نواف الزرو

- خطة مبيتة
- إعادة إنتاج غزة أولا

"الانفصال عن الفلسطينيين".. المسألة ليست انتخابية على الإطلاق، كما أنها ليست مؤقتة عابرة بلا رصيد ونوايا حقيقية للتطبيق، وإنما هي بمنتهى الجدية وتقف وراءها خطة كاملة متكاملة مبيتة وتحظى بشبه إجماع سياسي إسرائيلي، وقد انطلقت حمى تحقيقها في عهد شارون، وحسب المعطيات سيواصل خليفته أولمرت متابعة التطبيق على الأرض.

"
ترسيم الحدود وفرضها وفقا للرؤية الثنائية لكل من أولمرت وموفاز لن يتم عبر مفاوضات حقيقية مع الفلسطينيين وإنما عبر إجراءات أحادية الجانب كما خطط البلدوزر بالضبط
"
الانفصال عن الفلسطينيين
في هذا السياق الانفصالي الأحادي الجانب وعلى خلاف نهج الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل في التهرب دائما من مسألة رسم حدود الدولة الصهيونية، فقد سمعنا تصريحات وتحليلات إسرائيلية عديدة في الأيام الأخيرة تتحدث عن "الانفصال عن الفلسطينيين" وكذلك عن ترسيم حدود إسرائيل خلال العامين القادمين أو ربما حتى العام 2010 كما أعلن أيهود أولمرت المرشح القوي لرئاسة الحكومة الإسرائيلية بعد الانتخابات.

وكان أولمرت قد أعلن في السابع من الشهر الجاري قائلا:

"سوف ننفصل عن السكان الفلسطينيين في يهودا والسامرة.. مما يتطلب منا التخلي عن مناطق توجد فيها إسرائيل اليوم.. وتوجهنا واضح: إننا سوف ننفصل عن الفلسطينيين من أجل تثبيت الحدود الدائمة لإسرائيل".

وعلى نحو مكمل أعلن وزير الحرب الإسرائيلي شاؤول موفاز خلال جولة له في غور الأردن رؤيته للخريطة الجيوسياسية الإسرائيلية كما يلي: "خلال عامين ستقرر الحكومة الإسرائيلية الحدود الدائمة للدولة وستعمل على تحقيقها".

أما عن ماهية ومضامين ومساحات هذه الحدود الأولمرتية –الموفازية فهنا بيت القصيد ومكمن الخطر الداهم على الضفة الغربية والقدس.

فبينما أعلن أولمرت شارحا هذه التفاصيل بمنتهى الوضوح قائلا: "سوف ندخل إلى تكتلات المستوطنات المركزية وسنحافظ على القدس الموحدة، وستكون معاليه أدوميم وغوش عصيون وأرئيل جزءا من دولة إسرائيل، كما لا يمكن التخلي عن السيطرة على غور الأردن على الحدود الشرقية لدولة إسرائيل".

كان موفاز أوضح في رؤيته التي تبين لنا تلك النوايا والمخططات الاحتلالية المبيتة تجاه الضفة ومستقبلها السياسي حيث أعلن بدوره ما يمكن أن نسميه بيانه السياسي إذ قال "بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية القادمة ستقرر الحكومة حدود إسرائيل الدائمة التي ستستند إلى غور الأردن وتكتلات المستوطنات التي تضم: القدس ومعاليه أدوميم وغوش عصيون وأرئيل وريحان شيكد وعوفريم وغور الأردن، وهذه هي المستوطنات التي ستحدد حدود إسرائيل".

وبما أن هذا الثنائي أولمرت وموفاز سيكونان وفقا للقراءات والاستطلاعات الإسرائيلية على رأس الحكومة الإسرائيلية القادمة على الأرجح، فإن الخريطة الجيوسياسية المبيتة المعدة للضفة الغربية تغدو ملامحها واضحة لنا وهي تستمد خطوطها ومضامينها ومساحاتها الأساسية في الأصل والجوهر من مشروع شارون المعروف بـ"فك الارتباط أو الانفصال عن الفلسطينيين".

والواضح أن ترسيم الحدود وفرضها وفقا للرؤية الثنائية المشار إليها لن يتم بالتأكيد الجازم عبر مفاوضات حقيقية مع الفلسطينيين وإنما عبر إجراءات أحادية الجانب كما خطط البلدوزر بالضبط.

يشرح لنا الجنرال موفاز هذا السيناريو كما يلي: "إن الأولوية هي لترسيم الحدود بالاتفاق مع الفلسطينيين ولكن إذا لم تكن هناك إمكانية للوصول إلى الحدود الدائمة بالاتفاق معهم فنحن سوف نفعل ذلك بطريقة أخرى ليس من السليم الإفصاح عنها الآن.

فلا يمكن أن ننتظر أحدا يملي علينا مصيرنا وخلال سنوات قليلة سوف تتحدد حدود إسرائيل الدائمة".

وأكد موفاز على نحو خاص "أن غور الأردن سيبقى جزءا من خارطة مصالح دولة إسرائيل وعلينا أن نعمل من أجل تعزيزها وتوطينها وسيكون الغور جزءا من إسرائيل مهما كان الوضع الذي سينشأ".

ولكن بما أنه عمليا لن يوافق فلسطيني على الخريطة الأولمرتية-الموفازية أعلاه فإنه من المنتظر أن تسير الأوضاع الفلسطينية بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية القريبة حسب خريطة شارون للتسوية ويمكن أن يكون ذلك بتعديلات وأدوات أولمرتية–موفازية مشتركة.

وكل المعطيات هناك على المستوى الفلسطيني والإسرائيلي تشير إلى هذه الحقيقة الكبيرة، فهناك من جهة أولى شبه إجماع سياسي إسرائيلي على عدم التعامل مع أي حكومة فلسطينية قادمة تشارك فيها حماس إذا لم تلب الشروط والاشتراطات الإسرائيلية–الأميركية في مسائل "الاعتراف بإسرائيل ونزع الأسلحة وشطب الثوابت من الميثاق الحماسي والاعتراف بخارطة الطريق".

"
خطة فك الارتباط الشارونية تشكل ذروة حرب الإبادة السياسية التي شنها شارون على الشعب العربي الفلسطيني، حيث إنه لم يخف أبدا نواياه وأهدافه الحقيقية
"
وطالما أن حماس لن تلبي هذه المطالب كما هو واضح ومؤكد فإننا مقبلون على سيناريوهات صدامية تفجيرية وربما على انتفاضة فلسطينية ثالثة. والمسألة تبقى مسألة وقت.

يؤكد يوسي بيلين ذلك في مقالة له نشرت في صحيفة هآرتس العبرية قائلا "إذا ما تبين لنا أنه ليس هناك شريك فلسطيني للتوصل إلى تفاهمات حول أهدافنا فإن إسرائيل ستقرر اتخاذ خطوة أحادية الجانب كبيرة يتم بموجبها انسحاب أحادي الجانب".

أما الأهداف الأمنية–السياسية التي حددها بيلين فهي: "تقسيم الأرض وإنهاء الاحتلال في المرحلة القادمة، والتوصل إلى اتفاق سلام إسرائيلي–فلسطيني يؤدي إلى الاعتراف بإسرائيل باعتبارها البيت الوطني للشعب اليهودي والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والاعتراف بالحدود الدائمة لإسرائيل وحل مشكلة اللاجئين بدون "حق العودة" لإسرائيل، وإنهاء المطالب المتبادلة، وكذلك ضمان أن تنتهج الدولة الفلسطينية حياة ديمقراطية مستقرة تمنع أي محاولة للمس بإسرائيل، إضافة إلى التعاون الأمني والاقتصادي والثقافي وفي مجالات أخرى مع الدولة الفلسطينية العتيدة".

الواضح أن بيلين يحاول "الغمغمة" على مواقفه الحقيقة اتجاه تكتلات المستوطنات ورسم الحدود، في حين يؤكد أن الأمور تسير باتجاه أحادية الجانب طالما ليس هناك شريك فلسطيني.

يتبين لنا بمنتهى الوضوح أن البلدوزر الصهيوني لن يتوقف عمليا في ضوء هذه الخريطة أعلاه في المرحلة القادمة بعد الانتخابات الإسرائيلية عند أية خطوط حمراء ولا حتى خضراء ولا صفراء، وسيواصل الاجتياح والمصادرات وبناء المستوطنات.

وإن دولة الاحتلال ستواصل "فك الارتباط أحادي الجانب" بلا شريك فلسطيني، وستحرص كل الحرص على عدم وجود شريك كهذا، وهو عمليا لن يوجد وفق المقاييس الإسرائيلية أعلاه.

ونقول إننا ما دمنا نتابع ذلك الإجماع السياسي الإسرائيلي على أن تراث شارون السياسي الإستراتيجي هو الذي سيسود المشهد السياسي الإسرائيلي على الأقل في المرحلة المنظورة بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، فإنه يغدو من الجدير بنا أن لا ننسى جرائم الأمس الشارونية/الصهيونية بحقنا وأن نتوقف دائما أمام المضامين الجوهرية للتراث الشاروني المتعلق بالشعب الفلسطيني ووجوده وحقوقه في فلسطين بوجه خاص والتي كثفها لنا شارون نفسه في خطته للانفصال عن الفلسطينيين.

إعادة إنتاج غزة أولا
ففي الجوهر والصميم والتطبيقات والتداعيات على الأرض الفلسطينية، فإن خطة "فك الارتباط" الشارونية كانت ولا تزال بلا شك إعادة إنتاج لخيار المشروع القديم الجديد المتجدد الذي يطلق عليه اسم خيار "غزة أولا"، والذي ركبت عليه بعد ذلك تسميات أخرى مثل "غزة-أريحا أولا"، أو "غزة-بيت لحم أولا"، أو "غزة-الخليل" أولا، أو "الدولة المؤقتة".. الخ.

فشارون هو صاحب فكرة دويلة فلسطينية في غزة أولا ولكن، عن أي دويلة نتحدث أو تحدث شارون ويتحدث أولمرت؟ إنها بعبارة مكثفة جدا.. جدا: دويلة المعازل و"البانتستونات" العنصرية و"معسكرات الاعتقال" الجماعية.

وفي الجوهر والصميم والتداعيات الحقيقية فإن خطة "فك الارتباط" الشارونية إنما تشكل ذروة حرب "الإبادة السياسية" التي شنها شارون على الشعب العربي الفلسطيني، حيث إنه لم يخف أبدا نواياه وأهدافه الحقيقية.

فقد أعلن أكثر من مرة وبمنتهى الوضوح أن خطة "فك الارتباط" -التي وصفها بأنها صفقة الرزمة التاريخية مع الإدارة الأميركية- تشكل ضربة قاضية للفلسطينيين، وأنها خطوة وقائية ضد خطط ومشاريع الآخرين، وأنها تنطوي على لاءات أساسية كبيرة هي: "لا للتفاوض مع الفلسطينيين" و"لا للمشاريع السياسية الدولية"، و"لا لاستمرار الوضع الراهن".

وكان شارون قد شرح أهم مضامين خطته في مقال نشره في صحيفة معاريف العبرية مؤكدا للإسرائيليين "أن خطة فك الارتباط تخلق تغييرا إستراتيجيا في التوازن السياسي في المنطقة، إذ تبادر إسرائيل إلى خطوة تمكنها من الحفاظ على احتياجاتها الأمنية، وعلى الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، وعلى قدس موحدة وكبيرة".

"
خطة فك الارتباط ما هي سوى إعادة إنتاج لخيار غزة ودويلة المعازل الفلسطينية وما هي سوى نصب واحتيال سياسي على العرب والعالم كله
"
وأضاف "ستمنحنا خطة فك الارتباط حرية العمل الواسع في محاربة الإرهاب من خلال دعم دولي لم نشهد مثله في الماضي، وستمكننا من تسريع بناء الجدار بمسار يحافظ على المصالح الأمنية لإسرائيل ويحمي أكبر عدد من الإسرائيليين. وفي المقابل سنحافظ على سيطرتنا على كافة المنافذ والمعابر المؤدية إلى قطاع غزة من أجل منع تهريب الأسلحة، وسنعيد الانتشار حولها بشكل يمكننا من ضرب الإرهاب أيضا من داخل القطاع".

المؤرخ الإسرائيلي شلومو زاند يشرح لنا النوايا الحقيقية وراء خطة الفك والانفصال مؤكدا "أن شارون يضمر إعادة الانتشار في غزة ليبقى عشرين سنة أخرى في الضفة".

أما ترجمة كل ذلك على الأرض الفلسطينية في غزة والضفة فكانت ولا تزال مستمرة بالخطوط والعناوين الأساسية التالية:

أولا: إسرائيل تواصل سيطرتها على المعابر البرية وعلى المياه الإقليمية وعلى الأجواء.. كما ستمنع بناء أي ميناء بحري في غزة وفتح مطار الدهينة.. أي أن القطاع سيبقى تحت الطوق البري والبحري والجوي الإسرائيلي، وليطلق العرب والعالم بعد ذلك على الكيان الفلسطيني داخل هذا الطوق ما يشاءون: دولة مستقلة أو دويلة أو إمبراطورية.. الخ.

ثانيا: أما في الضفة الغربية فإن تبني خطة فك الارتباط عربيا ودوليا سيعني على الأرض الاستمرار في بناء الجدار العنصري وتكريس تقسيم جسم الضفة جغرافيا وسكانيا، وضم التكتلات الاستيطانية للسيادة الإسرائيلية، وتكريس ضم القدس موحدة وعاصمة يهودية لدولة إسرائيل إلى الأبد.

والأخطر هو اعتقال الشعب الفلسطيني في إطار معسكرات الاعتقال بين الجدار والنهر.

فخطة "فك الارتباط" ما هي سوى إعادة إنتاج لخيار غزة ودويلة المعازل الفلسطينية وما هي سوى نصب واحتيال سياسي على العرب والعالم كله.

في ضوء كل ذلك فإنه لمن الجدير بالذكر أن نقرأ في الاستخلاصات المفيدة ما يضمره لنا أولمرت في برنامجه وتصريحاته السياسية الخادعة، فهو يتحدث بلغة شارونية واضحة عن "الانفصال عن الفلسطينيين" ضمن منهجية الحصار والعزل والاعتقال الجماعي في معسكرات الاعتقال وعن دويلة المعازل الفلسطينية ولا يتحدث عن الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.

وتبقى الحاجة الفلسطينية هنا دائما إلى خطاب وموقف عربي آخر يعزز الموقف الفلسطيني ويتلاحم معه بصورة جادة وحقيقية ومشرفة.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة