عاطف عبد الحميد

- مخاوف إيران النفطية
- من التخويف إلى الترحيب
- تشابه الحجج الإيرانية والعربية

في عام 1908 اكتشف النفط الإيراني ونشأت معه واحدة من كبريات شركات النفط في العالم وهي شركة بريتش بتروليوم، ولعب النفط الإيراني دورا حيويا في الاقتصاد البريطاني، وبصفة خاصة في الحرب العالمية الثانية وذلك قبل أن يتم تأميم القطاع النفطي وتصبح شركة النفط الوطنية الإيرانية أولى شركات النفط في الشرق الأوسط عام 1951.

تصاعدت أهمية النفط الإيراني خلال 50 سنة الماضية وتشابكت أدواره منذ السبعينيات مع وضع اللبنات الأولى للبرنامج النووي.

وفي السطور التالية نقترب من ورقة النفط في المسألة النووية الإيرانية بهدف اختبار الحجة التي تطرحها إيران بشأن حاجتها الماسة للطاقة النووية لتوفير خامات النفط للتصدير.

"
إيران ستجني في السنة المالية المقبلة نحو 44 مليار دولار حتى لو انخفض سعر البرميل إلى 50 دولارا، لكن ذلك لا يخفي القلق المتزايد في إيران من خطورة الاعتماد على النفط
"
مخاوف إيران النفطية
لدى إيران مخزون من النفط مقداره 126 بليون برميل يشكل ما نسبته 10% من الاحتياطي العالمي، ومع الاستكشافات النفطية الحديثة في الأهواز ارتفع الاحتياطي إلى 133 بليون برميل وهو ما يعني وصول إيران إلى مكانة الدولة الثانية في الاحتياطي العالمي بعد السعودية.

صحيح أن إيران ستجني في السنة المالية المقبلة نحو 44 بليون دولار حتى لو انخفض سعر البرميل إلى 50 دولارا، لكن ذلك لا يخفي القلق المتزايد في إيران من خطورة الاعتماد على النفط.

ينبع القلق من تعرض أهم حقول النفط الإيرانية للنضوب بمعدل 8 إلى 13% كل عام، وهو ما يعني أن أغلب حقول النفط الإيرانية ستنضب خلال عقدين من الزمان.

وعلى الرغم من أن إيران تنتج أربعة ملايين برميل يوميا وتستهلك منها 1.4 مليون برميل، مما يعني أن لديها القدرة على التصدير لمدة 65 سنة بناء على كميات الاحتياطي المشار إليها من قبل، فإن الفرق بين التقدير الحسابي والتقدير الفعلي يكشف مشكلة مستقبلية في قطاع النفط الإيراني.

فالتقدير الحسابي لا يأخذ في اعتباره النمو المتسارع للسكان وارتفاع معدلات استهلاكهم، كما لا يضع في حسبانه الخطط الاقتصادية الهادفة إلى دعم القطاع الصناعي الذي يعمل فيه 40% من السكان.

كما أن ذلك التقدير لا يتصور إمكانية حدوث أزمات نفطية كبرى تطيح بأسعار النفط إلى 25% مما هي عليه اليوم، وهو ما سيدفع الحكومة الإيرانية –كغيرها من الدول النفطية- إلى ضخ المزيد من النفط لتعويض العجز في الأسعار، ومن ثم استنزاف أكبر للحقول وعرقلة الاستثمارات وتحجيم الاستكشافات النفطية وتباطؤ معدلات الصيانة.

وإذا انتظرنا إلغاء الحظر الأميركي المفروض منذ عام 1996 على الشركات الأميركية بان لا تستثمر في إيران أكثر من 20 مليون دولار سنويا، يمكننا أن نفهم توقعات خبراء النفط بارتفاع إنتاج إيران من 4 إلى 7 ملايين برميل في اليوم نتيجة الاندفاع المنتظر لرؤوس الأموال الأميركية إلى القطاع النفطي الإيراني.

وستقلص مثل تلك الطفرة المنتظرة في الإنتاج من العمر النظري للاحتياطي النفطي الإيراني من 65 إلى نحو 35 سنة، وإن قلل بعض الخبراء على الجانب الآخر من فاعلية هذا التوقع بسبب تزايد الاعتقاد بوجود استثمارات لشركات أميركية في النفط الإيراني تحت أسماء مستعارة لشركات أوروبية.

وفيما يخص الغاز الطبيعي فإن لدى إيران احتياطيا مؤكدا مقداره 27 تريليون متر مكعب يعادل 16% من الاحتياطي العالمي ويمثل ثاني أكبر احتياطي في العالم بعد الاحتياطي الروسي، وتنتج إيران سنويا 79 بليون متر مكعب في وقت يبلغ فيه إجمالي ما تستهلكه 73 بليون متر مكعب.

ورغم وجود فائض حسابي من الغاز مقداره 6 بلايين متر مكعب سنويا يوجه إلى الأسواق الآسيوية، فإن إيران تستورد سنويا نحو 5 بلايين متر مكعب من أذربيجان وتركمانستان في حوض بحر القزوين وذلك لقرب هاتين الدولتين من المناطق الشمالية من إيران التي تقع بعيدة للغاية عن حقول الغاز في جنوب غرب البلاد.

وقد وقعت تركمانستان وإيران عام 1997 عقدا مدته ربع قرن تورد بموجبه تركمانستان لإيران الغاز الطبيعي عبر خط من الأنابيب.

كما اتفقت إيران وأرمينيا على تصدير إيران نسبة من الغاز المستورد من بحر القزوين إلى أرمينيا في مقابل تصدير أرمينيا الكهرباء لإيران.

ويمكننا أن نرى في الاتفاقيات التي وقعتها الصين وتركمانستان مع إيران والسارية لمدة تتراوح بين 20 و25 سنة، مؤشرا حقيقيا على قدرة النفط الإيراني على الاستمرار بتحمل عبء الميزانية لعقدين أو ثلاثة وليس لسبعة عقود كما تقدر الحسابات النظرية.

وعلى الرغم من أن إيران ذات موقع جغرافي حيوي لا يقل أهمية عن موقع تركيا التي تستفيد كثيرا من عائدات الأنابيب التي تمر بأراضيها، فإن مشكلات إيران الخارجية تحول بينها وبين الحصول على تلك المكانة وبصفة خاصة في نقل نفط القزوين إلى السوق الخارجي، لتفضيل الولايات المتحدة دولا أخرى عليها مثل تركيا وجورجيا.

وللمقارنة فإن باكستان ستحصل سنويا على نحو 350 مليون دولار كرسوم مرور للغاز الإيراني عبر أراضيها إلى الهند.

كما تجابه الميزانية الإيرانية التي تعتمد على 45% من مصادر دخلها على النفط مشكلات متزايدة، أهمها تفاقم التضخم، وتزايد عبء القطاع العام على الميزانية، والاستمرار في تكبد خسائر كبيرة بسبب دعم أسعار الوقود طمعا في الولاء وضمان الالتفاف حول القيادة.

هذا فضلا عن خطورة تذبذب الأسعار النفطية، وضعف القطاع الخاص أمام التدخل الحكومي، وتآكل الاستثمارات، وهروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج (وبصفة خاصة إلى الاستثمار في دبي بالإمارات)، وتحويل المدخرات بالريال إلى أي عملة أجنبية، وارتفاع نسبة السكان دون خط الفقر.

لهذا يمكننا أن ندرك قلق النظام الإيراني من الأوضاع الاقتصادية في الدراسات التي تقدمها مراكز الأبحاث الأميركية عن الاقتصاد الإيراني التي يترحم فيها أكاديميون إيرانيون على اقتصاد ما قبل الثورة الإسلامية الذي كان يحصل فيه الفرد على دخل سنوي يعادل نظيره الإسباني، وكان الإنتاج النفطي فيه يفوق الإنتاج الحالي بأكثر من 35%.

"
الواجب هو ترك إيران تمضي في مشروعها النووي دون مماحكة من الغرب وإسرائيل وهو ما سيأتي بنتيجة عكسية نتيجة قيام النظام في إيران باستنزاف أموال النفط المنخفض الأسعار والتهام عوائد المخزون في إقامة عدة محطات من المفاعلات النووية
"
من التخويف إلى الترحيب
وحين نضع أمامنا المعلومات السابقة سنفهم لماذا أدرك عبد الرحمن الراشد وزملاؤه في صحيفة الشرق الأوسط أنهم لم يكونوا على حق قبل عامين حينما خوفوا القراء من البرنامج النووي الإيراني، فتجاوزوا اليوم تلك المرحلة وناشدوا الدول الأوروبية والولايات المتحدة أن يتركوا إيران تبني مفاعلها النووي!

يقول الراشد الذي كان يحذر مرارا من كارثة امتلاك الملالي قنبلة نووية: "لو كنت في موقع المفاوضين الأوروبيين والأميركيين، لفتحت الباب لإيران لتبني قنبلتها النووية، دعوا إيران تبني قنبلتها لأننا لا نرى بديلا عن ذلك سوى المزيد من التنازلات الأخرى، في مساومات ستكسبها طهران في كل الحالات".

الاستشهاد السابق يلمح إلى أن الميزانية الإيرانية تجني أرقاما فلكية كل عام نتيجة التخويف المثار حول أزمتها النووية واستمرار توجس سوق النفط الدولي من احتمال توجيه ضربة إليها وتهديد طهران بإيقاف ضخ النفط وضرب الناقلات في الخليج وإغلاق مضيق هرمز وتلغيمه مما سيسبب كارثة للمستوردين الأوروبيين.

وهي ذات الفكرة التي أشار إليها توماس فريدمان من قبل حين وجه النقد إلى الإدارة الأميركية لتسببها -بسوء إدارة الحرب في العراق وغموض التعامل مع الملف النووي الإيراني- بإدخال أرقام فلكية في جيوب الملالي في إيران ومن ثم توفير مدخرات كبيرة تنفق على المشروع النووي.

الواجب إذن ترك إيران تمضي في مشروعها النووي دون مماحكة من الغرب وإسرائيل وهو ما سيأتي بنتيجة عكسية نتيجة قيام النظام في إيران نفسه باستنزاف أموال النفط المنخفض الأسعار، والتهام عوائد المخزون النفطي في إقامة عدة محطات من المفاعلات النووية.

وحين تفرغ إيران من مشروعها النووي فستقدمه إلى شعب جائع، ولن تختلف الصورة كثيرا عن حالة الشعب الهندي أو الباكستاني رغم ما لديهما من ترسانات نووية.

هل سيحرك الشعب الجائع جيشه إلى أرض الجيران بعبور الخليج تحت غطاء نووي لقرصنة حقول النفط العربية؟ الإجابة تقدمها الغواصات والبوارج الأميركية التي تحمل أسلحة نووية والرابضة في مياه الخليج بالمرصاد.

لن تجرؤ إيران –كما يأمل العرب المتترسون بالسلاح الأميركي في الخليج– على تطوير خلافها السابق مع السعودية والكويت حول ترسيم حدود الرصيف القاري لحقول النفط التي أثيرت عام 2000 واتخذت فيها السعودية والكويت موقفا مشتركا ضد إيران.

تشابه الحجج الإيرانية والعربية
تحلم إيران بالنموذج الروسي القائم على إنتاج الطاقة الكهربائية من المفاعلات النووية، ومن ثم توفير النفط والغاز للتصدير.

لكن مفاعل بوشهر الذي يدور حوله الجدل اليوم لن تزيد طاقة الإنتاج النووي فيه عن 7000 ميغاوات عند اكتماله عام 2020، وهو ما سيوفر طاقة مقدارها 10% فقط مما تستهلكه إيران من الغاز والنفط.

وعلى الرغم من أن إيران كانت قد أعلنت قبل عدة سنوات أنها تهدف إلى توفير 20% فقط من الطاقة الكهربائية مما يعني حاجتها إلى مفاعلين نوويين بحجم بوشهر، فإنها عادت مؤخرا وألمحت إلى أنها ستبني نحو عشرة مفاعلات تتوزع بشكل جغرافي على كافة أنحاء البلاد.

ليس المشروع الإيراني لإنتاج الكهرباء النووية وتوفير النفط والغاز للتصدير بعيدا عن معطيات دول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية التي يعوزها النظر في اقتصاد ما بعد النفط.

"
لا بد من المقارنة بين مشروعين، عربي مفتقر إلى الإرادة ناظر تحت قدميه، وإيراني ينظر إلى مرمى البصر بتشيع مذهبي ومراوغة إستراتيجية، وإن احتال بالحجة النفطية، فمن كان له حيلة فليحتل بها
"
فلا تزال السعودية، القوة الديموغرافية الأكبر بين دول الخليج العربية، تعيش الاقتصاد الأحادي المعتمد على الريع النفطي. وهي أكثر حاجة من غيرها في دول مجلس التعاون إلى تبني المنهج الإيراني في إنتاج الطاقة النووية لأغراض عدة في مقدمتها تحلية مياه البحر بصفتها أكبر مستهلك للمياه المحلاة في العالم والأكثر قربا من كارثة نضوب خزانات المياه الجوفية.

كما تحتاج السعودية -بنفس الحجج الإيرانية- إلى تخفيف العبء عن النفط وتوفيره للتصدير بإنتاج الكهرباء من محطات نووية في دولة مترامية الأطراف مبعثرة المراكز العمرانية.

الجدير بالملاحظة أنه حين ارتفعت بعض الأصوات في الإعلام السعودي مطالبة بإقامة مفاعلات للطاقة النووية والاستعداد لحقبة ما بعد النفط، قوبلت الدعوة بعدم اكتراث بل وانتقدها البعض معتبرا إياها مدعاة لفتح الباب أمام التدخل الدولي وتأليب الرأي العام الدولي.

الحجة الإيرانية بإقامة مشروعات نووية لتوفير النفط سبق وأن طرحتها مصر قبل عشر سنوات لكنها قوبلت برفض شديد من الدول الأوروبية وإسرائيل وأغريت مصر في المقابل بتسهيل إقامة محطات كهربائية تقليدية بمنح وتسهيلات غربية، وسكتت مصر.

لا يبقى لنا في النهاية إلا أن نقارن بين مشروعين، أحدهما مفتقر إلى الإرادة ناظر تحت قدميه، وآخر ينظر إلى مرمى البصر بتشيع مذهبي ومراوغة إستراتيجية، وإن احتال بالحجة النفطية، فمن كان له حيلة فليحتل بها.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة