إبراهيم غرايبة

هل مشروع مكافحة الإرهاب في متاهة؟
القاعدة وأميركا.. نحو التسوية؟
مقتل الزرقاوي.. بداية مرحلة جديدة؟

ما زالت مقولة ما بعد القاعدة ونهاية العنف "الإسلامي" والدخول في مرحلة جديدة قائمة على مشاركة واسعة للحركة الإسلامية "العامة" والعمل على استيعاب وتصفية العنف والتطرف أمنيا واجتماعيا وفكريا تكتسب أدلة ووقائع جديدة.

وهي مقولة وإن كانت تناقضها أحوال وأحداث كثيرة في العالم الإسلامي سواء من قبل الجماعات "العنفية" أو من قبل الولايات المتحدة، فإن السياق العام للتحولات ومنطقيتها وطبيعة الأشياء ترجح أن العالم متجه إلى طي ملف العنف، وأن الحركة الإسلامية مقبلة على مرحلة من الصعود والتحولات الفكرية والسياسية.

هل مشروع مكافحة الإرهاب في متاهة؟
كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى حرب كبيرة تكافئ صدمة أحداث 11  سبتمبر/أيلول 2001، ولم يكن كافيا احتلال بلد فقير محدود مثل أفغانستان فاحتلت العراق أيضا، وأعادت تشكيل العالم في حرب مع الإرهاب، حتى إن بعض الدول ظهرت على نحو صريح وكأنها تفتعل الإرهاب لتشارك العالم في حربه، لأن المشهد بدأ يظهر أن الدولة التي لا تشارك في المهرجان العالمي في الحرب على الإرهاب مع الإرهاب (من ليس معنا فهو ضدنا)، فكانت بعض الدول بحاجة إلى قدر من الإرهاب لتظهر مشاركة وتضامنا أكثر مع الولايات المتحدة، ولتكسب أيضا قدرا من التعاطف والدعم، أو لتخرج من مأزق داخلي أو خارجي يهددها.

ولكن الحروب والصراعات بين خصمين مهما كان الفرق في القوة بينهما لا يمكن أن تصل إلى سحق وإلغاء نهائي لأحدهما، ولكنها تؤول إلى تسوية مقبولة للطرفين وفق منطق المنتصر والمهزوم. ويحرص المنتصر عادة على إعطاء فرصة للمهزوم في الحصول على تسوية مشرفة ومقبولة، وهذا ما حدث على سبيل المثال بين الحكومة البريطانية والجيش الجمهوري الإيرلندي، وبين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، وربما يحدث قريبا بين إسرائيل وحركة حماس.

"
الحروب والصراعات بين خصمين مهما كان الفرق في القوة بينهما لا يمكن أن تصل إلى سحق وإلغاء نهائي لأحدهما، ولكنها تؤول إلى تسوية مقبولة للطرفين وفق منطق المنتصر والمهزوم، ويحرص المنتصر على إعطاء فرصة للمهزوم في الحصول على تسوية مشرفة ومقبولة
"
وكان الإصرار المبالغ فيه على مواجهة الجماعات المسلحة بعد 11 سبتمبر/أيلول سببا في توسعة الإرهاب وشموله أمكنة ومجالات وأهدافا جديدة ربما لم تكن تخطر ببال أحد، وقتل فيهما من المدنيين والأبرياء على يد "قوات مكافحة الإرهاب" مئات أضعاف الذين قتلتهم الجماعات المسلحة، وفتحت الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى على نفسها بابا من أبواب جهنم كانت تستطيع تركه مغلقا.

وقد دخلت الولايات المتحدة وبريطانيا في مفاوضات مع المقاومة العراقية، كما أعلن أكثر من مرة كل من رمسفيلد وبلير والطالباني والجعفري والمالكي، وكان بعض المحللين يغامر بالقول بوجود هذه المفاوضات اعتمادا على حدس تحليلي وإشارات غامضة، فالقاعدة المنطقية لهذه المفاوضات كانت قوية وقائمة في التحليل والتفكير في الحالة العراقية الراهنة، لأن الدول والجماعات لا تخوض الحروب لأجل الهواية والاستمتاع، والمصالح التي يمكن تحقيقها بدون القوة العسكرية لا تحتاج إلى القوة حتى لو كانت متاحة وممكنة.

هل كانت المفاوضات تعبيرا عن أزمة أميركية داخلية بعدما تصاعدت الخسائر العسكرية والمالية في العراق، وتحول الرأي العام إلى موقف مضاد للحرب الأميركية عليه، وإحجام الشباب الأميركي عن الانضمام إلى الجيش، وظهور بوادر واحتمالات التمرد في الجيش الأميركي؟ وهل كانت إدراكا أميركيا لضرورة وأهمية التوازن السني-الشيعي-الكردي، وهو ما دعت إليه بوضوح وصراحة كوندوليزا رايس في زيارتها للعراق مؤخرا؟

وهل الاستقرار في العراق وفلسطين أو تحقيق تسوية تحقق قدرا من الاستقرار والرضا -وليس بالضرورة تسوية عادلة- هي الأرضية الأساسية للمشروع الإصلاحي في الشرق الأوسط وإقامة حوار وتعاون مع الحركات الإسلامية الوسطية والمعتدلة التي تبدو قادمة بقوة إلى الحكم في المنطقة، والتي تملك مفتاح استيعاب التطرف والعنف سلميا ومن ثم تخفيف موجة الكراهية للولايات المتحدة؟

هل تأتي المفاوضات في سياق ترتيبات الولايات المتحدة -بالشراكة مع أوروبا- لتحقيق معادلة استقرار جديدة في المنطقة قائمة على الإصلاح السياسي والتحالف مع الحركات الإسلامية والسياسية التي تصل إلى الحكم بالانتخاب، من أجل التحضير لمرحلة جديدة من المصالح والمشروعات القائمة على مواجهة الصين الصاعدة وروسيا المتربصة والهند المتطلعة إلى دور وحصة في السوق العالمية، والتأثير في المنطقة؟ هل تريد الولايات المتحدة لأجل مواصلة التأثير على السوق العالمية للنفط، تقديم كثير من التنازلات وتغيير سياساتها وإستراتيجياتها؟

لم تتوقف الاعترافات الأميركية بالخسائر العسكرية والمالية الكبيرة في العراق، ولا يحتاج المراقب والمتابع للشأن العراقي إلى جهد كبير لملاحظة الأخبار اليومية عن قتلى الأميركان، وتراجع شعبية الرئيس بوش وفريق المحافظين الجدد، والتذمر الشعبي في الولايات المتحدة وأوروبا من التأثير السلبي لحرب العراق على الحريات والاقتصاد والضرائب والاستثمار والسياحة، وربما يكون الضرر الأكبر بالنسبة للولايات المتحدة تصاعد موجة كراهية ضدها في أوروبا، لعلها تفوق العداوة والكراهية في الشرق الأوسط وآسيا.

ويبدو أن الولايات المتحدة ظلت تواجه أزمة كبرى مع حلفائها في العراق، الذين يصرون على حرب استئصالية إقصائية مهووسة لكل عناصر النظام السياسي السابق، والتي تعني بالضرورة إقصاء تاما للعرب السنة، فيقول بول بريمر في مذكراته: إن اعتقال صدام حسين كان مشروعا ضروريا لوقف مشروع اجتثاث البعث الذي كان يمارسه أحمد الجلبي بهوس لا يمكن قبوله، ويبدو أن الولايات المتحدة تركت حلفاءها يواجهون الحائط المسدود، فالعراق بلا دور عادل وفاعل للعرب السنة هو عراق بلا عراقيين.

والعرب السنة يمثلون الرصيد الحقيقي للعراق في الإدارة والتنظيم والعلم والثقافة، ويمتلكون من الخبرات العلمية والإدارية والعسكرية والأمنية والكفاءات الراقية التي بدونها يتحول العراق إلى دولة بدائية لا يمكن إدارتها وتسييرها، وبدونهم أيضا لا يمكن إقامة تحالف مع حكومة عراقية كفؤة وقادرة على حماية نفسها، وتحقيق مصالح الولايات المتحدة، ولا تكون عالة وعبئا عليها، وهذا ما حدث تماما في فيتنام، عندما عجزت الولايات المتحدة عن الحصول على شريك فيتنامي يمكن الاعتماد عليه، ويستطيع إدارة الدولة معتمدا على نفسه وبقدر معقول من المعونة الأميركية، كما في كوريا الجنوبية على سبيل المثال.

القاعدة وأميركا.. نحو التسوية؟

"
ثبت مرارا عبر التاريخ أن السلفية والأصولية تشكل الملجأ والحصانة للمجتمعات في مواجهة الغزو والأخطار التي تداهمها، فالأمم والشعوب تنكفئ على نفسها وتبحث في تاريخها ومواردها الذاتية عندما تتعرض للهيمنة والذوبان والاحتلال
"
الرسائل التي بثها أيمن الظواهري مؤخرا تتضمن كثيرا من إشارات الدعوة إلى التسوية والتفاوض، ورغم ما فيها من تهديد فإنها لم تتضمن تحريضا على القتال والعمليات العسكرية، ولكنها تؤكد أنها رد على السياسات الأميركية والبريطانية، بمعنى أن ما يحدث ليس جهادا للكفار بالمطلق ولكنه رد على العدوان. وكانت الرسائل سياسية أكثر مما هي عقائدية تلخص الحالة التي وصلت إليها القاعدة والجماعات المسلحة والمسار الذي سلكته ودفعت إليه.

ويبدو الخروج من المأزق في أفغانستان والعراق مشروطا بتسوية مع الجماعات الأصولية والمسلحة، فقد نجحت طالبان والقاعدة في أفغانستان بحشد "البشتون" الذين يشكلون العمود الفقري والأساسي للدولة والمجتمع والتاريخ في أفغانستان، والذين بدون رضاهم وموافقتهم لن تقوم في أفغانستان ديمقراطية ولا دولة!

وفي العراق أيضا فإن الجماعات المقاتلة من أصوليين وبعثيين وسواهم يحظون أو كانوا حتى فترة قريبة بدعم وغطاء "العرب السنة" الذين لن تقوم بدون رضاهم واندماجهم دولة ولا ديمقراطية.

والأهداف الأميركية في المنطقة -المصلحية والتجارية منها والإستراتيجية- تبدو مرتبطة بالتفاهم والتحالف مع الجماعات الإسلامية المعتدلة منها والمتطرفة. وإن كان الهدف الأميركي مواجهتها وإضعافها فإن ذلك لن يتحقق إلا باستيعابها ودمجها في المشروعات السياسية والإقليمية.

وقد ثبت مرارا عبر التاريخ أن السلفية والأصولية تشكل الملجأ والحصانة للمجتمعات في مواجهة الغزو والأخطار التي تداهمها، فالأمم والشعوب تنكفئ على نفسها وتبحث في تاريخها ومواردها الذاتية عندما تتعرض للهيمنة والذوبان والاحتلال.

فالأمم والمجتمعات والأفكار تتحرك على نحو تلقائي غامض لموازنة الأفكار والموجات وحماية نفسها ومصالحها وحقوقها، وهو حراك لا يعني بالطبع ردة فعل مباشرة ومعاكسة، فهذا لا يفسر تماما الأحداث والأفكار، ولا يعني أيضا الخطأ والصواب، ففي الحالتين المتقابلتين ثمة حق وباطل، وتقدم وتخلف، وصواب وخطأ، وظلم وعدل.

والجماعات الأصولية عندما تتحول هي الأخرى إلى موقع الدفاع عن شعب أو قضية أو مجتمع فإنها تبحث عن إستراتيجيات واقعية لتحقيق مصالحها وتطلعاتها التي تتحول من فكرية وأيديولوجية إلى سياسية واجتماعية، وهذا ما يحدث أو سيحدث لطالبان وحليفتها القاعدة وللمقاومة العراقية والجماعات المعارضة، والتي دخلت بالفعل في مفاوضات وحوارات مباشرة مع الولايات المتحدة والحكومة العراقية.

مقتل الزرقاوي.. بداية مرحلة جديدة؟

"
تبدو السياسات الأميركية الأخيرة متجهة إلى ترتيب نهائي في أفغانستان والعراق يتضمن قدرا من الاستقرار يقنع الناخب الأميركي عام 2008 بأن مئات المليارات التي دفعت قد أدت إلى قيام أنظمة سياسية ديمقراطية وصديقة
"
تبدو السياسات الأميركية في الفترة الأخيرة متجهة إلى ترتيب نهائي في أفغانستان والعراق يتضمن قدرا من الاستقرار يقنع الناخب الأميركي عام 2008 بأن مئات المليارات التي دفعت من الضرائب قد أدت إلى قيام أنظمة سياسية ديمقراطية وصديقة للولايات المتحدة، وأن الخسائر البشرية التي لم يعد الرأي العام والمزاج الأميركي والغربي مقتنعا بجدواها تؤول إلى التوقف، أو توقفت نهائيا.

لقد تشكلت ضرورة أميركية باحتلال العراق بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، فحسب البيان الذي قدمه وزير الخارجية الأميركية السابق كولن باول في مجلس الأمن مبررا احتلال العراق، كان النظام السياسي العراقي يؤوي "أبو موساب الزاركاوي" ومجموعته، وأن هذه المجموعة من القاعدة قد انتقلت من أفغانستان إلى العراق. ومنذ تلك اللحظة بدأ الزرقاوي يحتل واجهات الإعلام والسياسة.

وتظهر مجريات الأحداث والمعلومات التي تكشفت فيما بعد صحة ومنطقية الاعتقاد بكون مجموعة الزرقاوي تعمل بإشراف الاستخبارات العراقية السابقة، فقد اعتقل فيما بعد مظفر العبيدي أحد كبار ضباط الاستخبارات العراقية ووصف بأنه القائد الفعلي لتنظيم القاعدة.

كان إعلان قائد غير عراقي يملك تجربة إسلامية عنفية سابقة يشكل ضرورات فنية وسياسية للولايات المتحدة وللمقاومة البعثية، فكونه غير عراقي يعطي كولن باول مبررا واسعا قانونيا وإعلاميا وسياسيا لملاحقة المقاومة وضربها واعتقال المشتبه بهم، وإجهاض المعارضة الوطنية العراقية للعنف الرسمي -الأميركي والعراقي- والاستخدام المفرط للقوة والعنف في القصف والاعتقال والتعذيب والقتل، ويعطي تاريخه السابق والمتمثل بالتطرف والعنف في أفغانستان والأردن مصداقية للرواية الرسمية.

وبالنسبة للبعث والاستخبارات العراقية السابقة فإنه يمثل غطاء سياسيا وإسلاميا مناسبا أيضا، فالتاريخ السابق للنظام العراقي لا يؤهله لتقديم خطاب إسلامي ووطني للمقاومة والتحرير، وفي الوقت نفسه فإن البعث سيكون قادرا على التنصل من عمليات قتل المدنيين والعراقيين المشاركين في الشرطة والجيش بإسناد مسؤوليتها إلى جماعة أخرى غير عراقية يمكن التخلص منها في الوقت المناسب.

وتبين للأميركان والنظام السياسي الجديد في العراق حقائق لا يمكن تجاوزهما، وظهرت بوضوح في مؤتمر القاهرة وفي التطبيقات والسياسات التي أعقبت هذا المؤتمر الذي يمكن تشبيهه إلى حد كبير بمؤتمر الطائف الذي أسس لنهاية الحرب الأهلية وقيام نظام سياسي جديد في لبنان. وبدأت السياسات الأميركية في العراق بالتحول نحو مصالحة العرب السنة ومشاركتهم في العملية السياسية على أساس عادل ومنطقي.

"
تعرضت القوات الأميركية في العراق لخسائر مادية ومعنوية كبيرة جدا، بل إن الصورة الأميركية في نظر مواطنيها أولا وفي نظر العالم تحولت إلى أسوأ ما يمكن أن تكون عليه في تاريخها بلا مكاسب معقولة ولا مبرر لهذه التضحيات
"
فالسياسات الأميركية القائمة على إغراء الشيعة بالتحالف معهم واستعداء السنة أدت في المحصلة إلى تسليم العراق إلى إيران التي أصبح نفوذها ودورها في العراق يتفوق على الدور الأميركي، وحول الحكومة العراقية التي ترعاها الولايات المتحدة إلى ميليشيات للقتل والسلب والتدمير دون أن تحقق الحد الأدنى من الأمن والاستقرار والإصلاح والتنمية، وفي الوقت نفسه فقد اشتعلت مقاومة عنيفة وواسعة كان يمكن التخفيف منها أو حتى وقفها لو اتخذت سياسات منطقية وعادلة، وتعرضت القوات الأميركية في العراق لخسائر مادية ومعنوية كبيرة جدا، بل إن الصورة الأميركية في نظر مواطنيها أولا وفي نظر العالم تحولت إلى أسوأ ما يمكن أن تكون عليه في تاريخها بلا مكاسب معقولة ولا مبرر لهذه التضحيات الهائلة.

وكان الشيعة أيضا بحاجة للاطمئنان والثقة من جانب السنة لأنهم لم يكونوا يقبلون بحال من الأحوال عودة النظام السياسي السابق الذي يدركون بوضح أنه يعبر عن نفسه من خلال القاعدة ومن خلال شخص الرئيس السابق صدام حسين.

يقول وزير الداخلية العراقي جواد البولاني إن مقتل الزرقاوي يمثل بداية جديدة للأمن العراقي وإقامة سلام بين مختلف عناصر المجتمع. وقال وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني إن اختفاء الزرقاوي سيؤدي إلى تحسين إنتاج النفط، وبدأت أسعار النفط بالانخفاض بشكل ملموس.

وهذه بالإضافة إلى غيرها من الأقوال عن توقعات مستقبلية كبيرة تفوق بكثير ما كانت القاعدة تمنعه أو تفعله، تشير بوضوح إلى أن السنة العرب تخلوا عن النظام السياسي السابق وأنهم يعيدون تشكيل أنفسهم على نحو يسمح لهم بمشاركة سياسية وعامة يرضون بها وتحقق الأمن والاستقرار الذي يبدو أن أهم أسباب غيابه لم يكن القاعدة بقدر ما هو موقف فئات واسعة من العرب السنة. وربما يكون حزب البعث يعيد تشكيل نفسه أيضا متخليا عن المرحلة السابقة ورموزها.
__________
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة