محمد بن المختار الشنقيطي

محمد بن المختار الشنقيطي

أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمَد بن خليفة في قطر

- أهداف الحرب الأهلية المحدودة
- حصاد الثقافة الطائفية العليلة
- ضرورة الحوار مع الأقربين

بعد ثلاثة أعوام من الاحتلال، بات العراق اليوم على حافة الهاوية، فالحرب الطائفية تطرق الأبواب بعنف، والقوى الداخلية تتنازعها نزعات الطائفة والمذهب والعرق والثأر، أكثر مما تتجاذبها دواعي الإلف ووحدة الدين والوطن والمصير.

الأميركيون غدوا يائسين من تحقيق أهداف الغزو فانعكس ذلك على سلوكهم وتخطيطهم تخبطا واضطربا، والجوار العربي الإسلامي في نوم عميق رغم أن لهب الحريق يكاد يدركه، والمجتمع الدولي يراقب من بعيد.. ما بين شامت بالفشل الأميركي مثل روسيا والصين، وغير عابئ بحرب لا ناقة له فيها ولا جمل مثل أغلب الدول الأوروبية.

وعلى مفترق الطريق هذا يبقى مصير العراق معلقا بإدراك العراقيين لما يجمعهم، وبذل القيادات الشعبية الإسلامية بعض الجهد لإنقاذ العراق الذي يدمى جرحه ويتسع شرخه يوما بعد يوم.

"
من أهداف الحرب الأهلية المحدودة كسر شوكة الإسلاميين الشيعة، والكفكفة من مطامحهم في حكم العراق، تمهيدا لتسليم الأمور إلى العلمانيين الشيعة الذين تثق فيهم الولايات المتحدة ولا ينظرون بعين العطف إلى إيران
"
أهداف الحرب الأهلية المحدودة
ليست لدينا أدلة على أن الأميركيين يسعون إلى حرب أهلية شاملة في العراق، لأن الحصاد المر لتلك الحرب سيشعل عليهم منطقة بذلوا الكثير في سبيل استقرارها منذ سبعة عقود.

لكن المتأمل البصير لا يجد صعوبة في رؤية المصلحة الأميركية في حرب أهلية محدودة يمكن السيطرة عليها وتوجيهها، وهو سيناريو قد بدأ بالفعل يطل برأسه المشؤوم.

ويمكن تلخيص المصلحة الأميركية في حرب أهلية محدودة بالعراق في أمور ثلاثة:

أولها: استنزاف المقاومة السنية العراقية من خلال تبديد مصادرها البشرية والمادية في الصراع مع الشيعة، حتى تنكسر شوكتها في الحرب الداخلية، وضرب المقاومة في مصداقيتها في الداخل والخارج، بالبرهنة على أنها قوى إجرامية تصوب أسلحتها تجاه المدنيين العراقيين العزل.

ثانيها: ضرب الإسلاميين الشيعة المتحالفين مع الولايات المتحدة تحالفا ظرفيا في مصداقيتهم السياسية، تمهيدا لتسليم الأمور إلى العلمانيين الشيعة الموالين لها بحق. فالأميركيون لا يريدون للإسلاميين الشيعة قوة إلا بقدر ما يوازنون بهم القوى السنية المقاومة.

ثالثها: دفع جماهير العرب السنة الحاضنة للمقاومة إلى التبرؤ منها، والترحيب بالاحتلال حاميا من حملات الثأر والانتقام الأعمى الذي تمارسه المليشيات الشيعية. ففي أجواء الحرب الأهلية الطاحنة ينحصر اهتمام الناس في حماية أرواحهم بأي ثمن، وينسون ما وراء ذلك.

وقد بدأ بالفعل تحقق بعض من هذا الهدف الأخير، فقد نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" منذ أسبوعين عن قائد عسكري أميركي، لم يفصح عن اسمه لأسباب مفهومة، أن تدمير قبة الإمام العسكري أثمرت "نتائج طيبة"، منها أن السنة المقاومين للاحتلال أصبحوا الآن يطالبون بمزيد من القوات الأميركية في مناطقهم، خوفا من الانتقام الشيعي ضد أرواحهم ومساجدهم.

وهل يتمنى أي احتلال أكثر من هذا: أن يصبح حامل السلاح في وجهه عائذا به من جاره وأخيه في الدين والموطن؟

وبذلك يتضح أن أهداف الحرب الأهلية المحدودة أهداف مركبة، كما يتضح أن من الخطإ ظن بعض الإسلاميين السنة أنهم وحدهم المستهدفون بالحرب الأهلية، إذ الإسلاميون الشيعة الذين تحالفوا مع الاحتلال مستهدفون أيضا، لأن من أهداف الحرب الأهلية المحدودة كسر شوكة الإسلاميين الشيعة، والكفكفة من مطامحهم في حكم العراق، تمهيدا لتسليم الأمور إلى العلمانيين الشيعة، الذين تثق فيهم الولايات المتحدة، ولا ينظرون بعين العطف إلى إيران، مثل إياد علاوي وأحمد جلبي.

"
بتلاقي الانتقامين الشيعة والتكفيريين السنة أصبح العراق على فوهة بركان يكاد يلقي بحممه على الجميع في حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس وتجعل بقاء المحتل أمنية الجميع، بعد أن كان الجميع مجمعين على رحيله
"
حصاد الثقافة الطائفية العليلة
لقد اقتحمت العراقَ بعد الاحتلال حشودٌ من الشيعة العراقيين الذين عاشوا في المنفى الإيراني عقودا من الزمن، تحت لواء "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" و"حزب الدعوة الإسلامية"، محملين بأثقال من روح الثأر والانتقام الأعمى.

وقد ارتكبت المليشيات التابعة لهذين الحزبين –ولا تزال ترتكب- فظائع ضد أهل السنة يندى لها الجبين، متسترة بستار وزارة الداخلية التي تسيطر عليها، أو بستار الشرطة والحرس الوطني.

وما ثَمَّ شرطة أو حرس وطني في العراق اليوم، وإنما هي مليشيات طائفية بغيضة تتسمى بذلك الاسم.

ثم تقاطرت على العراق أفواج من الشباب الجهاديين من كل حدب وصوب، وقد تشبع بعض هؤلاء الوافدين بنزعة طائفية بغيضة غذتها بعض حكومات الجزيرة العربية "السنية" في صراعها وصراع حلفائها الأميركيين مع الثورة الإيرانية خلال العقود الثلاثة الماضية، ولا يرى العديد من هؤلاء الشباب في الشيعة إلا كفارا باطنيين يريدون هدم الإسلام من الداخل.

وهذا منهج خطير من الناحية الشرعية، لأنه يحاكم الضمائر والسرائر، ويستبيح دماء أهل القبلة بغير حق، وهو منهج مرير الثمرات من الناحية السياسية، لأنه ينبني على نظرة سطحية للمجتمع العراقي المعقد في بنيته الطائفية والدينية والعرقية.

وبتلاقي الانتقامين الشيعة والتكفيريين السنة أصبح العراق اليوم على فوهة بركان يكاد يلقي بحممه على الجميع، في حرب أهلية هوجاء تأتي على الأخضر واليابس، وتجعل بقاء المحتل أمنية الجميع، بعد أن كان الجميع مجمعين على رحيله، وإن اختلفوا في وسائل تحقيق ذلك.

ولم يكن تفجير القبة الذهبية في سامراء على أيدي مجهولين سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، لكن البعير كان ينوء بحمله قبل ذلك بكثير، فقد تراكمت عوامل كثيرة جعلت الحرب الأهلية واردة في كل وقت بكل أسف.

وأهم هذه العوامل هو الثقافة الطائفية العليلة التي هي جذر الشر ومكمن الداء، ولولاها لما وجد المحتل صدعا يدخل منه ابتداء.

ويحتاج التخلص من هذه الثقافة إلى مراجعات فكرية وفقهية تميز بين المفهوم الشرعي والمصطلح التاريخي، وتتأكد من صحة المنطلقات البسيطة التي يتجاوزها بعض المسلمين أحيانا، مثل واجب منح الولاء لكل المسلمين.

فالولاء للمسلم لا يسقط إلا بسقوط أصل الإسلام، وهو لا يسقط حتى لو كان ذلك المسلم فاسقا أو مبتدعا في نظر أخيه المسلم. كما يستلزم التخلصُ من الثقافة الطائفية التحررَ من المصطلحات التاريخية التي أدت دورا وظيفيا في الماضي ثم أصبحت عبئا على العقل المسلم اليوم، مثل مصطلح "السنة" و"الشيعة"، و"السلفية" و"الصوفية".. الخ.

فالرجوع إلى التسميات القرآنية هو الذي يبدد هذه الغواشي، وقد سمانا الله عز وجل مسلمين: "هو سماكم المسلمين"، وهي تسمية أفضل شرعا ومصلحة من الاصطلاحات التاريخية المبتدَعة.

من المؤسف حقا أن بعض قادة الشيعة العراقيين قد كشفوا عن وجه طائفي، وبرهنوا على تواطؤ غريب، فقد كان السيستاني يعالج في بريطانيا -الدولة المحتلة للعراق- في وقت يخترق فيه رصاص المحتل قبة الإمام علي، ولم نر الشهامة الإيمانية والغيرة على المقدسات يومها، ولا سمعنا عن الانتصار للأئمة الأطهار الذي نسمع عنه اليوم حينما استهدف مجهول القبة الذهبية في سامراء.

لكن السنة العراقيين ومن التحق بهم يرتكبون خطأ لا يقل فداحة إذا صوبوا سلاحهم إلى صدور الشيعة العراقيين، مهما يكن تواطؤ بعضهم مع الاحتلال ودعمهم له.

ليس من ريب في أن الشيعة العراقيين عانوا الكثير في ظل نظام صدام وحزب البعث، لكن الوقائع تشهد أن أغلب أعضاء حزب البعث كانوا شيعة كما برهنت على ذلك دراسة أصدرتها مؤخرا "لجنة الأزمات الدولية".

كما أن صدام الذي ذبح أبناء عمومته وأزواج بناته، لم يكن مواليا لطائفة ولا لجماعة بعينها، ولا كان مدفوعا بدافع التسنن أو التشيع، بقدر ما كان مدفوعا بدافع حب العرش والتضحية بالعراق في سبيله.

فتحميل السنة العراقيين المسؤولية عن فظائع نظامه ظلم لهم ينضاف إلى ظلم صدام والاحتلال لهم، لكن قادة "حزب الدعوة" و"المجلس الأعلى" المشبعين بروح الثأر لا يهمهم العدل والإنصاف، بل الهيمنة والتصفية والاستحواذ.

"
الحرب الأهلية التي يلعبها البعض اليوم لعبة خطرة يسهل الدخول فيها ويعسر الخروج منها، ولا أحد يتحكم في مآلها حينما تبدأ طواحينها المشؤومة تطحن الهامَ والرؤوس
"
ضرورة الحوار مع الأقربين
لا يعني الوصف أعلاه أن الحالة العراقية أصبحت ميؤوسا منها، وإنما يعني أن المبادرة بإنقاذ ما يمكن إنقاذه متعينة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

ولما كان التعويل على الحكومات العربية المسلوبة الإرادة غير عملي، فإن الهيئات الشعبية تستطيع بذل جهد فعال في هذا المضمار، أكثر من التباكي على ضياع العراق ودماره.

لقد كان الأولى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين –كما كتب الأستاذ فهمي هويدي بحق- أن يدعو إلى مؤتمر لإنقاذ العراق، ووقف نزيف الدم العراقي، بدلا من الدعوة إلى مؤتمر عالمي حول الكاريكاتير الدانماركي.

فرغم أهمية موضوع تلك الرسوم المسيئة، فإن بذل الجهد في ردود الأفعال على ما ينشر في الإعلام الغربي استنزاف وتبديد لا يتناسب مع مسؤوليات قادة العلم والرأي في هذا الظرف الدقيق من تاريخ العالم الإسلامي.

فالإعلام الغربي يطبق على المسلمين نظرية "الاستجابة الشرطية" التي صاغها عالم النفس الروسي بافلوف، فهو يستفزهم من وقت لآخر، حتى يشغلهم عن التخطيط الاستراتيجي والعمل المنهجي، ويستنزفهم في ردود الأفعال الغاضبة التي تفور فجأة ثم سرعان ما تذبل وتتلاشى.

ولن يعدِم خبراء الإعلام والحرب النفسية مثيرا آخر يستفزون به القوى الإسلامية، حتى تتبصر تلك القوى، وتعرف كيف وأين تضع جهدها تبعا لغاياتها، لا تبعا لاستفزاز المستفزين.

أتمنى أن يتحرك الاتحاد وغيره من الهيئات الإسلامية والمنظمات الشعبية المستقلة التي تحمل هم الأمة إلى ساحة العراق، وتسعى إلى تنظيم لقاءات أخوية بين آية الله علي السيستاني وغيره من مراجع الشيعة وبين هيئة علماء المسلمين السنية، لمدارسة السبل الكفيلة بتفادي الكارثة المطلة برأسها على العراق اليوم.

كما أتمنى أن يتحرك الاتحاد وغيره إلى الساحة الإيرانية، ويفتحوا حوارا بناء مع القيادة الإيرانية حول العراق.

فهل يعقل أن تتحاور إيران وأميركا حول مصير العراق، ثم لا يتحاور العراقيون حول مصيرهم، ولا يتحاور المسلمون المهتمون بشأن بلاد الرافدين مع قيادة الثورة الإسلامية في إيران حول العراق؟

ويحتاج أي حوار من هذا القبيل إلى رؤية عملية لمستقبل العراق تشمل:

• اعتبار الحرب الطائفية خطا أحمر لا يجوز الاقتراب منه تحت أي ذريعة.

• احترام بيوت الله وإبعادها عن الصراع السياسي والعسكري، حتى تظل ملاذا آمنا للجميع.

• تقاسم المناصب بتوازن في وزارات السيادة المسؤولة عن الجيش والأمن والقرار السياسي.

• بناء فدرالية تسع الجميع وتحفظ لهم خصوصياتهم العرقية والثقافية والمذهبية.

• حل المليشيات الطائفية القادمة من وراء الحدود، إذ لا أمل في التعايش دون تفكيكها.

• تعاضد جهد الجميع على رحيل الاحتلال واستبداله بقوى دولية تعين العراق على بناء ذاته.

ويبقى من حق الشيعة العراقيين أن يطالبوا بتمثيل في حكم بلدهم يتناسب مع كمهم العددي، لكن ليس من حقهم محاولة الهيمنة وتغيير البنية الاجتماعية والثقافية للعراق، أو التواطؤ في استهداف إخوانهم السنة، وتحميلهم مسؤولية ظلم نظام صدام الذي عانوا منه كما عانى غيرهم من أبناء العراق.

كما يبقى من حق السنة العراقيين أن يدافعوا عن أرضهم، ويرفضوا الذلة التي ضربت عليهم بعد عزة، والتهميش الذي يراد لهم بعد صدارة، لكن ليس من حقهم استهداف المدنيين الشيعة أو تكفيرهم، وكل فعل من ذلك القبيل جناية على مستقبل العراق بكافة طوائفه، وطعن لأمة الإسلام في خاصرتها..

ولعل الأميركيين يفهمون بعد استنزاف ما يكفي من الدم والمال في حرب عبثية، مبنية على الكذب والتدليس، أن من الخير لهم الانسحاب من العراق قبل أن ينهدم البيت على ساكنيه ومقتحميه.

إن لعبة الحرب الأهلية التي يلعبها البعض اليوم لعبة خطرة، يسهل الدخول فيها ويعسر الخروج منها، ولا أحد يتحكم في مآلها حينما تبدأ طواحينها المشؤومة تطحن الهامَ والرؤوس.

والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

المصدر : الجزيرة

التعليقات