الطيب بوعزة

كاتب مغربي

تذهب مختلف الكتابات الدارسة للتاريخ الغربي، عند بحث لحظة التنوير ودرس التحولات الكبرى المؤسسة للانتقال المجتمعي إلى الحداثة، إلى تحديد لحظات التحول في ثلاث ثورات كبرى هي: الثورة الإنجليزية (1688)، والثورة الأميركية (1776)، والثورة الفرنسية (1789). بيد أنني أرى أن هذا التقليد المتداول في الكتابة التاريخية يحتاج إلى تعديل وتصحيح، لأن الثورة الأميركية لا تستحق أن تكون إنجازا يعبر عن لحظة تحول بحجم التحول الثقافي الذي أنجزته الثورة الفرنسية مثلا.

وإذا كان لابد من تسجيل الثورة الأميركية فلابد في المقابل من تسجيل كل الثورات التي شهدها عصر الأنوار، لأنه ليس ثمة مبرر للاقتصار على تسجيل ثلاث ثورات فقط وتغييب غيرها، إذ إن هناك ثورات منسية تناسب محدودية القيمة الثقافية للثورة الأميركية، مثل الثورة البلجيكية التي اندلعت سنة 1787 وامتدت إلى سنة 1790.

"
الثورة الأميركية بحجمها المحدود وأهدافها القزمة تجسد طبيعة العقلية الأميركية بامتياز، إنها تجسيد لعقلية براغماتية تقوم على معيار الربح الاقتصادي والحسابات المادية
"
كما أن هناك ثورات أكبر، من حيث دلالتها وحمولتها الثقافية، بالمقارنة مع الثورة الأميركية مثل الثورة السويسرية (1766 و1781) التي كان لها رواد ومنظرون، لا أقصد فقط روسو – الذي كان من مواليد جنيف- بل ثمة رواد سويسريون مثل بورلماكي الذي استفاد منه روسو نفسه.

إن هذه الثورة السويسرية المنسية في الكتابة التاريخية المتناولة لعصر الأنوار، هي في نظري الرافد الأساس للثورة الفرنسية نفسها، ليس فقط لأن روسو كان بنظريته عن العقد الاجتماعي أحد أهم منظري هذه الثورة، بل لأنه هو نفسه استمد أفكاره من مصدر مرجعي غالبا ما يتم نسيانه، أقصد المفكر السويسري بورلماكي.

هذا فضلا عن أن اندلاع الثورة السويسرية سينتج عنه نفي لزعمائها (كاستيلا، ريباز، إيتيان دومون) الذين سيقيمون في فرنسا حيث سيكون لهم دور مؤثر في ثورتها.

لذا بناء على ما سبق نرى أن الكتابة التاريخية التي تتكلم عن عصر الأنوار، مدرجة الثورة الأميركية ضمن معالمه التاريخية المميزة، كتابة قاصرة عن الإحاطة بحقيقة التحولات السياسية التي شهدها التاريخ الغربي، وتحديد مراتب أحداثه.

فما الثورة الأميركية إلا حدث استقلال سياسي لم تكن له نظرية ولا أدنى إسهام فكري في الفلسفة الأنوارية.

وللاستدلال على هذه الأطروحة سأسعى في هذه المقالة إلى استحضار لحظة حدوث الثورة الأميركية وبحث خصائصها لنتحقق من محدودية قيمتها التاريخية والثقافية.

لقد كانت الثورة الأميركية في مبتدئها حركة احتجاج على الضرائب، حيث أثقلت بريطانيا مستعمراتها الأميركية بشتى أنواع الالتزامات الضريبية.

وبالنظر إلى الفترة التاريخية التي سبقت الثورة نجد مجموعة من الضغوط الاقتصادية مارسها التاج البريطاني على مستعمراته، فمراجعة قانون الملاحة الصادر سنة 1651، والتعديلات التي أجريت عليه سنة 1660 ثم سنة 1663 تظهر أن إنجلترا وصلت إلى حد تحديد نوعية المواد المسموح بإنتاجها من قبل المستعمرات، كما كان قانون 1730 منعا لكل المستعمرات من إصدار عملة ورقية خاصة بها.

بل إن الأمر وصل إلى حد وضع قانون الميلاس سنة 1733 الذي منعت بريطانيا بموجبه مستعمراتها الأميركية من المتاجرة مع غيرها من الدول.

وتزايدت الضغوطات الاقتصادية من قبل بريطانيا وتتالى إصدار الضرائب الجديدة، فكانت ضريبة عام 1767 التي فرضت على المواد المصدرة إلى المستعمرات ومنها مادة الشاي، الأمر الذي أدى إلى احتجاجات وانتفاضات شعبية ودعوة إلى مقاطعة البضائع البريطانية.

"
الثورة الأميركية لم تكن ثورة بالمدلول الفلسفي والتاريخي للثورات، إذ لم تحمل أي قطيعة معرفية أو تحول فكري أو انقلاب جذري في نظم الاجتماع والاقتصاد، بل هي من هذه الناحية استمرار أكثر منها تحولا
"
ولما تراجع التاج البريطاني عن هذه الضريبة استثنى مادة الشاي فانفجر الوضع مرة أخرى، وتم إتلاف حمولات بعض السفن، وكان هذا الحدث علامة فارقة في تاريخ القارة الأميركية إلى درجة أن جون آدمز (الذي سيصبح لاحقا ثاني رئيس للولايات المتحدة) وصفه بكونه حدثا ملحميا، حيث يقول في مذكراته "لقد ألقي في الليلة الماضية بثلاث حمولات سفن شاي الصين في البحر، إن إتلاف الشاي عمل في غاية الجرأة والشجاعة والحسم، إلى درجة أستطيع أن أصفه معها بكونه صفحة ملحمية في تاريخنا".

وكان رد فعل البرلمان البريطاني موغلا في الصلف، حيث أصدر خمسة قوانين جائرة، منها أمر بإغلاق ميناء بوسطن بأكمله وعدم فتحه إلا بعد دفع ثمن الشاي. فقامت المستعمرات بمقاطعة تجارية لبريطانيا وتطور الأمر إلى احتكاكات عسكرية انتهت بإعلان الاستقلال.

هذه هي ملحمة الثورة الأميركية التي كان لكيس الشاي فيها نفس الدور الذي كان للكتاب في غيرها من الثورات.

وبذلك يتأكد ما أشرنا إليه ابتداء، وهو أن هذه الثورة مجرد مطلب استقلال، ولم تكن تحولا من أجل تغيير اقتصادي أو اجتماعي أو ديني كما هو حال كثير من الثورات، وإن نتج لاحقا عن هذا الاستقلال، انتظام تلك المستعمرات في شكل دولة اتحادية أسهمت أقدار التاريخ في نقلها من مجرد حديقة خلفية لبريطانيا إلى قوة عظمى.

واضح أن ذلك تطور يستجيب لشروط ومحددات أخرى، وليس مستبطنا من حدث تلك الثورة بحد ذاتها.

وإذا كانت الثورة البلشفية مثلا تغييرا ثقافيا هائلا أحدث نقلة في النظام السياسي والثقافي الروسي، لحقه تبديل في نظم العيش الاقتصادي وقيم العلاقات الاجتماعية، بالانتقال من النظام المجتمعي الإقطاعي إلى النظام الاشتراكي، وإذا كانت الثورة الفرنسية تشكل أيضا تحولا هائلا على مستوى الثقافة والاجتماع، فإن الثورة الأميركية لم تكن بهذه الجذرية والشمول، بل كانت ثورة من أجل الحرية السياسية بمدلولها الضيق، أي الاستقلال عن بريطانيا، حيث لم يزد سقف مطالبها عن الاستقلال.

فهي لم تكن ثورة فكرية شاملة ولا حتى انقلابا في نظم إدارة الاقتصاد والمعاش المادي، بله أن تكون تبديلا في قيم ثقافية أو اجتماعية.

والثورة الأميركية، بحجمها المحدود وأهدافها القزمة هذه، تجسد في نظري طبيعة العقلية الأميركية بامتياز، إنها تجسيد لعقلية براغماتية تقوم على معيار الربح الاقتصادي والحسابات المادية.

ومن ثم فإن هذه الثورة التي يُتحدث عنها في بعض الكتابات التاريخية بانبهار، هي أقل من أن تساوي ثورة كبرى، لأنها سواء في بواعثها وأسبابها أو في مطالبها وأهدافها لم تكن سوى ثمرة نظرة التاجر، ولم تكن ثمرة نظرة الفيلسوف.

"
الثورة الأميركية لم تنجز سوى فك ارتباط سياسي وتخليص للمستعمرات من أداء الضرائب للتاج البريطاني، ولهذا فهي في المحصلة النهائية صرخة الجيب وحافظة النقود لا صرخة العقل والتفكير
"
إذا كانت الثورة الفرنسية ثمرة رؤى ونظرات فولتير وروسو ومونتيسكيو. وإذا كانت الثورة البلشفية، من حيث أساسها النظري والفلسفي، ثمرة ماركس وإنجلز ولينين، فإنك في بحثك في التاريخ والثقافة الأميركية لن تجد رجالا بهذا الحجم الفكري أسسوا للثورة الأميركية، لأنها أصلا لم تكن ثورة صاحب فلسفة أو نظرة فكرية، بل كانت انتفاضة التاجر وصرخة المستهلك.

لذا نرى أن الثورة الأميركية ليست مؤشرا على حدوث تحول ثقافي، بل حتى لو أتينا إلى النصوص السياسية الكبرى التي ارتكزت عليها الثورة الأميركية، وخاصة نص توماس بين (Thomas Paine Common Sens)، سنلاحظ أن المرجعية الفلسفية لثورة الاستقلال لم تكن مستقلة عن بريطانيا. بل كانت مستمدة من الفكر البريطاني تحديدا الذي جاءت هذه الثورة لتحقيق الاستقلال عن إطاره الجيو سياسي، فنص بين (Paine) يرتكز كما هو معلوم ارتكازا تاما على الفيلسوف البريطاني جون لوك.

لهذا يحق لنا أن نقول إنها لم تكن ثورة بالمدلول الفلسفي والتاريخي للثورات، فلم تحمل أي قطيعة معرفية أو تحول فكري أو انقلاب جذري في نظم الاجتماع والاقتصاد، بل هي من هذه الناحية استمرار أكثر منها تحولا.

وتلك الثورة لم تنجز سوى فك ارتباط سياسي، وتخليص للمستعمرات من أداء الضرائب للتاج البريطاني، ولهذا فهي في المحصلة النهائية صرخة الجيب وحافظة النقود لا صرخة العقل والتفكير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك