تركي علي الربيعو

بينما يتحدث بعض المفكرين العرب عن نهضة عربية ثانية (ناصيف نصار)، وإمكانية نهضة الأمة العربية التي تأخذ شكل هبة اجتماعية عارمة بحسب وصف إسماعيل صبري عبد الله، وعن نجاحات المشروع العربي رغم فقره التراثي، هناك إقرار ظاهر من قبل النخبة الفكرية العربية بأننا لا نزال نعيش في سياق الأزمة.

فها هو عبد الله العروي يؤكد مع بداية الألفية الجديدة أنه "يحق لنا أن نتكلم عن أزمة عربية بالمفرد دون أن ننفي حقيقة الأزمات القطرية"، ويؤثر هشام جعيط عنونة كتابه الجديد "أزمة الثقافة الإسلامية" (دار الطليعة، عام 2000)، وهو عنوان دال.

"
صدمة الغرب لم تحجب عن الإصلاحيين رؤية الوجه الآخر للمشروع الحضاري الغربي الذي ترتبط فيه المعرفة بالهيمنة والسلطة
"
يقول جعيط وهو في حالة من التشاؤم والاستياء من إمكانية نهضة جديدة كما يبشر بها البعض "في الجملة، حالة العالم العربي متردية جدا في مجال الارتقاء بالإنسان ومواكبة عصره. ولعل أيديولوجيا التنمية تدخل أيضا في المسببات، لقد قتلونا بإنجازات النسيج والبناء والجلد والحديد والبلاستيك، فنقول: طيب، هذا جيد وحصل تقدم، لكن لا تقلقونا بهذا الأمر، فأنتم ما زلتم بعيدين عن مستوى العالم الحديث في هذا المجال".

مع نهاية عقد التسعينات من قرننا المنصرم، سبق لمثقفين عربيين أن تمحور نشاطهما حول هذا السر الذي يجعل من الزمن العربي الحديث شاهدا على إخفاق الأحلام ببناء نهضة عربية حديثة وثانية.

وأشير هنا إلى فهمي جدعان ورضوان السيد اللذين يثني عليهما برهان غليون في كتابه "محنة الأمة العربية" (1993)، باعتبارهما خارج سرب الاتجاه المتغرب الذي يسود حقل الثقافة العربية، وهما ينتميان بحق إلى تيار التأصيل الذي قض مضجعه هذا المنحنى البياني الهابط للثقافة العربية منذ عصر النهضة وحتى اللحظة المعاصرة.

يتساءل فهمي جدعان في كتابه "الطريق إلى المستقبل" (1999) عن السر الذي يجعل من الزمن العربي شاهدا على إخفاق الأحلام ببناء نهضة عربية مرتقبة؟ وعن سر هذا التراجع الكبير عن الأهداف الجوهرية التي نصبها رواد النهضة غاية لهم ولمن بعدهم؟

فلم يدرك أحد منهم الأهداف الجوهرية التي جعلوها غاية لتفكرهم، وما تحقق جاء على غير ما كانوا ينشدون.

طلب الطهطاوي وخير الدين التونسي مركبا متكاملا متماسكا من التقدم المادي الأوروبي والتقدم الروحي الإسلامي، فجاء هذا المركب بعد قرن من الزمان خليطا هجينا من الأوضاع المتراكبة على غير نظام وفي حالة من الفوضى الشاملة.

وأراد الأفغاني أن يوحد "دول الإسلام" لمناهضة الضغط الأوروبي المتعاظم فانهارت الدولة العظمى وترامت أشلاؤها، وهتف محمد عبده بالتجديد فساد التقليد، وهتف الكواكبي بالحرية فساد الاستبداد...الخ".

في كتابه "سياسات الإسلام المعاصر" (1997) يذهب رضوان السيد في نفس الاتجاه، يقول "خطرت لي قبل سنوات خاطرة نشرتها في إحدى الصحف، مؤداها أننا مختلفون عن العالم كله من حيث إن الثقافة والسياسة في مجالنا العربي تسير في اتجاه معاكس لطبائع الأمور والأفكار. ففي المجال الثقافي، محمد عبده أقل ثقافة وانفتاحا من جمال الدين الأفغاني أستاذه، ومحمد رشيد رضا أقل انفتاحا من أستاذه محمد عبده، وحسن البنا أقل ثقافة وانفتاحا من رائده رشيد رضا، وسيد قطب أقل انفتاحا من رائده حسن البنا، وعمر عبد الرحمن أقل ثقافة وانفتاحا من سيد قطب".

كما يبدو فإن الاثنين يرسمان لنا خطا تنازليا: الأول عن الأهداف الكبرى التي تخيلها رواد النهضة وأخفقوا في الوصول إليها، والثاني عن التراجع الثقافي الذي وسم الخطاب الثقافي الإسلامي وجعله في النهاية خطابا مأزوما كبقية الخطابات.

ولكن الاثنين يجمعان على تزكية البدايات النهضوية الأولى، فالإصلاحية الإسلامية التي قادها التونسي والطهطاوي ومحمد عبده ورشيد رضا لم تقع فريسة وأسيرة لما سمي "صدمة الغرب"، على العكس من التيار الراديكالي العربي بفرعيه الإسلامي واليساري الذي وقع أسير ما يسميها جورج طرابيشي "رضة الحداثة" التي أيقظت عند هذا التيار لاشعورا يجذر العداء للغرب.

فصدمة الغرب كما يجمع الباحثون أيقظت الوعي ولم تدفع إلى النكوص، إذ أيقظت الوعي بضرورة مواجهة "هذا السيل الذي لا يرد" حسب وصف خير الدين باشا التونسي الذي أصبح لاحقا صدرا أعظم في إسطنبول.

مواجهة تهدف إلى تمثل حضارة الغرب والاستفادة منها في بناء مركب حضاري ثقافي من مادية الغرب وروحية الإسلام.

"
الإصلاحية الإسلامية بقيت أكثر شمولية في نظرتها للآخر، للسيل الذي لا يرد، وللحداثة التي لا ترد في "أزمة الثقافة العربية"، في حين أن الراديكالية الإسلامية بقيت أسيرة معادلة مستحيلة الحل
"
كانت "صدمة الغرب" بمثابة المهماز الذي حرك عند رواد النهضة والإصلاح ضرورة الاستفادة من الغرب، وقد قاد ذلك إلى تحالف الفكر الإصلاحي الإسلامي مع رواد مشروع الدولة الحديثة الوطنية في العالمين العربي والإسلامي الذي سيغيب مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين بعدما أدارت الدولة الوطنية ظهرها لهذا التحالف، "علاقة الضباط الأحرار بالإخوان المسلمين".

وتحت تأثير صدمة الغرب لجأ الإصلاحيون الإسلاميون إلى آليتين: آلية إعادة اكتشاف القديم وهذا ما أكده الشيخ رشيد رضا في مجلته "المنار" في إطار حديثه عن الشورى، وإعادة تأويل القديم تأويلا جديدا.

ولكن صدمة الغرب لم تحجب عن الإصلاحيين رؤية الوجه الآخر للمشروع الحضاري الغربي الذي ترتبط فيه المعرفة بالهيمنة والسلطة على حد تعبير محمد عابد الجابري في نقده للمشروع النهضوي العربي.

وهذا ما حدا بالإصلاحيين إلى التمييز كما يرى رضوان السيد بين الغرب السياسي الذي حملوا عليه وأدانوه وبين الغرب الثقافي الذي أشادوا به وسعوا إليه، إلى التعلم منه ونقل تجربته المنهجية المتقدمة إلى المجتمعات العربية والإسلامية.

ولكن هذه الفروق سرعان ما تختفي كما يرى رضوان السيد مع الهجمة القوية للاستعمار في بدايات القرن وظهر خلل في عشرينات قرننا المنصرم في مجالين: مجال علاقة الإصلاحية بالغرب ونظرتها إليه، وعلاقة الإصلاحيين بالدولة ورجالاتها. هكذا وجدت الأزمة طريقها إلى وعي النخبة الإصلاحية الناجمة عن خيبة الأمل بالغرب وثقافته وسياسته، والناجمة أيضا عن بدايات الانفصال عن الدولة التحديثية التي قامت في المشرق العربي.

في مناخ الأزمة هذا، بدأ الفكر الإسلامي المعاصر بالظهور بشكل متدرج وعلى خلفية قطيعة تدريجية مع فكر وممارسات الإصلاحية الإسلامية، حين شكل حسن البنا "الإخوان المسلمون" في الإسماعيلية عام 1928.

ولكن هذه الخلفية لم تصل حد القطيعة، وهذا ما يراه الجابري في نقده للمشروع النهضوي العربي إذ يلفت نظرنا إلى أن جمال الدين الأفغاني لا الشيخ محمد عبده، مثل إطارا مرجعيا لمواقف التيار الراديكالي الإسلامي من السلطة وضرورة تقويضها.

فقد وظف الأفغاني الدين في السياسة، وجاءت نتائج هذا التوظيف عبر خطاب جدل وسجال لا خطاب إثبات، وعلى حد تعبير الجابري فهو -أي الأفغاني- يرفض أسس الحداثة الأوروبية ويتهم دعاة الأخذ بها بالغفلة والعمالة والخيانة، والبديل عنده هو الأخذ بالإسلام كما كان عليه أول مرة.

ومن وجهة نظر الجابري فإن المواقف السابقة ستهيمن على التيار السلفي وبالأخص جناحه الراديكالي الذي سيستعير منه معظم مواقفه المتأزمة.

والنتيجة التي يخلص إليها الجابري في تقويمه للتوظيف الديني في السياسة هي أن هذا التوظيف لم يمكن الأفغاني من امتلاك مشروع سياسي بديل.

في هذا الاتجاه يذهب رضوان السيد أيضا، فهو يرى أن حركة الإخوان المسلمين ظهرت في ظروف التأزم السياسي والثقافي للإصلاحية الإسلامية الناجمة عن اختلال العلاقة مع النموذج/المصدر، ومع الدولة الوطنية.

وبمقدار ما تظهر هذه الحركة على أنها امتداد للإصلاحية (الإحيائية) الإسلامية المأزومة فإنها عجزت عن أن تتحول إلى بديل للمأزوم السائد في الثقافة العربية.

"
ما يبشر بالخروج من الأزمة أمران: عودة مسائل النظر والتفكير والنقاش إلى الواجهة، ووجود قناعة عند الإسلاميين وغيرهم أن التغير والتجدد والتواصل مع العالم ضرورة من أجل الاستمرار
"
في كل الأحوال يظهر المأزم السائد على أنه امتداد لمأزم قديم ولكن بصورة أشد، فالإصلاحية الإسلامية بقيت أكثر شمولية في نظرتها للآخر، للسيل الذي لا يرد، وللحداثة التي لا ترد كما يصفها جعيط في "أزمة الثقافة العربية"، في حين بقيت الراديكالية الإسلامية أسيرة ما سماها الجابري بالمعادلة المستحيلة الحل.

فالنهضة لا تتحقق إلا بغياب الآخر (الجاهلي القريب أو الجاهلي البعيد) والنتيجة مزيد من الهروب إلى الأمام بدلا من أن نهتدي إلى سر تخلفنا الحضاري الذي يؤرق الجميع.

في كتاب "المسألة الثقافية في العالم العربي الإسلامي" (1998) راح رضوان السيد يؤكد على عمق الأزمة الثقافية التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية، وهي من أوجه عديدة جزء من أزمة عامة.

يقول السيد "هكذا نطل على القرن الحادي والعشرين، ونحن نحاول الخروج من أزمة متعددة الوجوه، أعمقها الوجه الثقافي الذي سيستولي عليه الإسلاميون بعد اليساريين، فما كانوا فيه أكفأ منهم بكثير".

بيد أنه يرى أن ما يبشر بالخروج من الأزمة والذي قد يكون شاهدا عليها، أمران: يتمثل الأول في عودة مسائل النظر والتفكير والنقاش إلى الواجهة، والثاني في وجود قناعة عند الإسلاميين الذين باتوا عنوانا للأزمة وغيرهم بأن التغير والتجدد والتواصل مع العالم ضرورة من أجل الاستمرار، ومن أجل المستقبل.

من عبد الله العروي إلى محمد جابر الأنصاري، إلى رضوان السيد وآخرين، هناك تأكيد على عمق الأزمة الثقافية التي تجتاح الأمة العربية، ولكن بموازاة ذلك، ثمة تأكيد على أزمة المثقف التقدمي بصيغته المفرد وعلى أزمة المثقفين العرب بشكل عام.

هذه الأزمة يحلو للعديد من المثقفين منهم العروي وهشام شرابي الحديث عنها بشكل أخذ في التبلور مع نهاية القرن في صورة نقد جذري لم يكتف بحدود النقد، بل راح يطالب بإطلاق رصاصة الرحمة على الداعية المثقف.. وللحديث صلة.
__________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة