تركي علي الربيعو

في مواجهة مكر الخطاب السياسي العربي السائد، تنامت الحاجة في الثلث الأخير من القرن المنصرم إلى بيان من أجل الديمقراطية التي استبعدت مع الليبرالية بحجة أنهما قيم برجوازية، وأنهما تتعارضان مع الديمقراطية الاجتماعية التي تمجد دكتاتورية البروليتاريا.

وفي هذا السياق كتب برهان غليون بيانه الشهير من أجل الديمقراطية الذي صدر مع نهاية عقد السبعينيات من القرن المنصرم، في كتيب صغير يحمل نفس العنوان، ومع مطلع الثمانينيات بين محمد عابد الجابري في تحليله لمكر الخطاب السياسي العربي الذي يمجد الديمقراطية ولكنه يسكت عن مشكلة السلطة، أن عائقين بنيويين يمنعان الخطاب النهضوي العربي والخطاب السياسي العربي عموماً من طرح مشكلة السلطة.

العائق الأول ويتمثل في فكرة "المستبد العادل" الثاوية وراء الخطاب السياسي العربي والتي تمنع هذا الخطاب من الكلام في الديمقراطية بوصفها نظاماً للحكم، أما العائق الثاني فهو ما يمنع نفس الخطاب من الكلام في الديمقراطية بوصفها نظاماً للمجتمع، فالديمقراطية في مجتمع متعدد الأقليات كالمجتمع العربي تقتضي، ولا بد ، نظام اللامركزية، والخطاب السياسي العربي لا يقبل شعار "اللامركزية" لأنه محكوم بإشكالية الخطاب القومي، إشكالية الوحدة والاشتراكية؟

"
كان زخماً خطابياً ديمقراطياً قد وجد طريقه إلى المكتبة العربية في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي, لكن سرعان ما تبين أن هذا الزخم يخفي بدوره مكراً سياسياً يخون الديمقراطية في المضمون ويحتفظ بها على مستوى الشعار
"
كان زخماً خطابياً ديمقراطياً، قد وجد طريقه إلى المكتبة العربية في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، زخماً جعل من الديمقراطية شعاراً يبز ما عداه من الشعارات، شعاراً يجعل منها الحل والعلاج، المفتاح والباب الذي سنلج منه إلى تخوم الحداثة السياسية المطلوبة، وسرعان ما تبين أن هذا الزخم يخفي بدوره مكراً سياسياً يخون الديمقراطية في المضمون ويحتفظ بها على مستوى الشعار، وهذا ما بينته الندوات المتلاحقة التي عالجت مشكلة الديمقراطية في الوطن العربي.

ففي ندوة "الديمقراطية والأحزاب في البلدان العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، 1999" كتب وليد خدوري في ورقته التي هي محور النقاش يقول "تعيش الساحة العربية، من مؤسسات وأفراد، حالة نفسية عربية يصعب فهمها بسهولة.

فهناك خطاب سياسي ممتد على صعيد معظم الدول القائمة والحركات السياسية فحواه تغييب الديمقراطية, وتتنوع الأعذار والحجج لهذه الظاهرة. فهناك من يعود إلى التراث, وهناك من يعود يتحجج بالأوضاع الاستثنائية للأمة والتي لا يبدو أن هناك أية نهاية لها.

وهناك من يتعلل بالتكوين الاجتماعي للبلد المعين, كما أن هناك فئة من المسؤولين والحزبيين الذين يحملون قناعات عميقة ومتجذرة ضد الممارسات الديمقراطية ويعتبرونها نوعا من الضعف والعقم، وأن لا شيء غير السيف يستطيع حل مشاكل البلد. ومؤخراً، أصبح الكلام عن الديمقراطية وكأنه نوع من الترف الفكري".

ويضيف خدوري "مع الأسف الشديد، انحرفت الحركة القومية العربية بمختلف فئاتها وأنواعها في هذه المسلسلات من الأعذار، وذلك لكي تستطيع الفئات الحاكمة البقاء والاستمرار في الحكم وحدها دون غيرها، لا بل إن بعض المشاركين في الندوة -برهان غليون ومصطفى الحسيني- ذهبا إلى القول إنه لم يكن هناك حركة قومية عربية تفكر فعلاً في الديمقراطية أو في غير الديمقراطية، وإنما كان هناك صعود لطبقات تستخدم القومية العربية لتخدم مصالحها الخاصة. وهذا الصعود يحتاج إلى دكتاتورية ولا يحتاج إلى ديمقراطية".

"
المجموعات التضامنية الجديدة التي تحكم الشرق الأوسط لا تفكر في الديمقراطية ولا تراها خيارا وذلك انطلاقاً من نظرتها للوطن باعتباره غنيمة حرب، خاصة وأن منطق الغنيمة يقع في المتن من العقل السياسي العربي
"
مع توالي الندوات والأبحاث التي تجعل من الديمقراطية موضوعاً لها، سرعان ما تبين أن ثمة "ديمقراطية بدون ديمقراطيين" كما يشهد على ذلك عنوان الكتاب الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، 1995، وأن الزبائنية الجديدة في الشرق الأوسط على حد تعبير الباحث الفرنسي أوليفيه روا صاحب كتاب "فشل الإسلام السياسي" أو ما تسمى بالمجموعات التضامنية الجديدة التي تحكم الشرق الأوسط، لا تفكر في الديمقراطية ولا تراها خيارا وذلك انطلاقاً من نظرتها للوطن باعتباره غنيمة حرب؟ خاصة وأن منطق الغنيمة يقع في المتن من العقل السياسي العربي.

كان الأمر يحتاج إلى هدنة، بين المثقفين العرب وشعاراتهم الديمقراطية، بين الأحزاب العربية وفي مقدمتها الأحزاب اليسارية التي لديها مشكلة مع الديمقراطية، بمعنى أنها على مسار عقود ظلت تنادي بدكتاتورية البروليتاريا أو المستبد العادل الجديد.

هدنة يمكن من خلالها مراجعة الخطاب الديمقراطي والتجربة الديمقراطية في سلوك المثقفين وفي سلوك الأحزاب السياسية، وهذا ما دعا إليه جورج طرابيشي في كتابه "في ثقافة الديمقراطية، دار الطليعة، 1998" وذلك في إطار مخاوفه من أن الديمقراطية باتت مهددة بالتحول إلى مجرد شعار، لدى شريحة بديلة عن الأيديولوجيا الثورية أو القومية الآفلة شمسها؟

فالمطلوب من الهدنة أن تضع مسافة، بين إرادة معرفة حقيقية بالديمقراطية، وبين الهيصة الديمقراطية على حد تعبير الفرنسي آلان منك في كتابه عن "الهيصة الديمقراطية، 1994" التي تجعل من الديمقراطية أسطورة خلاصية على حد تعبير جورج طرابيشي ومفتاحا سحريا عجائبيا يضمن النقلة الفجائية من واقع التأخر إلى مثال التقدم بدون جهد ولا كلفة؟

مع تنامي الهيصة الديمقراطية التي جعلت من الديمقراطية أيديولوجيا الانتلجنسيا العربية وواحدة من أوهامها، انحسرت معظم الخطابات التي تسعى إلى إحداث مراجعة جذرية لمفهوم الديمقراطية وهذا ما يأسف له إدوارد سعيد, فمن وجهة نظره أن إحدى الإخفاقات الكبيرة للمثقفين العرب في الوقت الحاضر، أنهم قبلوا من دون نقاش أو تمحيص دقيق تعابير مثل العلمانية والديمقراطية، كما لو أن كل شخص يعرف ما تعنيه هذه الكلمات.

"
من أوهام بعض المثقفين العرب اللاتفكير في مشروطية الديمقراطية, مما أوقعهم في فخ الديمقراطية الأميركية التي باتت وصفة جاهزة لمرض عربي لا علاج له إلا باستيرادها على أجنحة القاذفات العملاقة، وتصديق كل أوهام بيريز وباول ورايس وعجمي ومكية
"
وفي رأيي أن واحدة من أهم أوهام النخبة هو هذا اللاتفكير في مشروطية الديمقراطية والذي يستبطن كما يرى طرابيشي ضرباً من الممارسة لاقتصاد سحري عن الديمقراطية، وهذا ما دفعهم إلى الوقوع لاحقاً في فخ الديمقراطية الأميركية التي باتت وصفة جاهزة لمرض عربي لا علاج له إلا باستيرادها على أجنحة القاذفات العملاقة، وتصديق كل أوهام شمعون بيريز وكولن باول وكوندوليزا رايس وفؤاد عجمي وكنعان مكية عن شرق أوسط جديد وديمقراطية يشكل العراق منارته الأولى كما يشهد على ذلك مقال فؤاد عجمي المنشور في الدورية الأميركية فورين أفيرز تحت عنوان "العراق ومستقبل العرب" والذي يبني فيه آمالاً على صياغة ديمقراطية أميركية لمستقبل العرب.

وهذه هي إحدى أوهام المثقفين العرب ممن وقعوا في فخ الديمقراطية الأميركية والذي دفعهم إلى تبرير الحرب والاحتلال بحجة الديمقراطية، الفخ الذي يعيدنا كما يرى إيمانويل تود في كتابه الجديد عن "ما بعد الإمبراطورية، 2003" إلى قناعة توكفيل الذي كان يرى بصورة حماسية تتجاوز فوكوياما، من أن مسيرة الديمقراطية إلهية، وتكاد تكون ثمرة لإرادة إلهية وجدت تعبيرها في أميركا التي يظن قادتها الإمبراطوريين أن أميركا موكولة برسالة إلهية لإشاعة الديمقراطية في العالم.

ثمة من يرى، أن الإمبراطورية الأميركية التي ترمي إلى السيطرة على العالم وإخضاعه، لا يمكن لها أن تتعايش مع النموذج الديمقراطي الذي ابتدعته أو التي تدعي تعميمه, وهذا ما يفسر خيانتها لهذا النموذج باستمرار وتلاعبها به، وهذا هو مكمن خوف الكثير من المفكرين العالميين الذين باتوا يكثرون من الحديث عن انحطاط الإمبراطورية الأميركية ونموذجها عن سقف التاريخ الذي ما يزال يغري الكثير من المثقفين العرب الذين وقعوا في فخ الديمقراطية الأميركية وشراكها العديدة وظلوا أسرى الخطاب الأميركي وقوله السحري في الديمقراطية.
ــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة