عاطف عبد الحميد

- شكرا للطاغوت والشيطان
- ماذا يملك العرب؟
-ماذا تبقى لدول الخليج؟

ماذا فعلت دول الخليج بعد إعلان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد انضمام بلاده للدول النووية؟ الإجابة لم يقدمها السياسيون، بل تولى الصحفيون المهمة.

بعض كتاب الصحف الخليجية قارن أحمدي نجاد ببطل رواية فارسية شعبية يقوم فيها البطل المراهق بإزعاج رجال الحي حين "يهوشهم" كل يوم بسكين كبيرة، غير أنه يعود في كل مرة تحت تهديد علية القوم (الأميركان في هذه الحالة) بتقديم الاعتذار، مقسما ألا يعود إلى فعلته ثانية.

وفي مقالات حماسية أخرى استنهض كتاب مرموقون الخليج الساكن عله ينهض، بينما انتظر فريق ثالث من الكتاب قنبلتين نوويتين سعودية ومصرية.

يعتني المقال الحالي بقضيتين مترابطتين، الأولى تقارن القدرات النووية العربية بنظيرتها الإيرانية، والثانية تراجع الخيارات المتبقية أمام دول الخليج العربية لمواجهة السلاح النووي الإيراني.

"
الخطورة في البرنامج النووي الإيراني أنه لم ينتقل بعد بأمان من مرحلة الأبحاث والتدريب إلى مرحلة ناضجة ومستقرة بسبب ملاحقته دوليا ومحاولاته المستمرة التملص من التلصص عليه، لكنه أشبه بقاطرة تحركت ويصعب كثيرا تخيل إيقافها
"
شكرا للطاغوت والشيطان
اثنان يُلعنان في إيران كل يوم رغم ما لهما من فضل في إرساء البرنامج النووي، وهما الشاه محمد رضا بهلوي والولايات المتحدة الأميركية.

كان الشاه -المسمى اليوم طاغوتا- يرى أن برميل النفط "أشرف من أن يحرق لإنتاج الكهرباء" ومن ثم سعى إلى توفير ثروته النفطية للتصدير بهدف بناء دولة عصرية.

أما الولايات المتحدة فقد رعت في الستينيات الطموح النووي الإيراني، وسكتت عن الشراكة الإيرانية الألمانية لإقامة البنية الأساسية للمفاعلات النووية.

وفي نفس العام الذي كانت مصر وسوريا والأردن تتلقى صدمة عسكرية أمام إسرائيل بسبب هزيمة 5 يونيو/حزيران 1967، أسس الشاه مركز الأبحاث الذرية في طهران بمفاعل نووي طاقته 5 ميغاوات لأغراض البحث العلمي كنواة لإقامة مفاعلات تنتج 20 ألف ميغاوات.

لم تفقد إيران مع الثورة الإسلامية عام 1979 ستة مليارات دولار كانت دفعتها لشركة سيمنس الألمانية بسبب الحظر الأميركي فحسب، بل وباءت محاولتها بالفشل في اللجوء إلى شركات أرجنتينية وألمانية وإسبانية لتطوير مفاعل بوشهر خلال عقد الثمانينيات الذي شهد سحق النيران العراقية للبنية النووية الوليدة.

أنقذت روسيا والصين البرنامج النووي الإيراني بدءا من عام 1990. وفي الوقت الذي قدمت فيه روسيا التقنيات الخاصة بالمفاعلات، قدمت الصين عام 1991 إلى طهران نحو 1800 غرام من أنواع مختلفة من اليورانيوم المستخدم في التخصيب.

وجاءت المعاهدة الروسية الإيرانية عام 1995 لتضع كلمة نهائية في التزام روسيا بإكمال مفاعل بوشهر بطاقة إنتاجية مقدارها ألف ميغاوات، على أن تزيد إلى ستة آلاف ميغاوات عند اكتمال المشروع العام 2020 (ما زلنا بعيدين عن رقم 23 ألف ميغاوات الذي تستهلكه إيران من الطاقة سنويا).

ظل البرنامج النووي الإيراني تحت المراقبة العادية حتى منتصف عام 2002 حين كشفت جماعة معارضة إيرانية في باريس عن وجود أجهزة تخصيب يورانيوم لا تعرفها وكالة الطاقة الذرية في كل من ناتانز وآراك.

ودخلت الأزمة منعطفها الأصعب بعد التأكد من اكتشاف إيران لخامات يورانيوم في مناجم محلية في مقاطعة يزد، ومنذ ذلك التاريخ ارتفع الملف الإيراني إلى أعلى درجاته سخونة.

أدت تلك السخونة إلى مبالغات في تصور البرنامج النووي الإيراني، وقد صار على بعد خطوة من إنتاج القنابل النووية.

ففي الوقت الذي تحتاج فيه إيران على الأقل إلى ثلاثة آلاف وحدة طرد مركزي، لتبدأ برنامجها العسكري الفعلي لا نجد لديها اليوم سوى 164 وحدة.

كما أن ما أعلنه الرئيس الإيراني من تخصيبب يورانيوم بنسبة 3.5% (التخصيب في حالة السلاح النووي يتراوح بين 20 و90%) كان بوسع إيران الشاه أن تفعله، والأمر في تقدير بعض المراقبين لم يكن أكثر من قنبلة إعلامية لا قنبلة نووية.

وما أظهره أحمدي نجاد –في رأي عدد من المحللين الغربيين والإسرائيليين- ليس إلا حيلة بدائية لتفادي الضغوط الدولية.

الخطورة في البرنامج النووي الإيراني أنه لم ينتقل بعد بأمان من مرحلة الأبحاث والتدريب إلى مرحلة ناضجة ومستقرة بسبب ملاحقته دوليا ومحاولاته المستمرة التملص من التلصص عليه، لكنه أشبه بقاطرة تحركت ويصعب كثيرا تخيل إيقافها.

وإذا استعرنا التقييم الإسرائيلي الذي طرحته صحيفة هآرتس عن مثابرة إيران على برنامجها النووي "فإن هناك فرقا كبيرا بين أن تملك برنامجا نوويا ستقاتل للحفاظ عليه وألا تملك برنامجا على الإطلاق".

"
لا ينطلق حرمان العرب من التقنية النووية من مبررات الخوف على إسرائيل فحسب، ولا من مخاطر تقديم التقنية النووية لحكومات متسلطة تتنازعها جماعات المعارضة الإسلامية، بل السبب في حقيقته هو عدم وجود إرادة لا بل عدم وجود نية لإقامة هذا المشروع
"

ماذا يملك العرب؟
في فبراير/شباط 2005 قدم 15 عضوا في الكونغرس الأميركي خطابا إلى وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بهدف التحقق من تقارير تفيد استعادة البرنامج النووي المصري لنشاطه، وبداية البرنامجين السوري والسعودي أبحاثهما النووية بتقنيات قدمها العالم الباكستاني عبد القدير خان.

البرنامج المصري أثار الانتباه، بعد قيام وكالة الطاقة الذرية مطلع 2005 بالتفتيش على المفاعلات النووية التي يعود تاريخ إنشائها إلى مطلع ستينيات القرن الماضي.

وعلى الرغم من تداول وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية عام 2005 لوجود "مؤشرات" على طموحات نووية مصرية، فإن شيئا جديا لم يثبت بشأن العمل في هذا البرنامج الذي اعترفت أوساط علمية مصرية عديدة بأنه قد وضع في "البراد" منذ أمد طويل.

كل ما تملكه مصر مفاعل سوفياتي بطاقة 2 ميغاوات ومفاعل أرجنتيني بطاقة 22 ميغاوات، أما المفاعل الكبير الذي جاهدت مصر لإقامته في منطقة الضبعة غربي الإسكندرية قبل 15 سنة فقد وئد قبل أن يتم أيامه الأولى بسبب الضغوط الدولية والإسرائيلية.

وبالنسبة لسوريا فليست هناك تواريخ دقيقة لبدء الطموح السوري تجاه السلاح النووي، وكل ما تملكه دمشق هو مفاعل للأبحاث النووية بطاقة مقدارها 30 ميغاوات ويخضع لمراقبة وكالة الطاقة الذرية بشكل دوري.

المعلومات التي تروجها إسرائيل حول الطموح السوري لامتلاك سلاح نووي، تنحصر في اتهامات بإخفاء برنامج نووي تحت قناع محطات تحلية المياه بتقنية روسية.

وقد أقامت إسرائيل الدنيا يوم أعلنت روسيا في يناير 2003 أنها ستبني على ساحل البحر المتوسط السوري محطة كهرباء نووية ومحطة تحلية مياه تدار بالطاقة النووية، وقد نجحت إسرائيل في إقناع موسكو بإلغاء المشروع.

وإذا كانت السعودية لا تملك برنامجا نوويا فإن ما يثار حولها يتركز غالبا في الترويج لشرائها أسلحة نووية جاهزة في صورة رؤوس نووية من إسلام آباد.

وإذا كان البرنامجان العربي والإيراني قد انطلقا سويا في عقد الخمسينيات فقد اختلف مسارهما، وتوقفت الخطى بالمشروع العربي رغم أن نظيره الإيراني لم يكن في مأمن من الحروب والنزاعات والثورات الداخلية والصراع مع جماعات المعارضة ولا نجا من الضغوط الدولية.

لا ينطلق حرمان العرب من التقنية النووية من مبررات الخوف على إسرائيل فحسب، ولا من مخاطر تقديم التقنية النووية لحكومات متسلطة تتنازعها جماعات المعارضة الإسلامية، ولا من اعتماد القرصنة أسلوبا لاقتناص الحكم من الآباء والإخوة، بل السبب في حقيقته هو عدم وجود إرادة لا بل عدم وجود نية لإقامة هذا المشروع.

"
لا يبقى من الخيارات سوى أكثرها سوءا وهو اللجوء إلى الحماية الدولية أمام الخطر "الفارسي الشيعي" وهذا المسمى يحمل ازدواجية عرقية مذهبية كفيلة بإسكات الأصوات التي قد تعترض على لجوء الحكومات الخليجية إلى غطاء دولي بالانضمام إلى حلف الناتو على سبيل المثال
"

ماذا تبقى لدول الخليج؟
مع إعلان أحمدي نجاد امتلاك بلاده للتقنية النووية أعادت دورية أتلاتنتك نشر دراسة كانت قد أجرتها في سبتمبر/أيلول 2004 استشارت فيها جنرالات سابقين من البنتاغون لبحث الرد الأميركي المناسب على التهديد النووي الإيراني لدول الجوار.

ووصلت الدراسة إلى أن الولايات المتحدة ليس في مقدورها توجيه ضربة قاصمة إلى إيران لأن الأخيرة استفادت من الدرس العراقي، وقامت بتوزيع قدراتها النووية على مساحة جغرافية أوسع وفي أماكن محصنة يصعب حصرها.

كما أن تعاطف شيعة العراق مع إيران سيوقع الجيش الأميركي في ركن من أركان جهنم إذا ما ضربت إيران، فماذا بوسع دول الخليج أن تفعل إذن؟

هناك أربعة خيارات لمواجهة البرنامج النووي الإيراني، أولها وأكثرها بساطة الاستمرار في الحالة التي تعيشها هذه الدول الآن وهو ما يمكن تسميته خيار الارتباك وإغماض العين عما يدور.

وقد أعلنت السعودية أنها ليست قلقة من البرنامج النووي الإيراني طالما التزم جوانبه السلمية، بينما تخشى دولة الإمارات أن يؤدى وصول إيران إلى السلاح النووي إلى إغلاق ملف الجزر الثلاث إلى غير رجعة.

وتعيش دولة مثل البحرين على جمر الخوف من اندلاع فتنة طائفية بين الشيعة والسُنة، وتعاني الهوية الوطنية فيها من مخاض البلورة بعد 35 سنة من تشكيل الدولة. وتختلف فيها التوجهات تجاه البرنامج النووي الإيراني بين ما هو رسمي خائف من الطموحات الإيرانية التوسعية وما هو شعبي سعيد، بأغلبيته الشيعية، بما حققته إيران.

ليس هناك إذن في خيار الارتباك والخوف وإغماض العين إلا مزيد من المكاسب لصالح إيران التي لم تنس بعد أن التاريخ العسكري للإقليم حديث للغاية، وأن القدرات الديموغرافية جد متواضعة.

ولم تنس طهران كذلك أنها احتلت الجزر الإماراتية الثلاث مطلع السبعينيات في وقت كان فيه وليام لويس مقيما سياسيا بريطانيا في الشارقة، وفي فراغ عسكري عربي.

الخيار الثاني الذي يمكن أن تصل إليه دولة كبرى ذات عمق جغرافي وإستراتيجي مثل السعودية، هو الاستعانة بما يسمى توصيل الطلبات النووية إلى الزبائن، وهو الخيار الذي روج جهاز الموساد الإسرائيلي أنه تحقق بالفعل، بل وحدد أن رأسين نوويين قد وصلا إلى الأراضي السعودية عبر وسطاء باكستانيين.

"
التوتر بين الفرس والعرب في الخليج المدجج بالسلاح الأميركي والإيراني ما زال يقطع خطواته الأولى نحو مستقبل يموج بأشباح الحرب الطائفية وتتربص به حروب إقليمية مهلكة
"

في المقابل يحتاج الخيار الثالث، أي تبني برنامج نووي متكامل، إلى طريق علمي طويل وفترة قد لا تقل عن ثلاثة أو أربعة عقود بين مد وجزر مع القوى الدولية.

وهذا الطريق لا توجد له حتى الآن أية علامات، ولا تؤشر عليه أية قواعد من بنى أساسية، حتى في أكثر دول المنطقة سكانا وأوسعها مساحة.

الخطأ الذي يرتكب في تهيئة العقل العربي لرفض هذا الخيار يكمن في مزايدة بعض الكتاب العرب على أننا دعاة سلام، ولسنا ممن يجلب الدمار على البشر بالرد على إيران بامتلاك السلاح النووي.

وهذا خطأ أقل ما يقال عنه إنه يستغفل العقل ويدلس عليه بل ويغرقه في خرافات باسم الدين، لأن الفرق كبير بين العفة عن قدرة والعفة الكاذبة.

لا يبقى من الخيارات سوى أكثرها سوءا وهو اللجوء إلى الحماية الدولية أمام الخطر "الفارسي الشيعي" وهو مسمى يحمل ازدواجية عرقية مذهبية كفيلة بإسكات الأصوات التي قد تعترض على لجوء الحكومات الخليجية إلى غطاء دولي بالانضمام إلى حلف الناتو على سبيل المثال.

تتشابه دول الخليج -باستثناء السعودية- مع دول البلطيق التي عانت من التخويف الروسي المتسلح بالتقنية النووية في عدد من الملامح السياسية والديموغرافية.

بل إن مفاعل بوشهر على الخليج لا يختلف عن مفاعل سان بطرسبرغ الروسي، على مقربة من موانئ دول البلطيق التي استغاثت بحلف الناتو لحماية ضعفها الديموغرافي ومواقعها الإستراتيجية.

وقد مد لها الحلف يده وضمها إلى عضويته عام 2003 واضعا كلمة النهاية للتهديد الروسي.

التوتر بين الفرس والعرب في الخليج المدجج بالسلاح الأميركي والإيراني ما زال يقطع خطواته الأولى نحو مستقبل يموج بأشباح الحرب الطائفية، وتتربص به حروب إقليمية مهلكة.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة