ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

-الصورة وطبيعة الظهور
-لماذا في هذا التوقيت؟
-مضمون الرسالة الأساسي
-تسييس الخطاب والملفات الإشكالية
-تأثيرات الظهور على الموقف من المقاومة

حتى ظهوره المتلفز الذي تابعه الناس نهاية الشهر الماضي، كان كثيرون داخل العراق وخارجه يشككون في وجود شخص اسمه الزرقاوي، ولطالما ثارت أحاديث وتعليقات حول حقيقة الرجل ووجوده على قيد الحياة، حيث قيل إنه قتل في القصف الأميركي لشمال العراق، وإن البعثيين والصداميين يستخدمون اسمه ستارا لجرائمهم.

بل إن أسماء كبيرة في دوائر العرب السنة كانت تشكك في وجوده أيضا وتعتقد أن اسمه يتوزع على كثيرين يستخدمونه في هذا الاتجاه أو ذاك.

من الصعب القول إن الزرقاوي كان سعيدا بهذه المعادلة، فهو وإن بدا عازفا عن الظهور الإعلامي تبعا لطبيعته الشخصية كما يروي العارفون، فإن حضوره الصوتي كان متوفرا على الدوام عبر تسجيلات بثتها الفضائيات ومواقع الإنترنت، فضلا عن رسائل مكتوبة، ما يعني أن الرجل كان يسعى إلى الحضور المؤثر، لكن معادلة الصورة هي التي كانت محظورة.

والحال أن أمرا كهذا لم يكن هامشيا بحال، فمن الواضح أنه وفر للرجل قدرة على التخفي طوال هذه الفترة على الرغم من كثرة الجهات التي تلاحقه، وما بقاؤه حيا رغم كثرة الأنصار الذين فقدهم خلال السنوات الثلاث الماضية سوى تأكيد أن إجراءاته الأمنية كانت بالغة الدقة والتعقيد.

"
لا يعني ظهور الزرقاوي أن الرجل قد غدا برسم الوقوع بأيدي أعدائه حيا أو ميتا، لكن الموقف سيكون من دون شك أكثر تعقيدا خلال المرحلة المقبلة، بما يعني أن إجراءاته الأمنية ستغدو أكثر حذرا
"
من هنا يمكن القول إن هذا الظهور المتلفز للزرقاوي قد يعني الكثير من الناحية الأمنية، لاسيما إذا تذكرنا أن الأجهزة الأمنية العراقية وربما الأميركية كانت متشككة في وجوده، وكذلك العرب السنة، أما الآن، فإن فضولا كبيرا سيدفع نحو تقصي أخباره، وحين يحدث ذلك ستزداد احتمالات الكشف عن مكانه.

والخلاصة أن كلفة أمنية كبيرة ستترتب على هذا الخروج، وهو أمر لم يكن خافيا بحال عليه وعلى من يقفون معه وإلى جانبه.

لا يعني ذلك أن الرجل قد غدا برسم الوقوع بأيدي أعدائه حيا أو ميتا، لكن الموقف سيكون، من دون شك، أكثر تعقيدا خلال المرحلة المقبلة، بما يعني أن إجراءاته الأمنية ستغدو أكثر حذرا، فيما لن يكون مستحيلا عليه الابتعاد عن المواقع التي يشك في وجوده فيها، إلى جانب استخدام قدر أكبر من التخفي والتمويه.

الصورة وطبيعة الظهور
قبل ظهوره المتلفز لم يكن هناك الكثير من الصور المتداولة لأبو مصعب الزرقاوي، اللهم باستثناء لقطات غير واضحة تماما لعرس شقيقته في بيشاور، فضلا عن صور قديمة، وإذا تذكرنا الشائعات حول إصابته وبتر قدمه فإن الموقف كان غامضا إلى حد كبير، لكن ظهوره هذه المرة كان واضحا، وفي فيلم بلغت مدته 34 دقيقة وبمستوى عال من الدقة والكفاءة، الأمر الذي مكّن من عرضه على التلفزيون بكل بساطة، فضلا عن توفيره لمن شاء عبر الإنترنت.

جاء ظهور الزرقاوي في الشريط محسوبا بدقة، سواء من حيث مضمون الخطاب، أو من حيث الصورة وحركتها، فمن ناحية جرى تقمص طريقة أسامة بن لادن من حيث الشكل العام للحضور أثناء الحديث (الهدوء، الساعة في اليد اليمنى التي ترفع في سياق التحذير بين الحين والآخر، العين التي تخفض رموشها في سياق التواضع والوقار، البندقية التي تنتصب بجانبه).

لكن الحضور كان مختلفا إلى حد ما، فحضور بن لادن هو حضور الشيخ الموجه والقائد العام، فيما كان حضور الزرقاوي أقرب إلى حضور القائد الميداني الذي يشارك في المعركة ويتفقد الجنود، بل ويطلق الرصاص من رشاش يتطلب قدرا عاليا من القوة والصلابة الجسدية، مع أن هذا الشق الأخير لم يكن ضروريا بالطبع، وإن كان له تأثيره على المشاهد، والسبب هو أن الزرقاوي لم يعد مشاركا في الميدان، بقدر ما هو قائد عام لوجوده أثر كبير في الأتباع، لاسيما في معارك تنطوي على مخاطر كبيرة يمكن للمرء أن يذهب فيها ولا يعود.

إلى جانبه في مشاهد الفيلم حضر عدد كبير من المقاتلين، وهي إشارة عنوانها أن الرجل لا يعيش في جحر لا يراه أحد، بل هو موجود بين مريديه وأتباعه يحضهم على الفعل الميداني، والنتيجة أن حضوره سيبقى قائما بصرف النظر عن مصيره.

في الشريط أيضا حضور للتكنولوجيا، والحاسوب والصواريخ المطورة، فضلا عن حضور القدس في مسمى أحد الصاروخين المطورين، ما يعني أن الأمور جميعها تسير على ما يرام، وأن التنظيم لا يقاتل فقط، بل يصنع ويطور أيضا.

لماذا في هذا التوقيت؟

"
الوضع يستحق المغامرة بالخروج العلني للزرقاوي، إذ إن عموم الموقف يشير إلى احتمالات صعبة قادمة في الأفق، لن يوقفها غير استمرار العرب السنة في احتضان مسار المقاومة والإيمان بجدواه
"
لعل سؤال التوقيت هو الأكثر أهمية بكل المقاييس، فعندما نتذكر الكلفة الأمنية التي أشرنا إليها فيما يتعلق بظهوره المتلفز، لا بد أن يطرح السؤال التالي عن الأسباب التي دعته إلى ذلك، وهنا لا بد من مرور على الظروف التي يمر بها العراق هذه الأيام.

منذ أسابيع يبدو أن زلماي خليل زاده قد أخذ يسجل نجاحات كبيرة في العراق، وقد بدأت هذه النجاحات منذ اشتغاله على تحجيم الائتلاف الشيعي وإقناع القوى العربية السنية بالتحالف معه من أجل دمجهم في العملية السياسية على نحو أفضل مما كان في السابق.

هكذا تمكن زلماي زاده من فكفكة عرى الائتلاف الشيعي وإقناعه بإقصاء إبراهيم الجعفري عن رئاسة الوزراء، وصولاً إلى ترتيب المناصب العليا والتهيئة للحكومة الجديدة، وبالطبع ضمن سياق معروف عنوانه إبعاد بعض القوى الشيعية عن إيران، إلى جانب دمج العرب السنة في العملية السياسية وإقناعهم بالابتعاد عن المقاومة، بدعوى أن الخطر الأكبر الذي يتهددهم هو التغول الشيعي.

وفي هذا السياق يبدو أن حوارات ما قد تمت وتتم بين بعض قوى المقاومة وبين زلماي زاده أو ممثلين عنه، وقيل مع الطالباني، من أجل إقناعهم بالكف عن "العنف" والدخول في العملية السياسية، وربما الأجهزة العسكرية والأمنية أيضا، لأن الأميركان حريصون على عدم وضع البلد بيد إيران، فيما يبدو أن بعض المحاور الرسمية العربية تشجع هذا التوجه.

ما يجري إلى الآن يشير إلى أن زلماي زاده سيتحول عمليا إلى حاكم للعراق، وأقله "مندوب سام" يعمل حكما بين الطوائف، فيما يمكن للجيش الأميركي أن يرحل تاليا بعد استتباب الأمن إلى قواعد عسكرية يتحكم بالبلد من خلالها.

خلاصة ذلك أن مسار المقاومة سيغدو في مهب الريح وأن أفقا لإنجاح المشروع الأميركي قد يفتح بشكل من الأشكال، ذلك أن غياب الفضاء الشعبي العربي السني الحاضن للمقاومة سيجعل من قدرتها على الاستمرار أمرا مشكوكا فيه، فكيف إذا انخرطوا في الأجهزة الأمنية، وهو وضع لا بد أن يثير قلق الزرقاوي وجميع المؤمنين بخيار المقاومة كمسار وحيد لإخراج قوات الاحتلال وتحقيق السيادة والاستقلال.

هكذا يبدو الوضع أمام احتمال يستحق المغامرة بالخروج العلني، إذ إن عموم الموقف يشير إلى احتمالات صعبة قادمة في الأفق، لن يوقفها غير استمرار العرب السنة في احتضان مسار المقاومة والإيمان بجدواه، أما إذا وقع المحظور واقتنعوا بأن السياسة أفضل لهم، وهي بديل مقنع فإن الموقف سيغدو خطيرا بكل المقاييس.

مضمون الرسالة الأساسي

"
خروج الزرقاوي علنا هو بحد ذاته حرب إعلامية أوقع أثرا من الكلام، وبالطبع عبر التذكير بعبثية حرب الإدارة الأميركية على ما تسميه الإرهاب
"
يحيلنا ما ورد آنفا إلى المضمون الأساسي للرسالة، وهو في واقع الحال متعلق بالبعد الذي ذكرنا من حيث موقف العرب السنة من المقاومة ومن الانخراط في الأجهزة الأمنية، فقد توجه الزرقاوي بحديثه إلى العرب السنة مذكرا إياهم بموقفهم السابق من المقاومة وحمايتها لهم، ومصيرهم في حال تخليهم عنها، ليس في الآخرة فقط بل في الدنيا.

عبر تسخيف اللعبة السياسية والتشكيك بالمشاركين فيها يتوجه الزرقاوي بنداء عاطفي إلى العرب السنة، بل حتى إلى المحيط العربي والإسلامي مطالبا بالدعم لمسار المقاومة الوحيد القادر على تحقيق العزة للعرب السنة وللمسلمين جميعا.

لا حاجة لإيراد النصوص التي ذكرها الرجل، فهي واضحة في عكس تخوفه من المسار القادم، كما أنها واضحة في التحذير منه، مع العلم أننا إزاء مخاوف حقيقية وليست وهمية، وهي بالفعل لا تهدد العراق فحسب، بل تهدد الوضع العربي أيضا، ولا نبالغ إذا قلنا إنها تهدد الإيرانيين أيضا، بدليل أن المعركة مع إيران ومشروعها النووي لا تزال أساسية في السياق، لسبب بسيط هو أنها المعركة الأهم بالنسبة للدولة العبرية التي يتحرك المحافظون الجدد على إيقاع مصالحها وهواجسها.

من المؤكد أن وضع فلسطين بين ثنايا الخطاب كان ذكيا إلى حد كبير، من حيث الربط بين القضيتين، وهو ربط واقعي وحقيقي، ذلك أن نجاح المشروع الأميركي في العراق سيضرب القضية الفلسطينية، بعكس الفشل الذي سيترك آثارا سلبية على مستقبل الدولة العبرية.

هناك بالطبع المضمون الآخر المتعلق بالتوجه نحو بوش والأميركان، وهو مضمون ضروري، لكنه ليس أساسيا إلى حد كبير، إذ إن مجرد خروج الزرقاوي علنا هو بحد ذاته حرب إعلامية أوقع أثرا من الكلام، وبالطبع عبر التذكير بعبثية حرب الإدارة الأميركية على ما تسميه الإرهاب.

تسييس الخطاب والملفات الإشكالية
كان واضحا أن قدرا من التسييس قد توفر في الخطاب خلافا لما عرف عن الزرقاوي، وهو وضع بدا واضحا أيضا في خطابات أسامة بن لادن والظواهري الأخيرة، وإن لم يتم التخلي عن بعض الثوابت التقليدية في خطاب القاعدة، مثل الموقف من الديمقراطية، وفي حال الزرقاوي الموقف من الشيعة "الروافض" ومن المشاركين في العملية السياسية من العرب السنة "المرتدين"، أو "قادة الأكراد المتصهينين"، مع الحرص على تجنب الحديث في الشأن العربي أو التطرق إلى عمليات الأردن وسواها من القضايا الإشكالية.

كان بوسع الزرقاوي أن يتجاوز الحديث عن العملية السياسية بهذا المستوى من العداء ووضعها نقيضا للمقاومة، ذلك أن عودة العرب السنة عن هذه العملية ليس واردا بحال، وهم يعولون عليها من أجل تخفيف معاناتهم بصرف النظر عن صحة الموقف.

تأثيرات الظهور على الموقف من المقاومة

"
لظهور الزرقاوي المتلفز كلفته الأمنية، لكن الوجه الآخر للصورة هو المتمثل في عوائده من الناحية السياسية، ويبقى من الصعوبة بمكان الجزم بما إذا كان الظهور موفقا من ناحية الأرباح والخسائر النهائية أم غير ذلك
"
ليس من الصعب الجزم بمدى تأثير الشريط على الوضع الداخلي في العراق، لاسيما ما يتعلق بموقف العرب السنة من المقاومة خلال المرحلة المقبلة، ويبقى من المرجح أن يترك الخطاب العاطفي تأثيرا ما على استمرارهم في احتضان المقاومة، من دون أن يعني ذلك أنهم سيتخلون عن العملية السياسية، لكن الموقف سيكون مختلفا من حيث التعويل عليها أو اعتبارها نقيضا للمقاومة.

ونذكر هنا بأن المتحدث في الشريط ليس عراقيا وإنما عربي مسلم جاء إلى العراق لنصرة أهله بصرف النظر عن الموقف من بعض أعماله أو ما ينسب إليه هنا وهناك.

من زاوية أخرى، فإن ظهور الزرقاوي وخطابه سيترك تأثيرا على العديد من الشبان العرب والمسلمين، وكما للداعمين لهكذا مسارات جهادية، والنتيجة هي تعويض بعض الأضرار المترتبة على الحصار الذي يتعرض له القوم. كما يتوقع أن يكون له تأثيره أيضا على قوى المقاومة غير المنضوية تحت لواء مجلس شورى المجاهدين، وأقله على عناصرها الميدانية.

هكذا يكون لظهور الزرقاوي المتلفز كلفته الأمنية، لكن الوجه الآخر للصورة هو المتمثل في عوائده من الناحية السياسية في هذه المرحلة البالغة الحساسية من مراحل المعركة الأميركية في العراق، ويبقى من الصعوبة بمكان الجزم بما إذا كان الظهور موفقا من ناحية الأرباح والخسائر النهائية أم غير ذلك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك