برهان غليون

برهان غليون

أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس.


تعيش المنطقة العربية وأخص منها المشرق العربي، بعد أن فقدت السيطرة على مصيرها، حربا حقيقية تهدف إلى إخضاعها وتطويعها لقبول أجندة السيطرة الأميركية الإسرائيلية.

كما أنها تتحول إلى مسرح رئيسي لحروب إقليمية وعالمية جديدة، يقدم النزاع الإيراني الأطلسي والحرب ضد الإرهاب كجزء من إستراتيجية مقاومة الصعود التاريخي للكتلة الآسيوية، أمثلة راهنة عليها.

وهذه المنطقة تعيش في موازاة هذه الحرب حربها أو حروبها الخاصة المرتبطة بإعادة بناء موازين السلطة والثروة في مجتمعات تعرضت خلال أكثر من نصف قرن إلى اجتثاث عميق لجذور وعيها الوطني والإنساني، على يد أنظمة قهر ظلامية متوحشة فاقدة لأي شعور بالمسؤولية الوطنية أو الإنسانية.

وفي مناخ الحرب المتعددة الأشكال هذه يتنافس بديلان فكريان وسياسيان معا على اكتساب ولاء الجمهور العريض الضائع وتعبئته وتنظيمه.

البديل السياسي تمثله أحزاب المعارضة الديمقراطية الصغيرة، أو تلك التي تحولت وتتحول بالضرورة نحو الديمقراطية، بوصفها القاعدة الفكرية والقانونية التي لا غنى عنها لإعادة بناء السياسة ذاتها وممارستها معا.

"
في مناخ الحرب المتعددة الأشكال التي تواجهها المنطقة العربية يتنافس بديلان على اكتساب ولاء الجمهور وتعبئته وتنظيمه: الأول تمثله أحزاب المعارضة الديمقراطية الصغيرة، والثاني البديل التعبوي الإسلامي القومي أو الاثنان معا
"
والبديل التعبوي الإسلامي القومي أو الاثنان معا تعبر عنه مجموعة واسعة من الحركات والتيارات والمواقف والتشكيلات الدينية والقومية أو الدينية القومية أو شبه الدينية التي تعكس فقدان الأمل في إعادة بناء الدولة السياسية الحديثة، وتراهن على إحياء الروابط التقليدية القائمة على تعبئة العصبية الجمعية الدينية أو الثقافية أو كليهما.

ويعتمد كل متنافس منهما على ترسانة من المفاهيم والشعارات والقيم، والمطالب التي يأمل أن تمكنه من الفوز بعقول الناس وقلوبهم لتطبيق أجندة يعتقد أنها هي القادرة على تحقيق أهداف المجتمعات العربية أو الإسلامية أو العربية الإسلامية.

لكن بينما يجعل الطرف الأول من إطلاق عملية التنمية، واستكمال تحديث المجتمعات العربية وإدراجها في العصر، البند الأول في المسيرة الطويلة التي ينبغي أن تمر حتما بتحقيق الديمقراطية وتحرير المجتمعات العربية من نير الاستبداد العقيم والمجمد والمضيع للجهد الوطني، تركز القوى الإسلامية والقومية على مسائل الهوية الخاصة والخصوصية كما تتمسك بشكل قوي بقيم الاستقلال والسيادة الكاملتين كما ولدتا في الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية.

وإذا كانت هذه القيم المختلفة التي يعبر عنها كلا التيارين محط إجماع لدى الرأي العام العربي، سواء ما تعلق منها بالقضاء على الاستبداد، وما قاد إليه من تعسف وفساد وانحطاط، أو ما ارتبط منها برفض الاستلاب والتمسك بالهوية الوطنية والدينية والقومية، فإن الخلاف يبرز عندما يتعلق الأمر بالممارسة العملية.

فما يبدو محط إجماع على مستوى الوعي الثقافي العام يصبح في الممارسة مجال انقسام بقدر ما تطرح الممارسة مسألة الأولويات، ويضطر كل طرف من المتنافسين إلى تقديم قيمة على قيمة أخرى.

ومن الواضح أن قطاعات الرأي العام ليست متفقة على المكانة التي تحتلها كل واحدة من هذه القيم، ولا على الأهمية التي تعطيها لهذه القيمة أو تلك.

فالتيارات الحداثية التي ترى في الديمقراطية اليوم مدخلا لا محيد عنه للارتقاء بالمجتمعات العربية إلى مستوى التحديات التاريخية وتأمين شروط الالتحاق بالثورة العلمية والتقنية، أي للبقاء في التاريخ المعاصر، تظهر حساسية أقل تجاه مسائل تتعلق بالهوية والخصوصية والسيادة والاستقلال.

وربما نظرت بطريقة أخرى إلى مضمون هذه المسائل الأخيرة وكيفية تلبيتها، نظرة تأخذ بالاعتبار تحول حقل العلاقات الدولية وتطور وسائل التفاعل والتواصل بين الجماعات البشرية عبر الدول ومن وراء حدودها السياسية.

وبالعكس تنظر الأطراف الإسلامية والقومية، بصرف النظر عن مضمون أفكارها والقومية التي تتعلق بها، عربية أو محلية، إلى مسألة الحفاظ على الاستقلال والسيادة، نظرة خاصة وتطابق بينها وبين الدفاع عن الهوية، حتى عندما يتعلق الأمر بالمظاهر.

وهي تنظر إليها بقدر ما تنظر إلى الهوية من منظور الخصوصية، وتجعل منها أساسا لتمييز الذات عن الآخر لا التميز في دائرة حضارة واحدة.

وتبدو قيم الاستقلال والسيادة هنا مرتبطة ارتباطا عضويا بالحفاظ على علامات التمايز الثقافية والدينية، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يشوش على هذا التمايز والتباين أو يضعف إرادة المقاومة الداخلية.

بهذا المعنى يشكل الحفاظ على الهوية والأصالة عند هؤلاء القيمة الأساسية والمعيار الذي ينبغي أن تخضع له قيم الديمقراطية والاندراج في الحضارة العصرية.

"
ما يفسر الالتقاء المتزايد بين بقايا القوى القومية الكلاسيكية والقوى الإسلامية الجديدة هو استعدداهم للدفاع عن الهوية حتى لو استدعى الأمر الحد من الحريات أو تأجيل التفاهم مع الدول الصناعية أو الوقوف في وجهها
"
فإذا كان الدفاع عن الهوية يستدعي الحد من الحريات أو تأجيل التفاهم مع الدول الصناعية أو الوقوف في وجهها، فلا مانع من الاستبداد ولا من القطيعة مع العالم الخارجي.

وهذا ما يفسر الالتقاء المتزايد بين بقايا القوى القومية العربية الكلاسيكية والقوى الإسلامية الجديدة، بعد أن دفع إخفاق الحركة القومية العربية في بناء وطن عربي قوي وحديث منظري هذه القومية إلى الانكفاء على عنصر الهوية والاستقلال كمرجع وحيد أو رئيسي لها.

في هذا التنافس المستمر منذ عقود على إعادة بناء الوضع العربي والترتيبات الداخلية بين الأجندة الديمقراطية والأجندة القومية الإسلامية، أي بين أجندة سياسية الطابع وبالتالي علمانية وبين أجندة أيديولوجية ثقافية، تظل القوى صاحبة الخيار السياسي هي الأضعف حتى الآن من دون نقاش.

فإلى جانب أن الأجندة السياسية تواجه تحديات كبيرة ومصاعب لا تحصى بسبب التاريخ الطويل من الاستبداد وما نجم عنه من تدهور وعي المواطنين السياسي وما يرافقه من استقالة سياسية وأخلاقية ومن ترسخ التفاهم بين الفئات الحاكمة وقوى الهيمنة الدولية، تغذي الحرب والضغوط المستمرة التي تمارسها الدول الكبرى اليوم على المجتمعات العربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية، في فلسطين والعراق وبقية بلدان المشرق العربي، مشاعر العداء للغرب وسياساته الاستعمارية.

وهذا ما يعزز قيم المقاومة ويضاعف من فرص قوى القومية الإسلامية التي تراهن على تعبئة مشاعر المقاومة، لتعزيز مواقعها.

هذا ما يفسر الصعوبة التي تواجهها قوى الأجندة الديمقراطية في التقدم على الأرض، بالرغم من تنامي الإجماع ضد الاستبداد والإيمان المتزايد بالنماذج الديمقراطية حتى في أوساط الحركات الإسلامية والقومية.

ومع استمرار السياسات الكارثية للتحالف الأطلسي في المنطقة، أي مع استمرار الحرب الكامنة أو المعلنة التي يشنها مباشرة أو بالوكالة على الشعوب العربية المشرقية، وتضاؤل الآمال في المستقبل، يزيد ميل الرأي العام إلى التكور على النفس والانكفاء والانغلاق، وربما أيضا التعايش مع نموذج الحكم الاستبدادي نفسه الذي ينشر نوعا من الأمان الكاذب، بما يخفيه من التناقضات الداخلية وما يقدمه من صورة الوحدة الجامعة التي توحي بالأمان والاطمئنان في وجه العدوان.

فلا يوفر الاستبداد على كل فرد مواجهة مسؤولياته الخاصة في الوصول إلى المأزق الراهن وفي تغييره فحسب بإلقائها على القيادة التي تحتكر كل المسؤوليات، ولكنه يوفر للفرد إمكانية التماهي الآلي مع المجموع وبالتالي الهرب من القلق والمخاوف التي يثيرها التهديد الخارجي والعدوان.

وكما يشكل الاستبداد مظهرا من مظاهر انسداد الآفاق وغياب الفرص التاريخية عند المجتمعات، تشكل الديمقراطية مظهرا من مظاهر تصاعد الآمال وفرص التقدم التاريخي والازدهار، بل هي تعبير عن الجانب السياسي والفكري والنفسي من هذا الازدهار والتقدم الشامل.

ففي كل مرة تغيب الفرص وتتضاءل الآمال تميل الجماعات -في كل مكان وزمان- إلى أن تدفن رأسها في رمال الاستقالة التاريخية والارتهان للطبيعة، وتنمو العصبيات القبلية والطائفية والاستبداد.

وإذا لم تتغير السياسات الغربية المتعلقة بالمنطقة، ولم تنجح النخب العربية في بناء قوى فكرية وسياسية قادرة على تثبيت أقدام المجتمعات وإخراجها من الطريق المسدود الذي تعيش فيه منذ سنوات طويلة، فلن يكون هناك مخرج من الأزمة، وسوف تغرق المنطقة لعقود قادمة في حروب داخلية وخارجية، طائفية وإستراتيجية، من الصعب ضبطها أو التحكم بها أو إنهاؤها.

من هنا تقع مسؤوليات كبيرة في اعتقادي على المثقفين والنخب العربية في سبيل توضيح المفاهيم ورسم طريق الخروج من الأزمة الطاحنة التي تعيشها المجتمعات، تلك النخب المتمسكة بأجندة الحرب القومية الاستقلالية الإسلامية أو العروبية، والأخرى المنادية بالديمقراطية والدخول في عصر الحضارة العلمية والتقنية.

"
من دون الوصول إلى تفاهم حول أجندة العمل للسنوات القادمة سوف تستمر الحرب السياسية الفكرية العربية داخل كل مجتمع وعلى مستوى المجتمعات العربية كافة، موازية للحرب الخارجية العربية الغربية، وبديلا عنها أحيانا أو مكملا لها
"
ومن دون الوصول إلى تفاهم حول أجندة العمل للسنوات القادمة سوف تستمر الحرب السياسية الفكرية العربية داخل كل مجتمع وعلى مستوى المجتمعات العربية كافة، موازية للحرب الخارجية العربية الغربية، وبديلا عنها أحيانا، او مكملة لها.

ولن نصل إلى أي نتيجة سوى استكمال دمار المجتمعات واستنزافها ماديا ومعنويا.

هل هناك بالفعل مقاومة أو ممانعة تشكل أساس ثورة قومية إسلامية ممكنة تحفظ الهوية وتصون السيادة والاستقلال، بصرف النظر عن مسائل الديمقراطية والتحديث أو بالانفصال عنهما؟

وهل هناك إمكانية لبناء ديمقراطية ومشروع تحديث عربي وطني أو قومي، مع انعدام حد أدنى من هامش المبادرة والاستقلال والسيادة الإقليمية؟

باختصار كيف يمكن الجمع والتوفيق بين أجندة التحولات الديمقراطية وما تستدعيه من تفاهم مع القوى الدولية الكبرى التي تسيطر على مصادر العلم والتقنية والرأسمال والقوة الإستراتيجية في العالم، وأجندة الحفاظ على الهوية والسيادة والاستقلال مع استمرار التمزق والتشرذم والاقتتال الداخلي وغياب أي فاعلية ذاتية.

في الإجابة عن هذين السؤالين يكمن الحل والخروج من المأزق الجماعي التاريخي الذي نحن فيه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك