منير شفيق

مع العرض الذي قدمته إدارة بوش من خلال وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس لمشاركة الترويكا الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) في المفاوضات حول الملف النووي الإيراني بل وقيادتها كما أعلنت الوزيرة، تكون أزمة البرنامج النووي الإيراني قد دخلت مرحلة جديدة.

مهما سيعلق لاحقا عن مرامي هذه الخطوة الأميركية يجب أن ينظر إليها كخطوة تراجع في الموقف الأميركي، والدليل أن إدارة بوش رفضت دوما اقتراح المشاركة وتركت أمر المفاوضات ولو شكليا للترويكا الأوروبية، فكيف يفسّر هذا التراجع الآن؟

"
تخشى أميركا وأوروبا أن تتحركا ضد إيران في ظل معارضة روسية صينية، الأمر الذي فرض على إدارة بوش التراجع خطوة من أجل كسب الموقف الروسي والصيني في حالة رفض إيران أن تدخل المفاوضات تحت شرط وقف تخصيب اليورانيوم
"
الجواب ببساطة: نتيجة فشل إصدار قرار من مجلس الأمن بالعقوبات ضد إيران بعدما أخفقت كل محاولات "إقناع" روسيا والصين بالموافقة على إصدار قرار العقوبات بناء على البند السابع، وهو البند الذي قد يستند إليه في استخدام القوة العسكرية كذلك.

وبالطبع تخشى أميركا وأوروبا أن تتحركا ضد إيران في ظل معارضة روسية-صينية، الأمر الذي فرض على إدارة بوش التراجع خطوة من أجل كسب الموقف الروسي والصيني في حالة رفض إيران أن تدخل المفاوضات تحت الشرط المسبق بوقف تخصيب اليورانيوم.

علما أن هذه الخطوة التي رحب بها روسياً وصينياً وأوروبياً ليست من بعض أوجهها مسّرة لهؤلاء، لا سيما إذا ما نجحت المفاوضات الأميركية-الإيرانية التي لن تقتصر عندئذ على اللقاءات المشتركة، أو على مرجعية لقاءات الدول الكبرى الخمس في مجلس الأمن زائدا ألمانيا، لكن هذا الاحتمال هو الأبعد قياساً لزيادة أهمية دور الدول الكبرى في تقرير مصير البرنامج النووي الإيراني.

هنا يجب التذكير أن كلا من أوروبا -وعلى التحديد فرنسا وألمانيا- وروسيا والصين تريد نظاماً عالمياً متعدد القطبية، في حين سيظل الهدف الأميركي إقامته على أساس أحادي.

فالترحيب بقبول إدارة بوش مشاركة الدول الكبرى وألمانيا في تقرير القضايا العالمية العالقة يلتقي مع هدف إقامة نظام عالمي متعدد القطبية، بينما تنبع المخاوف في حالة تفاهم أميركي-إيراني ثنائي أو من وراء الظهر، من رفض الانفراد الأميركي أو من السعي الأميركي لإقامة نظام أحادي.

ومن ثم فالجولة الحالية تميل في مصلحة تعدد القطبية نتيجة فشل أميركا في العراق، كما الفشل في مفاوضات الترويكا مع إيران بمعزل عن روسيا والصين.

لكن كسب هذه الجولة في مصلحة تعدد القطبية لا يعني أن نظاماً عالمياً على ذلك الأساس أخذ يترسخ ويتثبت، فما زال الطريق طويلاً دون ذلك، كما هو طويل دون ترسيخ إقامة نظام عالمي أحادي القطبية، فالتأرجح والفوضى هما الأغلب عليه.

ولهذا فإن الوفاق والانقسام حول معالجة الملف النووي الإيراني بين الدول الكبرى، يعبران من حيث الجوهر عن اتجاه تطور التناقضات التي تشكل أساس العلاقات بين دول متنافسة وذات مصالح متضاربة أو غير متطابقة، حيث تلعب موازين القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية دوراً حاسماً في معالجة تلك التناقضات، مثلا أكان مساومة أم مواجهة أم عبر الصراع المتذبذب بين هذه وتلك، كما هي سمة العلاقات الدولية في هذه المرحلة.

فالموقف من الملف النووي الإيراني يعكس إشكالية العلاقات الدولية لا سيما بين الغرب وكل من روسيا والصين و-إلى حد ما- الهند، وإذا وصل الأمر إلى المواجهة العسكرية سيعكس إشكالية العلاقات الأميركية-الأوروبية عندئذ كذلك.

من البديهي أن أياً من روسيا أو الصين أو الهند لا تنطلق في تحديد موقفها إزاء الملف النووي الإيراني من إشكالية الحق أو عدم الحق مهما يكن حق طهران صريحا بموجب اتفاقية الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإنما يحدد الموقف على ضوء العلاقة بأميركا والغرب أساساً.

ولهذا فأميركا تحت الابتزاز إذا أرادت أن تكسب إلى جانبها مواقف تلك الدول -ما دامت بحاجة إلى تأييدها- أو عدم معارضتها لها، وهذا ما يفسّر ما حدث ويحدث من خلاف أو وفاق حول الملف النووي الإيراني.

علماً أنه ما من أحد من هؤلاء يحب لإيران الإسلامية أن تصبح دولة نووية حتى بمستوى امتلاك الدورة النووية في حدود الاستخدام السلمي فقط. وإن كان هذا الجانب ليس المحدد الأول للموقف أثناء إدارة الصراع من الملف النووي الإيراني، وإلا لما أمكن ابتزاز إدارة بوش إذا كان المقرر الأول للموقف هو الحذر الخاص من امتلاك إيران القدرة النووية طبعاً مع عدم تغييبه تماماً.

"
البعض منذ البداية لم يصدق -ولا يريد أن يصدق- وجود تناقض أو صراع أميركي إيراني أصلا، وإنما يعتبر أن الطرفين متفاهمان إلى حد التعاون الكامل إن لم يكن التحالف، وسيظل هؤلاء على رأيهم حتى لو رأوا الصواريخ الأميركية تضرب إيران
"
ومن هنا يفهم اضطرار إدارة بوش للإقدام على تلك الخطوة التي تتسم بالتراجع بعد كل ذلك الرفض السابق لها. لكن هذه الخطوة التراجعية وبعد تثبيت جانب التراجع فيها، تحمل في طياتها خطوة هجومية ليس بما حملته من شرط مسبق فحسب وإنما أيضاً لما تبيته من إحراج للروس والصينيين إذا فشلت المفاوضات بحجة ذلك الشرط، أو إذا فشلت بعد انطلاقتها، إذ سيطلب منهما الموافقة مقابل ذلك على العقوبات في مجلس الأمن.

وهذا ما حاولت إدارة بوش إلزام روسيا والصين به وحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التنصل منه بالقول إن الإشارة إلى العقوبات في غير مكانها الآن أو سابقة لأوانها.

في بداية الأمر رفض الرئيس الإيراني العرض الأوروبي والشرط الأميركي، ثم وجد أن من الحكمة عدم الرفض قبل الاطلاع والدراسة، لا سيما بعد الترحيب الحار الروسي والصيني بالخطوة الأميركية واعتبارها نزولاً عند رأيهم.

يمكن القول هنا إن إدارة الصراع من جانب كل الأطراف للملف النووي الإيراني دخل مستوى أعلى من حيث المناورة السياسية، لكن دون أن يتغير الموقف الجوهري لكل طرف.

فأميركا وأوروبا ما زالتا مصرتين على أن موضوع امتلاك إيران حقها في التخصيب والمضي ببرنامجها مرفوض مطلقاً، وهو ما يجب أن يثبّت في أي اتفاق حول الموضوع.

أما إيران فما زالت حتى هذه اللحظة متمسكة بحقها الثابت في امتلاك القدرة النووية والتخصيب للأغراض السلمية والعلمية البحتة، في حين أن الموقفين الصيني والروسي يريدان إيجاد حل لهذه المعضلة تقبل به إيران وأميركا.

أما أوروبا فموقفها لا يختلف عن الموقف الأميركي، بما في ذلك فرض العقوبات وإن لم يحسم موضوع تأييد الحرب أو المشاركة فيها في حالة وصول أميركا وإسرائيل إلى نقطة تنفيذ قرارهما بشن الحرب (العدوان) إذا فشل نزع البرنامج النووي كلياً من يد إيران عبر الضغوط الدبلوماسية أو العقوبات الاقتصادية.

البعض منذ البداية لم يصدق ولا يريد أن يصدق وجود تناقض أو صراع أميركي-إيراني أصلا، وإنما يعتبر أن الطرفين متفاهمان إلى حد التعاون الكامل إن لم يكن التحالف، وسيظل هؤلاء كما يبدو على رأيهم حتى لو رأوا الصواريخ الأميركية تضرب إيران.

وهكذا تغيب "الأيديولوجيا" -المستندة إلى تحليل جزئي لبعض الحالات- كل الوقائع التي تعاكس ما تذهب إليه من أحكام، كأن كل ما جرى ويجري من صراع وتدخلات دول أخرى حول البرنامج النووي الإيراني مجرد مسرحية لا علاقة لها بالواقع؟

هذا ناهيك عن عدم رؤية القطبية الدبلوماسية الأميركية-الإيرانية منذ العام 1980 حتى اليوم، وما صدر من قرارات أميركية بمقاطعة إيران ومعاقبة من يتعامل معها (قانون داماتو)، أو اعتراضها الحاكم على سياسات إيران في الموضوع الفلسطيني واللبناني والسوري، أو في كل ما يتعلق بالمشروع الإسرائيلي في المنطقة.

وهنالك بعض آخر يعتبر أن ثمة صفقة منجزة أو هي قيد الإنجاز بين أميركا وإيران، رغم عدم وجود دلائل مادية ملموسة على ما يذهب إليه سوى تسريبات أو تغليب الأماني والتوقعات على صراع ما زال يقترب نحو الحرب أكثر مما يقترب نحو الصفقة حتى على مستوى ضيق.

فنحن الآن أمام الوقائع التالية:

  • ثمة قرار حاسم لدى أميركا ومعها إسرائيل باللجوء إلى القوة -وفي أعلى مستوياتها- إذا أصرت إيران على التخصيب النووي والمضي بأبحاثها النووية، فكل ما يجري من نشاط دبلوماسي ومناورات وعروض لصفقة، مشروط بتخلي إيران عن التخصيب والأبحاث النووية تخلياً كاملاً، وليس هنالك أية بادرة تشير إلى أن أميركا يمكن أن تقبل بحل وسط حول هذا التخصيب وتلك الأبحاث حتى لو كان الموقع في روسيا لكن ضمن مشاركة إيرانية مباشرة فيه.
  • أما إيران فلقمتها وصلت إلى الفم في امتلاك قدرة التخصيب وتداعياته على نهضتها ومكانتها العالمية والإقليمية ويراد منها أن تعود إلى المربع الأول. وبديهي أن مثل هذا القرار صعب جدا جدا، والذين يظنون أن ما يعرض من صفقة مقابلة يمكن أن توازيه أو تعوضه يخطئون -موضوعيا- كما من وجهة نظر الإستراتيجية الإيرانية. فلا شيء يمكن أن يوصل إلى المساومة غير التهديد بالحرب وخوف إيران من هذه الحرب.

"
العالم الآن يتهيأ لما تعده الولايات المتحدة والدولة العبرية من عدوان عسكري على إيران، من أجل تجنبه ودرء مخاطره الشديدة على أكثر من صعيد ومنطقة ومجال
"
وهذا الشرط الأخير لا بوادر عليه حتى الآن لا من زاوية الخوف أو من زاوية المفاضلة بين المأخوذ والمعروض، فالمأخوذ يجب تسليمه كاملاً والمعروض على أقساط وبلا أية ضمانات حقيقية.

ولهذا يكون الملف النووي الإيراني قد ارتفع بالصراع مع الخطوة الأميركية الأخيرة إلى مستوى أعلى لأنها خطوة باتجاه العقوبات فالحرب، وليست مجرد تراجع باتجاه الإقرار ولو جزئيا بحق امتلاك إيران القدرة النووية ولو تحت أعلى درجات المراقبة والتحكم في عدم وصولها إلى قدرة نووية عسكرية (القنبلة)، فالتراجع هنا كان عن العناد السابق برفض التفاوض لكن ليس عن الموقف الأساسي.

إيران من جهتها ما زال قرارها الاستمساك بحقها وعدم الخوف من تهديدات "العصا"، وعدم الارتخاء أمام ما يسمى" الجزرة "، وما عدا ذلك فمن قبيل التخمينات والتوقعات وليس الاستناد إلى الوقائع والملموسات والممارسات، وإذا تغير الوضع فلكل حادث حديث.

وبكلمة، العالم الآن يتهيأ لما تعده الولايات المتحدة والدولة العبرية من عدوان عسكري على إيران، من أجل تجنبه ودرء مخاطره الشديدة على أكثر من صعيد ومنطقة ومجال، وهذا يفسر لجوء البعض إلى تغليب أمانيهم بوجود صفقة أو بنجاح ما يجري من محاولة إنجاز صفقة.

ومن هنا فإن احتمالات ما ستواجهه القضايا الملتهبة الأخرى في منطقتنا العربية لا سيما في العراق وفلسطين ولبنان، متوقفة على نتائج ما يجري من صراع حول الملف النووي الإيراني أنى كانت النتيجة أو النتائج.

وأخيراً إذا مال البعض أكثر إلى إيجاد حل ما لمشكلة البرنامج النووي باستبعاد العقوبات وما تحمله من تأزيم أو بتجنب الوصول إلى الحرب، فإن قضايا كثيرة ستبقى نقاط صراع حاد أميركي-إيراني، ابتداء من المشكلة مع النظام نفسه مرورا بالعراق ووصولا إلى سوريا ولبنان وفلسطين وما يسمى عملية التسوية ومشروع الشرق الأوسط الكبير مما يوجب إسقاط وهم الصفقة الشاملة قطعاً.
___________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة