ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


من يصرف بعض الوقت في متابعة الإنترنت، وتتاح له فرصة الاطلاع على تلك المواقع أو المنتديات التي تتيح لقرائها أو المشتركين فيها حرية نشر آرائهم أو تعليقاتهم دون ضوابط تذكر، لا بد أن يدرك خطورة هذه الظاهرة على صورة الإسلام وأهله وعلى وحدة الأمة وعلى قضاياها المصيرية، نظراً لخطورة ما ينشر من آراء متطرفة في مختلف الاتجاهات.

حين تتصفح أسماء المواقع وعناوينها وبعض مضامينها سيثيرك ذلك الكم الهائل من المواقع التي تحمل شعارات الإسلام وتعنى بالتبشير به والدفاع عن قضاياه، لكنك ستذهل بالمقابل من ندرة من يفعلون ذلك بمنهجية عاقلة تدرك روح الدين في ذات الوقت الذي تدرك فيه قضايا الكون وتعقيدات السياسة.

"
لعل المحظور الذي لا ينتبه إليه الكثيرون هو إمكانية استخدام هذه المواقع من قبل أجهزة المخابرات، وهو ما يحدث في واقع الحال ويلمسه العقلاء، وما دام ذلك متاحاً فإن استخدامها من قبل الأجهزة المعادية للإسلام والمسلمين يغدو متوقعاً، بل مؤكدا
"
من شاء الاطلاع على حالة الشرذمة الفكرية التي تعيشها الأمة فليذهب نحو تلك المواقع التي تتيح لكل من هب ودب أن يكتب وينظّر في قضايا الدين بمختلف تفصيلاتها الصغيرة، لاسيما العقائدية منها في استعادة لكل معارك القرون بما حفلت به من أسماء لفرق انقرض أكثرها، وإذا بقي شيء منها فينحصر في بعض الأفكار أو الطروحات لا أكثر ولا أقل.

افتح تلك المواقع لتعثر على الجهمية والمرجئة والخوارج والمجسمة والمعطلة و .. و .. إلخ، ولتتابع بعد ذلك أجزاء من معارك ابن تيمية مع الصوفية إلى جانب معارك الآخرين من حنفية وحنابلة وشافعية وسوى ذلك من المذاهب، ليس فقط في قضايا الفقه، بل أيضاً في مسائل الاعتقاد التي لم يخض فيها خيرة الصحابة والتابعين.

أما في شؤون السياسة الشرعية وغير الشرعية فهناك ما هو أسوأ بكثير، إذ يتاح لكل من هب ودب أن يفتي في أدق الشؤون السياسية التي يتوقف فيها الخبراء؛ وذلك في استهانة بالعقل والمنطق والتخصص في آن، كأن السياسة مركب سهل يمكن لكل من يتابع قسطاً من نشرات الأخبار أن يمتطيه.

لا يحتاج هذا الشاب أو ذاك كي يكون له منبر يجادل فيه في شؤون الدين والسياسة والجهاد ومواقف الأنظمة والحركات والجمعيات سوى أن يسجل اسمه في واحد من تلك المنتديات، وأحياناً أكثر من منتدى، ليبدأ بعدها بالكتابة في أي شأن يريد؛ يهاجم هذا ويمدح ذاك ويعلق على هذا الموقف وفق الرؤية التي يتبناها، بل ربما التي لا يجرؤ على التصريح بها بين أقرب حوارييه، خوفاً من أجهزة الأمن أحياناً أو خوفاً من سخافة طرحه أحيانا أخرى.

والحال أن إخفاء اسم الكاتب أو التعامل بالأسماء المستعارة كما هي عادة تلك المنتديات هو الذي يوفر لكل أولئك الشبان فرصة الخوض في عرض أي إنسان مهما علا شأنه من دون خوف، فضلاً عن الجرأة على "الطخ" في كل الاتجاهات وإعلان الجهاد والتكفير ضد أية جهة، فرداً كانت أو دولة أو مجموعة أو جماعة أو حزبا مهما بلغت منزلتها في الواقع أو في قلوب الناس، وصولاً إلى تسخيف كل رأي سوى رأيه ورأي من يؤمن بهم كمنظرين أو مجاهدين أو علماء.

لو طلبنا من كل أولئك القوم أن يكتبوا بأسمائهم الصريحة لاختفى أكثرهم، ليس فقط عن المنتديات السياسية حيث تبني المواقف التي قد يترتب عليها ثمن أمني، بل أيضاً بالنسبة للمنتديات الفكرية والدينية، والسبب هو أن الاختفاء خلف الاسم المستعار يتيح للإنسان أن يتبنى أو يطرح أي موقف مهما بلغ سخفه، كما يتيح له استخدام أقسى العبارات وأسوأ الشتائم أيضاً.

واللافت أن المواقع التي تدار من قبل شخصيات وجهات خليجية ما زالت تتصدر المشهد المثير، بينما نجد لوناً علمانياً صارخاً في بعض تلك المنتديات من ذلك الذي لا يجرؤ عن الإفصاح عن نفسه في مواجهة المجتمع المتدين.

والطابع السلفي يبدو لافتاً للانتباه، وهو طابع ينقسم بين لون جهادي وبين لون آخر يتخصص في الشؤون الدينية، يميل بعضه إلى لغة "الإرجاء" حسب تصنيف البعض، أي أنه يميل إلى تنزيه الحاكم أو "ولي الأمر"، أو تطويع الأمة له حتى لو "جلد ظهرك وأكل مالك" كما في الحديث الذي يردده بعضهم، فيما يذهب آخرون مذاهب مخالفة.

"
هذه المنتديات هي في الغالب ساحة لعبث من يجيدون العمل في الظلام، أما من يملك الجرأة على الكلام في النور فإن له منابره الأخرى إن كان له رأي معتبر
"
في هذا اللون ثمة استعادة كما قلنا لمشهد معارك القرون الأولى في أدق المسائل الفقهية والاعتقادية، ويمكن لمحدودي الثقافة الدينية أن يفاجأوا بتلك الخلافيات التي لم يسمعوا بها، بل يمكن أن تؤدي إلى تشكيك بعضهم في جوهر الدين، لاسيما حين لا تتورع عن الخوض في جدليات تتعلق برب العزة وصفاته وأسمائه، فضلاً عن كل الخلافيات المتعلقة بالسياسة الشرعية، لاسيما ما يتعلق بحقوق "ولي الأمر" كما أشرنا.

المصيبة أن أكثر هؤلاء يزعمون محاربة الحزبية والأحزاب، ولا يصبون جام غضبهم على الأحزاب العلمانية أو اليسارية فقط، بل على الأحزاب والجماعات الإسلامية التي تتحول إلى منصة للهجاء والشتائم، هي وقادتها ورموزها وعلماؤها.

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه هنا هو تحول هؤلاء إلى عشرات من الأحزاب يضرب بعضها رقاب بعض؛ فهم جميعاً يرفعون راية الكتاب والسنة أو اتباع السلف الصالح، وأحياناً الدفاع عن الدين وقضاياه، لكنهم يشتمون بعضهم على نحو مقذع، في حين يتخصص بعضهم في شتم التيارات الأخرى ونسبة بعض الدوائر السلفية إليها، في سياق الإساءة بالطبع!

في هذه المعارك ستعثر على شتائم من العيار الثقيل من أمثال حمار وجحش، فضلاً عن صفات الجهل وما شابهها من تشكيك في صحة الاعتقاد، إضافة إلى كلمات نابية أخرى لها دلالات جنسية في بعض الأحيان.

وفي كل الأحوال فإن من لا يعرفه الناس يمكنه أن يقول ما يشاء ويشتم من يشاء، فمن هو الذي سيحاسبه، لاسيما إذا كان يعتقد أنه رافع لواء الدين الصحيح، وأنه ومن يؤمنون بخطه هم وحدهم الفرقة الناجية التي سترد حوض محمد عليه الصلاة والسلام؟

أما الساحات التي تتخصص في قصص الجهاد والمجاهدين فلها حكايتها هي الأخرى، إذ أن بعضها لا يكف عن شتيمة عباد الله المخالفين، تماماً كما يفعل الآخرون ممن يرفضون الجهاد وأهله ويرون الرضوخ لولي الأمر حتى لو نصّبه الأعداء!!

في هذه الساحات يكتب الكثيرون ما لا يجرؤون على التحدث به أمام أحد، فهم يطالبون بالقتل الأعمى ومحاربة الأنظمة، وربما قتل معاونيها بل والموظفين في بعض الأحيان، ويشنون حروباً في كل الاتجاهات.

وإذا خالفهم أحد، فإنهم لا يتورعون عن تكفيره، وأحيانا هدر دمه، فضلاً عن اتهامه بالعمالة لهذا النظام أو ذاك، أو لهذا الجهاز الاستخباري أو ذاك.

قد يقال إن ما يجري أمر طبيعي لأن الأمة لم تتعود هذا المستوى من الحرية الذي تتيحه مواقع الإنترنت، وهو أمر قد يكون صحيحاً بشكل من الأشكال، لكن توقف هذه المهزلة على المدى القريب ليس مضموناً بالضرورة، والسبب هو أننا لسنا أمام نقاشات صحية وحوارات راقية، بل أمام سيل مريع من الشتائم البذيئة ولغة التكفير والتبديع والتفسيق.

"
ليعلم كثير من هؤلاء وأولئك أنهم يسيؤون إلى الإسلام والمسلمين من حيث لا يدرون، وأنهم يزيدون الأمة شرذمة على شرذمتها في وقت يريدون فيه توحيدها في ظل الفهم الذي يقتنعون به
"
بل إن ما يدفع نحو مزيد من الخوف هو ولوج عالم "البلوغز" أو المدونات، حيث يمكن لأي أحد أن يصنع لنفسه مدونة يقول فيها ما يشاء حول ما ومن يشاء.

بالنسبة للمواقع التفاعلية يبدو من الضروري إخضاعها لذات القيم التي تتعامل بها الصحف، إذ لا يمكن النشر لأي أحد، إلا إذا كان قادراً على الإفصاح عن اسمه وعنوانه، وإذا تجرأ أحدهم على قذف أي أحد، فإن بوسع هذا الأخير أن يحاكمه أمام القضاء.

لعل المحظور الذي لا ينتبه إليه الكثيرون هو إمكانية استخدام هذه المواقع من قبل أجهزة المخابرات، وهو ما يحدث في واقع الحال ويلمسه العقلاء، وما دام ذلك متاحاً فإن استخدامها من قبل الأجهزة المعادية للإسلام والمسلمين، فضلاً عن أصحاب الأفكار المعادية يغدو متوقعاً، بل مؤكداً أيضاً.

من الذي يضمن أن تترك هذه المنتديات وشأنها، وأن أحداً لن يدخلها ويعبث بها ويفرق صف المسلمين من خلالها عبر اتهامات لهذه الجهة أو تلك كي تبادر هي الأخرى بالرد ولتحتدم المعركة وتتواصل إلى أمد غير محدود؟!

ثمة سؤال مهم هنا يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على لجم هذه المنتديات ومنعها لو أرادت، فيما يبدو أن الأمر خاضع لموازنة المفاسد والمصالح، الأمر الذي يرجح الإبقاء عليها وليس منعها والقضاء عليها.

ولا شك أن هذا البعد ينطبق أيضاً على الأجهزة الاستخبارية العربية التي لم تكن لتترك هذه المنتديات وشأنها في سياق معاركها الخاصة لو وجدتها خطيرة عليها.

إن هذه المنتديات هي في الغالب ساحة لعبث من يجيدون العمل في الظلام، أما من يملك الجرأة على الكلام في النور، فإن له منابره الأخرى إن كان له رأي معتبر يمكن أن يقدمه للناس ويمكنه الدفاع عنه.

من الأعراف الصحفية الراقية أن لا ينشر رأي باسم مستعار؛ هذا في الوضع الطبيعي، لكنه حين يتجاوز الحوار إلى الشتائم يغدو ممنوعاً تماماً، وهو ما لا ينطبق هذه الأيام على مواقع الإنترنت، إذ بوسعك أن تشتم من تشاء وأنت تتخفى خلف أسماء وهمية تغيرها بين حين وآخر.

لا شك أن المسؤولية هاهنا تقع على عاتق الجهات التي تشغل هذه المواقع وتتبناها، إذ ليس كل رأي يمكن أن يكون قابلاً للنشر، ولا بد لكي يكون كذلك من التزام آداب الحوار ابتداءً، وأن يملك رأيا محترماً، لا مجرد هراء يردده في الساحات من دون رقيب ولا حسيب.

"
دين الأمة وقضاياها ليست رهنا بذلك الهراء الذي يتدفق عبر شبكة الإنترنت، لأن الإسلام أكبر من ذلك كله، لكن ظاهرة كهذه تمثل قدراً من الخطورة لا بد أن تواجه من قبل المخلصين على النحو المطلوب
"
ليعلم كثير من هؤلاء وأولئك أنهم يسيؤون إلى الإسلام والمسلمين من حيث لا يدرون، وأنهم يزيدون الأمة شرذمة على شرذمتها في وقت يريدون فيه توحيدها في ظل الفهم الذي يقتنعون به، وهو أمر مستحيل في نهاية المطاف، لأن الأمة لم تتحد يوماً على فهم واحد لفرعيات الدين، لكنها كانت دائماً أقرب إلى الوحدة في مواجهتها للعدوان الأجنبي، وهو أمر تقوم بعض مواقع الإنترنت بشطبه أيضاً، إذ تجد فيها من يعلن عدم معارضته لموالاة الأعداء في ذات الوقت الذي تجد فيها من يطالب بقتل الناس من دون ضابط.

من المؤكد أن دين الأمة وقضاياها ليست رهنا بذلك الهراء الذي يتدفق عبر شبكة الإنترنت، لأن الإسلام أكبر من ذلك كله، فضلاً عن وجود مواقع محترمة تدعو إلى الله على بصيرة، لكننا نشير إلى ظاهرة تمثل قدراً من الخطورة لا بد أن تواجه من قبل المخلصين على النحو المطلوب.

كما نشير من زاوية أخرى إلى ضرورة الشك في بعض المواقع وفي بعض الأسماء التي تترد فيها، إذ إن بعض ما ينشر فيها يثير الريبة في الجهات التي تقف خلفه، وحيث يمكن تلك الجهات أن تصفي حساباتها مع أناس شرفاء من خلال اتهامهم بتهم متعددة المستويات تشكك الناس فيهم وفي مواقفهم، وأقل ما توقعه أنها تثير الغبار من حولهم.

بقي أن نشير إلى أن هذا الرأي لا ينطبق على مواقع محترمة لها توجهاتها الطيبة، وتعرف كيف تتعامل مع ردود الأفعال على ما ينشر فيها، وهي تنتقي من تلك الردود ما يصلح للنشر ويملك رأياً وجيهاً، أما ما عدا ذلك فتتجاوزه حتى لو تعرض محررها للشتائم من قبل أناس لا يعرفون سوى الشتائم على ما يبدو.

نؤمن أن "الزبد سيذهب جفاء"، وأن "ما ينفع الناس سيمكث في الأرض"، لكننا نحذر -كي نتجنب الخسارة ما أمكن- في ذات الوقت من ظواهر سيئة ربما لا يلتفت إليها الكثيرون.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك