راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية


منذ أن تمكن المشروع الغربي من إرساء الكيان الصهيوني خنجرا في قلب أمة العرب والمسلمين استهدافا لها بالتفكيك والتذرير، وإحباطا لكل مشاريع نهوضها، أيّا كان لونها الأيديولوجي، تحولت قضية الصراع مع هذا الكيان الدخيل إلى القضية المركزية للأمة.

فانخرطت معه الأمة في تحد وجودي، شأن كل جسم يقتحمه كيان غريب عنه لا مناص له من مجابهته حتى طرده وتعافي الجسم منه، فيستأنف وظائفه أو يفشل في ذلك متصورا إمكان التعايش معه فيأخذ طريقه إلى التلاشي والهلاك.

وبسبب الموقع الإستراتيجي لهذا القطر ولهذه القضية غدا كل حدث يحصل هنا يأخذ أبعادا دولية أو إقليمية مثل الانتخابات الأخيرة التي حققت فيها الحركة الإسلامية حماس نجاحا باهرا كان له مثل وقع الزلزال، واحتل الخبر الأول في كل صحف العالم.

كما غدا شعار تحرير فلسطين من الاحتلال المحك الذي امتحنت على صخرته الزعامات والأحزاب والإيديولوجيات وذلك منذ النكبة.

الثابت أن قضية فلسطين منذ الاحتلال قد رفعت أيديولوجيات ودولا وأحزابا وزعامات يوم رفعوا لواء تحريرها، حتى إذا سقطت الراية من أيديهم انصرفت الأمة عنهم، بل ربما لعنتهم وانقضّت عليهم، وولت وجهها شطر غيرهم من المترشحين الجدد.

ارتفعت رايات القومية وزعماؤها يوم تصدوا للمهمة ثم انصرفت الأمة عنهم لا تلقي لهم بالا بعد سقوط الراية من أيديهم واتجهت صوب الزعامات الوطنية الفلسطينية رافعي راية الدولة العلمانية الديمقراطية من البحر إلى النهر فالتفت حولهم، حتى إذا وهن عزمهم بعد تغير المناخ وموازين القوة لغير صالحهم فأخذوا يساومون على الأصل.

"
قضية فلسطين منذ الاحتلال رفعت أيديولوجيات ودولا وأحزابا وزعامات يوم رفعوا لواء تحريرها، حتى إذا سقطت الراية من أيديهم انصرفت الأمة عنهم، بل ربما لعنتهم وانقضّت عليهم
"
نفضت اليد منهم وهم ينخرطون في مسلسل من التنازلات كل سقف يفضي إلى ما هو أدنى منه، محكومين بفكرة إنقاذ ما يمكن إنقاذه بدل الصمود حتى تغيير الموازين.

لقد سلموا أمرهم لقمة سائغة لعدو شرس ماكر لا حد لأطماعه، ولا يجدون من يجيرهم منه غير حلفائه الإستراتيجيين من الأوروبيين الذين غرسوا هذا الكيان في قلب أمة العرب والمسلمين ودأبوا مع الولايات المتحدة على رعايته ومده بكل أسباب الحياة بل والتفوق على كل دول المنطقة.

لقد تحول مؤسسو الكيان الصهيوني وحماته لدى منظمة التحرير وسطاء وشفعاء ورعاة صلح وتسويات، فكان من الطبيعي أن ينتهي الأمر إلى ما انتهى إليه من تحول المنظمة العتيدة أغنى وأقوى منظمة تحرير في العالم، بعد أن قدمت قوافل من الشهداء وصاغت الوطنية الفلسطينية، والجم الغفير من قادتها إلى مديري شبكات نهب للمساعدات الخارجية يؤسسون لاحتكارات كبرى هم فيها شركاء للرأسمالية اليهودية غير متعففين حتى عن بيع الإسمنت لبناء المستوطنات وجدار التمييز العنصري.

كما تحول القطاع الأوسع من مجاهدي الأمس إلى شبكات وأجهزة أمنية تتصيد الجيل الجديد من المجاهدين تلاميذ أحمد ياسين والشقاقي الذين أقدموا على حمل الراية التي سقطت فرووها بفيض من الدماء والتضحيات البطولية.

التفت الجماهير حولهم وزادت طهارة أيديهم المتوضئة الناس تعلقا بهم مقابل غرق الجم الغفير من جيل المنظمة العتيدة في المغانم، أسوة بنظرائهم من الدول المتخلفة الفاسدة المترفة، حتى قبل أن يعترف لهم بدولة، اللهم عدا الألقاب المفرغة من كل محتوى سيادي.

فتراهم يتجولون في سياراتهم الفارهة، متنقلين عبر البوابات الصهيونية الخانقة بين أشلاء وطن مزقه الاحتلال إلى كانتونات، حاملين الأذون الخاصة بينما شعبهم يتجرع الغصص بين المعابر ويشاهد كل يوم مزيدا من الإذلال والتجويع والموت الزؤام.

لقد حالت الأسوار العالية بين الفلاح وحقله، ممن بقي له حقل، وبين التلميذ ومدرسته وبين المريض ومشفاه.. كل ذلك والحديث عن مفاوضات لا تنتهي مستمر.

وعندما يقرر العدو وقفها بذريعة انعدام الشريك الفلسطيني الكفؤ واصما "السلطة" بالإرهاب، ويهدد بقطع المساعدات عنها والمبادرة بالتصرف من طرف واحد لفرض أمر واقع وكأن "السلطة" غير موجودة وما وقع معها من اتفاقات لم يكن، تظل هذه الأخيرة تردد ببغاوية شديدة تمسكها بتلك الاتفاقيات الملغاة والبحث عن أي سبيل لاستئناف مفاوضات لا تنتهي ولا يحترم الطرف الآخر نتيجة من نتائجها.

بل يمضي قدما مغذا السير في طريق بناء المزيد من المستوطنات وتوسيعها وشق الطرقات الالتفافية وتمزيق ما تبقى من الوطن، ويواصل الجدار اللعين سيره لا يبالي بقانون دولي ولا باتفاقات موقعة، ويتضاعف التجريف ونهب المياه وابتلاع القدس، فعن أي "سلطة" يتحدث هؤلاء وعن أي دولة وعن أي تفاوض وكبير مفاوضين أو صغيرهم وعن أي وزراء وسفراء ووكلاء؟

"
الغرب الذي يبشر بالديمقراطية فرض عليه فوز حماس أن يخضع مرة أخرى للامتحان في قيمه وأخلاقه كما امتحن في أبو غريب وغوانتانامو والرسومات الدانماركية ليشهد على نفسه بتورطه في ازدواجية المعايير إلى حد الإفلاس الخلقي
"
شعب فلسطين لم ير من الدولة غير وجهها الترفي القمعي مقابل الهوان والذلة أمام العدو، فهل من عجب إن تمكن أبناء الإسلام من إخراج شعب فلسطين بل أمة العرب والمسلمين من ذلة "الدولة" الوهمية إلى عزة المقاومة وشموخها البطولي الذي فرض منطقا جديدا على المحتل وعلى العالم، منطق المقاومة والتحرير.

وهل من عجب إذا نقلوا الحرب إلى عمق العدو لأول مرة في تاريخ الملحمة الفلسطينية حتى يضطر المغرورون الذين طالما اعتزوا بامتلاكهم الجيش الأقوى في المنطقة إلى أن ينسحبوا من الجنوب اللبناني تحت نيران المقاومة وعادوا لمثلها في غزة، ما جعل الحجر والشجر ناهيك عن البشر ينطق بأن هذا هو الطريق الذي ستتحرر به فلسطين كل فلسطين، ألم يقل قائلهم لا فرق بين غزة وحيفا؟ هل أجداهم الدعم الدولي شيئا أمام تصميم المجاهدين؟

وهل من عجب وقد أعادت الأيادي المتوضئة الكرامة السليبة للشعب البطل في أن يكافئها بولاء وحب عظيمين أذهلا الجميع غير مبال بكل أصوات التهديد بمقاطعته وتجويعه إذا هو اختار حماس، فما زاده ذلك إلا إصرارا على الوفاء متحديا العالم موجها أبلغ الرسائل للعالم، للسلطة للعرب والمسلمين، ولحماس نفسها وبالتأكيد للعدو الصهيوني.

فما أهم الدروس والرسائل من هذا الفوز المبين لحماس وإلى أين تتجه القضية الفلسطينية بالمنطقة؟

1- إن فوز حماس الباهر لم يكن شهابا ينطلق في ليل بهيم بل جاء ضمن مسار تصاعدي للحركة الإسلامية في المنطقة والعالم، ولم يكن عجبا أن يسبق ذلك بالزلزال الانتخابي في مصر الذي كشف بجلاء أن الإخوان المسلمين هم الخيار الحقيقي للشعب المصري حكاما له ومرشدين لو جرت العملية الانتخابية بعيدا عن سيف المعز وذهبه، عن البلطجة والمال: الرأسمال الأعظم لحكم مبارك وحزبه إلى جانب النصير الخارجي.

وهذا الحال ما كان ليختلف في أي بلد عربي آخر لو جرت اليوم انتخابات نزيهة، بل كان ذلك في تونس والجزائر مثلا منذ نهايات الثمانينيات.

المنطقة تمر بمرحلة تحول دراماتيكي، إذ إن جيل الأحزاب الوطنية الذي قاد معركة التحرير وحكم حتى تعفن بصدد الاحتضار، والذي ينهض اليوم بمهمة تشبيب السياسة هو الإسلام وحلفاؤه.

من إندونيسيا إلى طنجة، هناك صعود جيل جديد إلى ركح السياسة وقيادة الأمة بديلا عن جيل شاخ وفتّ في عضده الفساد واغترب بفكره وقيمه ونمط حياته وعلاقاته عن الشعب.

ومنظمة التحرير تنتمي لذلك الجيل مثل حزب الدستور وجبهة التحرير واتحاد القوى الشعبية والاستقلال والوفد والحزب الوطني وريث "الثورة".. الخ، مقابل حماس وشبيهاتها الإسلامية في عالم الإسلام.

يستطيع التدخل الدولي أن يحول دون عملية التحول هذه من خلال تكرار تجربة الجزائر في فلسطين وغيرها، ولكن ذلك لن يغير اتجاه التاريخ بقدر ما يزيد النقمة على المتدخلين.

2- إن الغرب الذي يبشر بالديمقراطية فرض عليه فوز حماس الباهر من خلال آليات الديمقراطية التي تولى بنفسه مراقبتها مطمئنا إلى أن نتائجها ستكون لصالح المنظمة التي أفسدها وقادها إلى الفشل والإفلاس، أن يخضع مرة أخرى للامتحان في قيمه وأخلاقه كما امتحن في أبو غريب وغوانتانامو والرسومات الدانماركية المتعفنة ليشهد على نفسه بكل لسان بتورطه المتكرر في ازدواجية المعايير إلى حد الإفلاس الخلقي.

إن تهديد حماس بالمقاطعة وفرض المساومة المذلة عليها: الخبز مقابل الكرامة، والمساعدات مقابل الاعتراف بأكبر عملية اغتصاب لمقدسات الأمة تمت في القرن العشرين، لا تزال قوى الاستكبار التي خططت لها ونفذتها ترعاها مصرة على إضفاء الشرعية عليها.

إن إصرار القوى الغربية على ديمقراطية الفرز تفضح دعاواها الإصلاحية الديمقراطية وتمسكها بالمنطق الاستعماري القائم على رفض الاعتراف بالآخر والإصرار على تدجينه وإخضاعه.

"
شعب فلسطين وشعوب الأمة ستزداد تعلقا بحماس وكذا أحرار العالم ما استمرت تنطق بصوت الحق صوت الأمة، مصرة على المنطق الذي اتبعته حتى الآن، منطق تغيير موازين القوة لا الخضوع لها
"
هذا المنطق الوصائي الاستكباري المصر على استبقاء الخنجر الصهيوني مغروزا في قلب أمتنا وربط كل علائق الإسلام بالغرب بهذا الملف يمثل أكبر تحد لشعب فلسطين بل ولكل الأمة، ولن تقبل به الأمة ولو مرت ألف سنة.

وسيظل هذا الملف الدامي والاغتصاب الظالم أكبر عقبة في طريق علاقات سوية مع أمم الغرب حتى تقر بالحق لأصحابه ويعود شعب فلسطين إلى دياره.

3- إن شعب فلسطين وشعوب الأمة ستزداد تعلقا بحماس وكذا أحرار العالم ما استمرت تنطق بصوت الحق صوت الأمة، مصرة على المنطق الذي اتبعته حتى الآن، منطق تغيير موازين القوة لا الخضوع لها، كيف لا وهي ترى ما حل بالمنظمة العتيدة عندما تخلت عن منطق تغيير موازين القوة وخضعت للمساومات.

إن الله القوي العزيز الذي نصر حماس على أعتى قوة عسكرية غاشمة كما نصر قبلها حزب الله وسائر حركات التحرير التي صمدت في وجه ميزان القوة المختل لن يكلها إلى نفسها ولا شعبها الذي أعطاها ذلك الحجم من الولاء، اعتمادا على تجاربه المتراكمة ومستوياته التعليمية العالية ووعيه السياسي الذي يفوق وعي أي شعب آخر، أولم يشارك في الانتخابات بنسب فاقت 70%، متيقنا أنه يعطي ولاءه لبرنامج المقاومة والأيدي المتوضئة؟

ومن وراء شعب فلسطين البطل أمة العرب والمسلمين وأحرار العالم، وقبل ذلك وبعده الله جل جلاله الرزاق ذو القوة المتين، وأمة العرب والمسلمين لن تعذر حاكما يتخلى عن قضية الأمة المركزية المقدسة قضية فلسطين.

4- إن أخطر ما تعرضت له هذه القضية العظيمة من انحراف وتشويه وما أفضى بأعتى منظمة تحرير إلى الإفلاس هو تسرب منطق الدولة واستيلاؤه عليها وهي لمّا تتحول إلى نصف دولة، كما لا تزال أرض فلسطين ومياهها وبحارها وكل شيء فيها تحت السيطرة الإسرائيلية.

إنها مهزلة المهازل هذه السلطة التي لم يكن رئيسها غفر الله له يملك القدرة حتى على مغادرة قفص مبنى مهدم يقدم له فيه جنود الاحتلال طعامه وشرابه بالمقدار الذي يريدون وبالنوع الذي يحددون ولو كان سما زعافا.

إن على حماس أن تعيد الأمور إلى نصابها وتضع القضية الفلسطينية في إطارها الصحيح أنها قضية تحرير وطن محتل، وفي ضوء ذلك ينبغي أن تعاد صياغة كل شيء ولو بتدرج بما في ذلك صياغة منظمة التحرير ووضع ما يسمى بالسلطة الوطنية في موضعها الصحيح بالنزول بها إلى حقيقتها الفعلية أنها مجرد إدارة خدمات تعليمية وصحية ..الخ، هي إلى مهام البلديات والحكم المحلي أقرب منها إلى مهام الدولة.

لمصلحة من كانت إشاعة وهم الدولة وجوهرها القدرة على ممارسة السيادة على أرض محددة معترف بها وليس شيء من ذلك في هذه الحالة موجودا.

إنها مسخرة حقيقية، وإن من مقتضى النزول بهذه السلطة إلى وضعها الحقيقي في الواقع أن يزال عنها كثير من الهالات والبهارج المعتادة، كالمرتبات العالية لنواب المجالس والموظفين وكثرتهم غير اللازمة والامتيازات التي فصلتهم عن الشعب وعن روح وثقافة المقاومة ورمت بهم في أحضان العدو.

"
مطلوب من حماس أن تعمل على رفع سقف البرنامج الوطني الفلسطيني الذي نزلت به منظمة التحرير إلى القاع، وبذلك ترفع سقف الدعم العربي والإسلامي والإنساني لها، بما يجعلها قوة ورافعة تغيير ديمقراطي تحرري وإنساني
"
5- إن إستراتيجية حماس العليا هي التحرير، وعلى ذلك الأساس ينبغي أن تعقد تحالفاتها وتحرص على توسيعها فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ودوليا.

ومهمة تحرير فلسطين تتجاوز كل فصيل مهما بلغت قوته، بل تتجاوز كل الفلسطينيين، بل كل العرب، بل كل المسلمين لتصب في سياق التحرر الإنساني من أخطر مخلفات وركائز الاستعمار القديم والحديث.

مطلوب التحرر من كل منزع حزبي والعمل على طرح منظور تحرري واسع يستوعب كل قوى التحرر على كل المستويات لاسيما أن رياح التحرر تهب على العالم من أميركا اللاتينية إلى إندونيسيا إلى أفريقيا.

وتمثل قضية فلسطين أسخن بوتقة لعملية التحرر الإنساني ودائرة كبرى من دوائر الحركات المناهضة للعولمة الإمبريالية.

مطلوب من حماس أن تعمل على رفع سقف البرنامج الوطني الفلسطيني الذي نزلت به منظمة التحرير إلى القاع، وبذلك ترفع سقف الدعم العربي والإسلامي والإنساني لها، بما يجعلها قوة ورافعة تغيير ديمقراطي تحرري وإنساني، رافضا لكل فكر ونهج إرهابيين، وذلك في مناخات متداعية إلى السقوط ويعلو فيها مد الإسلام والقوى الديمقراطية والمناهضة للظلم المتحالفة معه، بدل أن تكون عامل تطبيع وشرعنة لتلك الأوضاع.

لقد عاد القوس إلى بارئه فوجب أن توضع القضية في موضعها قضية تحرير وما تبقى في خدمته، "لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك