جلال الدبيك

مؤشرات احتمال حدوث زلازل
المشكلة الحقيقية في عدم جاهزيتنا
إجراءات تخفيف أخطار الزلازل

في كل مرة يحصل زلزال مدمر في العالم كالزلازل التي حصلت في إندونيسيا وإيران وتركيا والجزائر وباكستان وغيرها، يزداد اهتمام الناس بظاهرة الزلزال ومدى جاهزية المباني والمؤسسات ذات العلاقة بإدارة الكوارث وإسناد الطوارئ، وتبدأ الأسئلة والاستفسارات: هل هناك احتمال لحصول زلازل في المستقبل؟ وهل أنماط المباني الدارجة في مدننا وقرانا لها المقدرة على مقاومة هذه الزلازل؟ ولماذا لا يوجد عمل وطني جماعي يستند إلى هيكلية مؤسسية تعنى بإدارة الكوارث وإسناد الطوارئ؟

خلال الأشهر الماضية كثر الحديث وازدادت اتصالات المؤسسات والأفراد ووسائل الإعلام المختلفة مع مركز علوم الأرض وهندسة الزلازل في جامعة النجاح الوطنية، وقد تركزت الأسئلة والاستفسارات حول احتمال تعرض المنطقة لزلزال، ففي مارس/آذار الماضي ازدادت الأقاويل والإشاعات حول زلزال قادم، بل إن بعض الإشاعات تحدثت عن تاريخ حصول هذا الزلزال.

واستند البعض -في تحليلاتهم أو أقوالهم- إلى الرسائل التي صدرت عن القنصلية الأميركية في القدس لحملة الجنسية الأميركية، حيث طلبت منهم أخذ الاحتياطات والحذر بسبب احتمال تعرض المنطقة لزلزال في المستقبل. وذهب البعض إلى أكثر من ذلك بقولهم: ما دام ذلك قد صدر عن الولايات المتحدة فإن ذلك يعني أن هناك معلومات أكيدة، في حين ربط البعض ظاهرة كسوف الشمس بحصول زلازل وكوارث. وفي ظل التخمينات والإشاعات أؤكد للجميع استنادا إلى المعايير والدراسات العلمية، الأمور التالية:

مؤشرات احتمال حدوث زلازل

"
يجب أن نضع دائماً نصب أعيننا أن الزلازل ظاهرة كونية طبيعية لا يعلم لحظة حدوثها بالضبط إلا عالم الغيب سبحانه وتعالى، ولا يمكن منعها ولكن يمكن التخفيف من مخاطرها
"
يستند الخبراء في احتمال حصول زلازل في المستقبل على عدد من العوامل، أهمها: موقع المنطقة وجيولوجيتها، ومواقع التصدعات الموجودة وأشكالها، وتاريخ المنطقة الزلزالي، وفترة تكرار حصول الزلازل، والمراكز السطحية لهذه الزلازل، بالإضافة إلى النشاطات الزلزالية التي تسجلها محطات وأجهزة رصد الزلازل.

فاحتمال حصول زلزال في المستقبل يستند إلى علم احتمالي، ولا يمكن من خلال هذه العوامل تحديد ساعة أو لحظة حصول الزلزال، لذلك عندما يتحدث المتخصصون عن احتمال حصول زلازل قوية مستقبلا فهذا يعني أنه قد يحصل الآن أو بعد ساعة أو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة أو عشرات السنوات.

لذلك فإن أي خبر أو حديث يخرج عن هذا الإطار يدخل ضمن مرجعيات وعوامل أخرى كالتنجيم وعلم الفلك وغيرها، أو من باب الإشاعات. وهذه المعايير غير معتمدة ولا تعتبر من المرجعيات الثابتة، فمثلاً حتى الآن لم تظهر الدراسات العلمية وجود علاقة مباشرة بين ظاهرة كسوف الشمس وحصول زلازل في نفس الفترة.

لذا، يجب أن نضع دائماً نصب أعيننا أن الزلازل ظاهرة كونية طبيعية لا يعلم لحظة حدوثها بالضبط إلا عالم الغيب الله سبحانه وتعالى. ولا يمكن منعها، ولكن يمكن التخفيف من مخاطرها عبر اتخاذ الإجراءات المناسبة على كافة الأصعدة والمستويات.

وبالنسبة لقوة الزلازل المتوقعة في منطقتنا، المنطقة المجاورة والمحاذية لحفرة الانهدام في كل من فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، أظهرت الدراسات التي أجريت في دول المنطقة أن أقصى درجة للزلازل المحتملة يتوقع أن لا تزيد على 6 أو 6.5 درجات حسب مقياس ريختر، وذلك إذا كان مركزها شمال البحر الميت أو جنوبه. وهذه الدرجة عموماً تصنف بالمعتدلة أو القوية نسبياً، ويمكن للمباني والبنى التحتية إذا صممت ونفذت وفقاً للضوابط العامة ولمتطلبات الحد الأدنى للمباني المقاومة للزلازل أن تقاوم هذه الدرجة، وهذا يمكن تحقيقه بسهولة.

وأظهرت بعض الدراسات التي أجريت في المنطقة أن الزلازل التي تقع مراكزها شمال بحيرة طبريا، أو في المنطقة المحيطة بالبحيرة (المنطقة المحيطة بالحدود الفلسطينية السورية اللبنانية)، قد تصل قوتها القصوى إلى 7 درجات حسب مقياس ريختر. وحسب بعض التقارير العلمية قد يحصل هذا النوع من الزلازل كل 200 أو 250 عاما، وآخر مرة حدث زلزال قوي في هذه المنطقة تقريباً كان عام 1759 وكان تأثيره مدمراً.

المشكلة الحقيقية في عدم جاهزيتنا

"
المشكلة الحقيقية لا تكمن في الزلزال نفسه وإنما في عدم جاهزيتنا، فالعديد من المباني والبنى التحتية لا تتوافر فيها متطلبات الحد الأدنى للمباني المقاومة للزلازل
"
والمشكلة الحقيقية -حسب رأيي- لا تكمن في الزلزال نفسه، "فالزلزال لا يقتل، وما يفعل ذلك هو المباني أو الحرائق والانزلاقات التي تثيرها الزلازل"، وإنما تكمن في عدم جاهزيتنا، فالعديد من المباني والبنى التحتية لا تتوافر فيها متطلبات الحد الأدنى للمباني المقاومة للزلازل، وكذلك عدم وجود إدارة فعالة لإدارة الكوارث وإسناد الطوارئ، بالإضافة إلى عدم معرفة الإنسان الفلسطيني لمفاهيم وإجراءات التهيئة والاستعداد للكوارث.

لقد شاركت خلال السنوات الماضية في عدد من الفعاليات والندوات والمؤتمرات الفلسطينية والعربية والدولية، ولاحظت أن معظم توصيات وقرارات المؤسسات العلمية ذات العلاقة -خصوصاً في عالمنا العربي- ينقصها آليات للتنفيذ وتبقى حبراً على ورق، وذلك لعدم وجود عمل مؤسسي فعّال ينقلنا من العمل بردة الفعل الفردي أو الفئوي إلى العمل بمنهجية الفعل الجماعي المؤسسي، وهذا يعني ضرورة الآخذ بالأسباب والالتزام بأن يكون التخطيط شاملاً لجميع المراحل، فمرحلة ما قبل الزلزال مرحلة استعداد وجاهزية، ومرحلة أثناء الزلزال تعتبر مرحلة المواجهة، ومن ثم مرحلة ما بعد الزلزال أو مرحلة أخذ العبر والدروس المستفادة، كمرحلة ثالثة.

وقد أظهر استطلاع لواقع المباني والبنى التحتية في فلسطين ومعظم الدول العربية أن العديد من هذه المنشآت لا يتضمن تحقيق الحد الأدنى المطلوب لمقاومة الزلازل المحتملة، وهذا بدوره سيؤدي الى حدوث أضرار وانهيارات ملحوظة في العديد من المباني إذا -لا سمح الله- تعرضت هذه المناطق لزلازل معتدلة أو قوية نسبياً (أي بين 6 و6.5 درجات).

وعلى المستوى الفلسطيني فإن هذه الدرجة ستحدث أضرارا وانهيارات كلية وجزئية في بعض المباني التي سيتعرض الكثير منها لأضرار وانهيارات في العناصر المحمولة كجدران الطوب والديكور والرخام، بالإضافة إلى تساقط واضح لقطع حجر الجدران الخارجية وما يترتب على ذلك من إعاقة وخسائر في الأرواح, وهذا بدوره سيساهم بشكل كبير في رفع حجم الخسائر في الأرواح والممتلكات.

فبالنسبة لأنماط المباني الدارجة في المدن الفلسطينية وفي الدول العربية بشكل عام فإن العديد من هذه المباني -إن لم يكن معظمها- تم تصميمها وتنفيذها وفقاً لمفاهيم الهندسة الدارجة، فلا يزال العديد من المهندسين ولغاية الآن يصممون وينفذون المباني لتقاوم الأحمال الرأسية فقط، بمعنى أن تحمل نفسها وما عليها من أحمال، دون الأخذ بعين الاعتبار للقوى التي قد تحدثها الزلازل، علماً بأن جميع "كودات" البناء والمواصفات الموجودة في العالم حاليا تأخذ بعين الاعتبار التصميم الزلزالي للمنشآت.

وإذا كانت الدول التي تمتلك جيوشاً وإمكانيات قد عجزت -ولو بشكل نسبي- في التعامل مع بعض آثار الكوارث، فماذا نتوقع ضمن ظروفنا أن يحدث؟ وهناك أسئلة واستفسارات أخرى، ولكن من هو المسؤول عن كل ذلك؟ وما ذنب المواطن العادي؟

ربما يمكن استيعاب أنه ليس لدينا الإمكانات والوقت الكافي لمعالجة وتأهيل الكثير من المباني القائمة لمقاومة الزلازل، ولكن لا أستطيع أن أفهم لماذا ولغاية الآن ورغم حصول الزلازل والخسائر في دول كثيرة كالجزائر وتركيا وإيران وباكستان والهند وغيرها، لا نأخذ العبر من أخطاء الآخرين ونعمل على تجنب هذه الأنماط والأخطاء في المباني الجديدة؟ علماً بأن أسباب الانهيارات في المباني توثق بعد كل زلزال وتنشر في تقارير المؤسسات الدولية والمجلات التخصصية، ومعظم هذه الأخطاء يمكن تجنبه بسهولة في المباني الجديدة.

وبدورنا كمركز علمي متخصص أخبرنا المؤسسات ذات العلاقة بحجم الخطر المتوقع، وزوّدنا المؤسسات المهنية الهندسية ذات العلاقة بأخطاء المباني التي تؤثر على سلوكها الزلزالي، لكن التغيير على أرض الواقع كان محدوداً.

من جهة أخرى ولغاية الآن يعتقد الكثير من المواطنين بأن التصميم والتنفيذ الزلزالي للمباني شيء صعب وتكلفته المالية عالية جداً، وهذا غير صحيح، فالتصميم الزلزالي له عدة مستويات من الأمان والدقة، فبالنسبة للمباني العادية قد تزداد تكلفة المبنى بسبب التصميم والتنفيذ الزلزالي بنسبة 3 إلى 5% فقط كحد أقصى، علما بأنه إذا كان المبنى بسيطاً ومنتظماً، أي متماثلاً في الشكل والكتل وفي توزيع الأعمدة والجدران أفقياً ورأسياً، فإن ذلك يساهم بشكل كبير في مقاومته للزلازل وان لم يصمم لذلك.

ويتذكر جميعنا حالات التخبط والفوضى التي حصلت في عدد من المناطق نتيجة انهيار مبنى أو أكثر من جراء الأعمال الحربية الإسرائيلية، وكيف تعامل المواطنون مع الحدث، فماذا يمكن أن يحصل -لا سمح الله- إن تعرضت المنطقة لزلزال قوي نسبياً، وأدى ذلك إلى وقوع أضرار وانهيارات كلية وجزئية لمئات أو آلاف المباني مرة واحدة.

بالإضافة إلى احتمال حصول انهيارات في بعض المستشفيات والمباني العامة الهامة ذات العلاقة بإدارة الكوارث وإسناد الطوارئ، فكيف سيتم التعامل مع حدث مثل هذا النوع؟ علماً بأن المساعدات الخارجية في الغالب لا تصل إلا بعد 48 ساعة، وأن مساعدة الدول المجاورة للمناطق الفلسطينية ستكون محدودة جداً لأنها ستكون مشغولة بشعبها ومبانيها، فإذا فشلت بعض الدول في استيعاب الكارثة رغم إمكانيتها ووجود طواقم مدربة وجيش ومؤسسات دولة، فماذا يمكن أن نتوقع نحن هنا؟

إجراءات تخفيف أخطار الزلازل

"
يجب أن نعي تماماً أن الزلازل -في حقيقتها- عقوبة وامتحان، وأن حصر دائرة الفساد عند الحديث عنها في مجال محدد كالفساد الأخلاقي، يُساهم بطريقة غير مباشرة في تعزيز الحالة القائمة عند الأمة
"
وللتخفيف من أخطار الزلازل ومعالجة الوضع الحالي، لابد من الالتزام بتنفيذ عدد من الإجراءات، وأهمها:

- الاهتمام بالسلامة العامة وبرامج تهيئة المواطنين، وذلك من خلال اهتمام وسائل الإعلام المختلفة المكتوبة والمسموعة والمرئية بالبرامج التي تعنى بالتربية الزلزالية وإجراءات الوقاية والتهيئة.

- الالتزام بالتصميم والتنفيذ الزلزالي للمباني الجديدة، ووضع خطة وطنية لتأهيل المباني القائمة لمقاومة الزلازل، وذلك وفقاً لخطط شاملة تأخذ بعين الاعتبار المدى الزمني القصير والمتوسط والبعيد.

- الاهتمام بسياسة استخدام الأراضي لتجنب الأماكن القابلة للانزلاقات الأرضية ومناطق التضخيم الزلزالي وغيرها من العوامل.

- ضرورة وجود إدارة للكوارث وهيكلية واضحة لإسناد الطوارئ تشارك فيها جميع المؤسسات ذات العلاقة الحكومية وغير الحكومية، وتشكيل لجان لإسناد الطوارئ (إسعاف، وإنقاذ، وإخلاء، ومواصلات، وتموين، ومعلومات عن المفقودين، وغيرها).

- ضرورة الإهتمام بدورات التعليم المستمر للمخططين والمهندسين والمقاولين، وذلك للاطلاع على التقدم الذي يحدث في العالم في موضوع التصميم والتنفيذ الزلزالي للمنشآت، وكذلك التعلم وأخذ العبر من الزلازل التي حصلت في الدول الأخرى.

وختاماً يجب أن نعي تماماً أن الزلازل -في حقيقتها- عقوبة وامتحان، وأن حصر دائرة الفساد عند الحديث عنها في مجال محدد كالفساد الأخلاقي، يُساهم بطريقة غير مباشرة في تعزيز الحالة القائمة عند الأمة.

فالفساد يجب أن يؤخذ بمعناه الشمولي، فمن لا يجدد علمه ويتابع تطوير مهنته ولا يأخذ العبر من تجارب و أخطاء الآخرين، يعتبر فاسداً سواء كان مهندساً أو مقاولاً أو مخططاً أو طبيباً أو معلماً.. إلخ، وخطورة هذا النوع من الفساد أنه مهني وهنا تكمن مشكلة أمتنا في المقام الأول، فالله سبحانه يحب العمل المتقن، والسعي والوصول إلى العلم فريضة، فالمطلوب أن نأخذ بالأسباب وأن نكون أمة متوكلة لا متواكلة.
ـــــــــــــ
خبير فلسطيني بالزلازل

المصدر : الجزيرة