فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت


العنصر الأهم في أي حرب عنيفة وطويلة يمكن أن تنشب بين بلدين جارين، وعلى وجه أخص حرب قاسية من عيار الحرب العراقية-الإيرانية، هو التدخل المكشوف والمفضوح من جانب طرف في شؤون طرف آخر. فماذا يلزم لإشعال فتيل حرب عراقية-إيرانية جديدة؟

كل عناصر هذه الحرب في الواقع غدت جاهزة تقريبا اليوم، فالتدخل الإيراني في العراق عسكريا وسياسيا بات أمرا مفروغا منه، وإلى الدرجة التي لم يعد بوسع أحد أن يجادل فيها (كما كان الحال على الأقل قبل دعوة زعيم الائتلاف الشيعي عبد العزيز الحكيم حكومة الولايات المتحدة الأميركية لحوار مع إيران حول العراق).

"
الحوار حول مستقبل العراق في العراق نفسه ومن دون أن يكون مدعوا إلى حفل الافتتاح أو المشاركة في المناقشات يمثل في أنظار العراقيين وفي أنظار جيرانهم الخائفين أو المصدومين ذروة الوقاحة والاستهتار والعبث بمستقبله
"
صار الأمر أوضح خصوصا بعد تجاوب واشنطن وطهران مع هذه الدعوة، ومسارعة الطرفين إلى الحديث عن مكان وزمان المحادثات، وبهذا المعنى فقط يجب النظر إلى مغزى وأهداف الحوار المقترح حول العراق.

قد تكون إيران سعيدة غاية السعادة بسياستها البراغماتية التي انتهجتها طوال سنوات وسنوات، إذ إن الشيطان الأكبر بعد طول تمنع وجفاء وقع أخيرا في غرامها.

ولكن، لئن كانت إيران في نظر هذا الشيطان وطوال سنوات هي محور الشر، فليس ثمة بكل تأكيد، من هو أسعد حالا من الشيطان حين يقترب بنفسه وفي نهاية المطاف من المحور الذي طالما تردد عند أعتابه.

ومع ذلك ثمة عنصر غريب ومثير آخر في العلاقة الجديدة بين الشيطان ومحوره، قد يجعل من الحوار المقترح ذروة في الغرابة واللامعقول، نعني اختيار العاشقين الجديدين للعراق مكانا مثاليا لخلوة قد تعيد وصل ما انقطع.

الحوار حول مستقبل العراق في العراق نفسه ومن دون أن يكون مدعوا إلى حفل الافتتاح أو المشاركة في المناقشات، يمثل في أنظار العراقيين وفي أنظار جيرانهم الخائفين أو المصدومين من الحقيقة ذروة الوقاحة والاستهتار والعبث بمستقبله.

بهذا المعنى أصبح عنصر التدخل المكشوف حاضرا بقوة كمصدر من مصادر الحرب بين البلدين.

بالنسبة للعراقيين التعساء الذين يسمعون من غير أن يصدقوا أن من سيناقش مستقبل بلادهم، وعلى أرضهم، غرباء من كل لون وجنس، فإن السخرية سوف تبلغ ذروتها حين يقود المحادثات الأميركية-الإيرانية، كما اقترح البيت الأبيض بلسان سكوت مكليلان، سفير الولايات المتحدة في بغداد زلماي خليل زاده الأميركي من أصل أفغاني، فماذا يلزم لإشعال حرب عراقية-إيرانية جديدة؟

خارج الصورة الزاهية لخصمين وجدا نفسيهما أخيرا وقد توصلا إلى تفاهم من نوعٍ ما؛ يبدو أن على الإيرانيين أن يتحلوا بقدر أكبر من الفطنة التي تميز تاجر البازار؛ فالبضاعة المعروضة عليهم أو التي وافقوا على شرائها، قد تكون مسمومة وقاتلة.

مشكلة الإيرانيين القديمة والأزلية في العراق، أنهم غالبا ما يقعون ضحية أوهامهم عن هذا البلد.

في منتصف القرن الخامس عشر قاد الشاه عباس بنفسه وباسم الصفويين أول محادثات مع الصدر الأعظم التركي في جامع أبي حنيفة النعمان ببغداد، ومن دون أن يكون هناك أي ضيف عراقي.

المساومات الخسيسة بين الدولتين المحتلتين تركيا وإيران، تركزت كما كان متوقعا حول مراكز النفوذ والحصص، لكنها انتهت بتورط إيراني طويل في المستنقع العراقي استمر أكثر من ثلاثة قرون تالية، لم يحصد الإيرانيون خلالها أي شيء سوى الفشل.

بل إن دولة الصفويين نفسها تفسخت وتعفنت على أرض العراق وبسبب التدخل في شؤونه.

الولايات المتحدة ليست تركيا العثمانية، هذا صحيح، لكن الإيرانيين هم الإيرانيون، وبدلا من مساومة الأتراك المحتلين بالأمس، يمكن مساومة الأميركيين المحتلين اليوم. هذا هو الخطأ الفاضح في إدراك معنى الزمن ومعنى علاقات القوة.

ما يريده الأميركيون ليس تماما هو نفسه ما أراده الأتراك في الماضي من الإيرانيين، فالأميركيون اليوم لا يريدون التفاهم حول مراكز النفوذ أو الحصص في عراق محتل، ولا تقاسم الاحتلال مع الإيرانيين، إنهم على وجه الدقة يريدون قوة إقليمية تشتري منهم احتلال العراق، دفعة واحدة ومن دون أن تدفع مليما واحدا.

"هو ذا العراق الذي طالما حلمتم به خذوه، إنه لكم"، ها هنا البضاعة المسمومة التي قد يخدع منظرها تاجر البازار، فماذا يلزم لإشعال حرب عراقية-إيرانية جديدة وطويلة ودامية؟

كل ما يلزم هو ببساطة حضور إيراني عسكري يحل تدريجا محل الأميركيين المنسحبين.

الأميركيون سوف يتبعون التكتيك الفرنسي القديم الذي ورطهم في فيتنام عام 1954 حين أصبح الفرنسيون في وضع صعب، وحين حدثت هزيمة ديان بيان فو المريعة والمخزية، فقرروا الاستعانة بالأميركيين.

كانوا يبحثون أيضا عن قوة عظمى تشتري منهم احتلالهم: "ألا تريدون فيتنام؟ خذوها إنها لكم".

الأميركيون المتغطرسون حثوا الخطى بسرعة وطيش نحو فيتنام ولم يخرجوا منها إلا محطمين.

الآن يسترد الأميركيون الخديعة الفرنسية ويعرضون البضاعة المسمومة نفسها على الإيرانيين.

التدخل الإيراني في العراق إذا ما اتسعت رقعته فسيكون كافيا بحد ذاته لإشعال حرب عراقية-إيرانية، وسيكون هناك مدخل جديد أكثر تعقيدا لتفجير نزاع عربي-فارسي واسع النطاق، يتطاحن فيه العرب مع جيرانهم الإيرانيين على أرض العراق، ويكون بديلا للنزاع العربي–الإسرائيلي الذي يمكن، أو يجب أن يوضع منذ الآن ونهائيا، داخل البراد لمدة قرن كامل.

ثمة سيناريو يشير إلى هذا الاحتمال، فقد تنبأ محمد حسنين هيكل –ذات يوم- وفي أعقاب اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية في خريف 1980، أن الحرب ستكون طويلة وقاسية وأنها قد تستمر حتى قرن كامل.

النبوءة بدت آنذاك غريبة وغير قابلة للتصديق، ولذا حظيت بقليل من الاهتمام من جانب القادة، كما نسيها العسكريون المتحاربون في الجبهات المشتعلة، تماما مثلما نسيها المحللون السياسيون في المكاتب الوثيرة.

الحرب العراقية-الإيرانية القديمة لم تضع أوزارها حتى اللحظة، على الرغم من مرور ثماني سنوات دامية وثماني سنوات من السلام البارد.

"
الأميركيون اليوم لا يريدون التفاهم حول مراكز النفوذ أو الحصص في عراق محتل ولا تقاسم الاحتلال مع الإيرانيين، إنهم على وجه الدقة يريدون قوة إقليمية تشتري منهم احتلال العراق دفعة واحدة ومن دون أن تدفع مليما واحدا
"
عمليا، وعلى الرغم من صمت المدافع على الجبهة في صيف 1988 لا تزال الحرب مستمرة بين البلدين بأشكال وصور مختلفة، وهي ربما تكون بلغت ذروتها اليوم مع الاحتلال الأميركي للعراق، حيث تعاظم النفوذ العسكري والسياسي والمذهبي لإيران قوية وشبه نووية في عراق محطم وممزق.

السيناريو التالي من بين سيناريوهات عدة يمكن أن تكون قد وضعت بالفعل على طاولة الرئيس بوش، فهو لا يبدو خياليا تماما وإن كان يرسم إطارا عاما لهذا التطور المخيف.

هاكم السيناريو المتخيل لحرب هي في النهاية نتاج تفاهمات جديدة إيرانية-أميركية على أرض العراق.

في 16 مارس/آذار 2006، وبعد ثماني سنوات من صمت المدافع في حرب استمرت ثماني سنوات بين البلدين، يهمس الإيرانيون في أذن رجلهم هناك عبد العزيز الحكيم، فينطق هذا أخيرا، وأمام وسائل الإعلام: "مطلوب اليوم وبإلحاح حوار أميركي-إيراني حول العراق".

مساء السابع عشر من الشهر نفسه يرد البيت الأبيض: "الولايات المتحدة ليست في وارد التفكير في مفاوضات مع إيران، ولكن السفير زلماي خليل زاده مكلف بالفعل بالاتصال أو الحوار مع الإيرانيين".

في أعقاب هذا التصريح يقوم زلماي بإجراء أول اتصال علني مع زعيم الائتلاف الشيعي: "إذا كان أصدقاؤكم في طهران جاهزين فسأكون هناك في الحال. ولكنني أقترح بغداد. إنها مكان مثالي للحوار".

في طهران يشكل المرشد الأعلى للجمهورية بنفسه فريق الحوار مع الأميركيين، بينما يستعد زلماي خليل زاده لتسمية فريقه المفاوض.

في بغداد يستمع زلماي إلى الاقتراح الإيراني من الفم الحقيقي الذي نطق به، أي من رئيس فريق المفاوضين الإيرانيين وليس من الحكيم: "لن نتفاوض على الملف النووي. جئنا للاستماع إلى مقترحاتكم بشأن مساهمة إيران في حل الأزمة في العراق".

على امتداد بضعة أيام ينجح الأميركيون والإيرانيون في وضع لمسات جديدة على تفاهمات جنيف السابقة في فبراير/شباط 2003 التي سمحت لهم بالتدخل الراهن.

"إن تفاهما حقيقيا أمكن التوصل إليه مع الإيرانيين"، سيقول زلماي زاده في تصريحات علنية لاحقة، فيرد الإيرانيون: "لمسنا توجهات أميركية جديدة وإيجابية"، بينما يغرق العالم كله في الحيرة.

على ماذا بالضبط تفاهم زلماي مع الإيرانيين، ستظهر في بغداد أولى العلامات الدالة على مغزى التفاهم وحدوده: مرونة غير مسبوقة من الائتلاف الشيعي تمهد لتسوية مشكلة الجعفري.

في الأشهر التالية يمكن للمراقب أن يرصد تدفقا عسكريا إيرانيا غير مسبوق وسرا إلى المناطق الغربية من العراق بحجة مكافحة الإرهاب، كما يمكن رصد أعداد هائلة من رجال الاستخبارات والقناصة الإيرانيين، وبعد ذلك تبدأ أكبر عملية حربية إيرانية بطريقة غير معلنة لضرب المقاومة العراقية.

في هذا الوقت يتذكر العراقيون تصريحات جلال الطالباني في صيف 2005، عن مساعدة إيرانية في مكافحة الإرهاب في العراق وسيقولون: آه. لقد كانت تصريحات الطالباني مجرد تمهيد لتصريح الحكيم.

في هذه الأثناء تتشكل الحكومة العراقية بتقليص شكلي لنفوذ الائتلاف الشيعي، في حين تتفاقم مشكلة القتل الطائفي، وتتسع عمليات تهجير أهل السنة من المناطق الشيعية في بغداد وبعض المدن الأخرى.

الأميركيون يعبرون علنا عن استيائهم ويتصلون سرا ببلدان عربية وإسلامية لحثها على مواجهة الأخطار التي تهدد أهل السنة في العراق.

مع تزايد النفوذ الإيراني العسكري تختمر في الكواليس فكرة إرسال قوات عربية وتتصاعد الصيحات من هنا وهناك بضرورة التدخل العربي لوقف نزيف القتل الطائفي.

في نهاية عام 2006 سوف تختمر أكثر فأكثر ونهائيا فكرة الخروج التكتيكي من العراق، ويستعد الجنرال أبي زيد لإعلان خروج الولايات المتحدة الكامل، بينما يصبح انزلاق الإيرانيين في المستنقع العراقي وشيكا.

في هذا المقطع من السيناريو سوف تصبح الحرب العراقية-الإيرانية مسألة وقت، بينما تصبح إمكانية انزلاق العالم العربي في هذه الحرب إمكانية حقيقية.

في هذه الأثناء تظهر جماعات عراقية غاضبة من النفوذ الإيراني قد تكون من بينها جماعات شيعية تولد من رحم انشقاق عنيف داخل تيار الصدر.

يطير زلماي زاده إلى واشنطن منتشيا: "الإيرانيون ينزلقون هناك فلنغتنم الفرصة ونرحل".

مع وصول قوات عربية إسلامية إلى العراق في مهمة سلام وردع، يستعد الأميركيون للفرار من المستنقع العراقي، بينما يصبح الإيرانيون في وضعية الاستعداد للانغماس أكثر في وحل معارك كبرى ودامية غرب العراق.

سيبادرون إلى فتح الحدود مع العراق المسيطر عليها أصلا من جانبهم لتسهيل عمليات تدفق عسكري شبه نظامي، وسيتولى الحرس الثوري الإيراني مع مائة ألف انتحاري على الأقل مهمة تنسيق الجهود الإيرانية كليا.

في هذه الأثناء تسمع في الأرجاء صيحات واعروبتاه، واعراقاه.

في الخليج يدب الذعر وتتفجر مشاعر الغضب في أوساط الشباب الذين سوف يسمح لهم سرا وعلنا بالتدفق إلى العراق لمواجهة الإيرانيين.

"
على الذين يحاورون الشيطان أن يتذكروا جيدا أنهم لا يستطيعون إغواء الشيطان مهما فعلوا أو تصوروا أنهم يتصرفون بذكاء، لأن البشر في النهاية هم ضحية إغواء الشيطان لا العكس
"
في المغرب العربي، كما في بلدان الجوار المشرقي تندلع تظاهرات غاضبة تنادي بالتصدي للغزو الإيراني، وفي القاهرة يستدعي الأمين العام للجامعة العربية السفير الإيراني ليبلغه غضب واستياء الجامعة، بينما يكتب الرئيس مبارك إلى الرئيس بوش مطالبا بتدخل أميركي لوقف الاجتياح الإيراني.

وسط هذه الصيحات ستندلع مواجهات دامية في الشوارع بين الإيرانيين وقوات حفظ السلام العربية من جهة، وضد ما يزعم أنها جماعات إرهابية من جهة أخرى، ويصبح غرب العراق على امتداد الأيام والأسابيع التالية مسرحا حقيقيا لحرب عربية-فارسية.

بعد ثماني سنوات من اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية الثانية، سيتحول العالم العربي إلى طرف مشارك وداعم، ويجري رسميا وضع الصراع العربي-الإسرائيلي في البراد، ويستعد العالم للتسليم بالحقيقة المروعة التالية أن الحرب التي اندلعت ذات يوم على ضفاف الخليج هي حرب المائة عام بالفعل.

ستجد إيران نفسها بعد حرب طويلة ودامية على أرض العراق وقد تعفنت من الداخل بالفعل، لقد أنهكت الحرب قواها وتعطل برنامجها النووي وتحطم اقتصادها كليا، وأضحت هي نفسها جاهزة للتقسيم.

ثورة في الأحواز وأخرى يديرها البلوش، بينما الأكراد وأهل السنة ينخرطون في الصراع بدعم من الشاه الصغير في المنفى.

اليوم يردد المسؤولون الإيرانيون من دون تبصر الفكرة الخرقاء القائلة بأنهم وفي سبيل المحافظة على مصالحهم، على استعداد للحوار حتى مع الشيطان.

ما ينقص هذه الفكرة لكي تبدو صحيحة هو التالي: على الذين يحاورون الشيطان أن يتذكروا جيدا أنهم لا يستطيعون إغواء الشيطان، مهما فعلوا أو تصوروا أنهم يتصرفون بذكاء، لأن البشر في النهاية هم ضحية إغواء الشيطان لا العكس.

المصدر : الجزيرة

التعليقات