارض السابق جبهة العمل الآن, في سلسلة مقالات التي أشرت إلى واحدة منها!!

كما قلنا في البداية, لسنا في مجال الدفاع عن أحد أو إدانة أحد. ولكننا نريد بيان تناقضات لا تغيب عن ذهن الشعب أو ذاكرته. والنسخة الرسمية تظل الخاسر الأكبر من هذا التناقض كون مرجعيتها حقائق وثوابت علمية كالدستور لا يختلف فيها رأي عالمين. أما المرجعية الدينية, فإنها تقبل التفاسير والتأويلات المتباينة حتى التناقض, بدليل ما جرى ويجري عبر التاريخ باسم الإسلام السياسي, إضافة إلى أن المرجعية الدينية للسياسة تستطيع توظيف العواطف بما يغطي التناقضات وحتى غياب المنطق, بل وتستطيع تبرير الانقلاب على الذات "بالهداية".

في حين يؤدي التناقض في المرجعية العلمانية إلى حشد العواطف, وبالجملة ومسبقاً, ضد من سقط في التناقض.. فالمعايير هنا هي إما علم أو جهل, أو -وهذا هو الأخطر- صدق أو كذب!!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك